قوله: "وأفعال العباد [هي] خلق الله وكسب من العباد".
ش: اختلف الناس في أفعال العباد الاختيارية، فزعمت الجبرية ورئيسهم الجهم بن صفوان السمرقندي: أن التدبير في أفعال الخلق كلها لله تعالى، وهي كلها اضطرارية، كحركات المرتعش، والعروق النابضة، وحركات الأشجار، وإضافتها إلى الخلق مجاز! وهي على حسب ما يضاف الشيء إلى محله دون ما يضاف إلى محصله! وقابلتهم المعتزلة، فقالوا: إن جميع الأفعال الاختيارية من جميع الحيوانات بخلقها، لا تعلق لها بخلق الله تعالى. واختلفوا فيما بينهم: أن الله تعالى يقدر على أفعال العباد أم لا؟!
وقال أهل الحق: أفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة، وهي مخلوقة لله تعالى، والحق ﷾ منفرد بخلق المخلوقات، لا خالق لها سواه، فالجبرية غلوا في إثبات القدر، فنفوا صنع العبد "أصلا"، كما عملت المشبهة في إثبات الصفات، فشبهوا، والقدرية نفاة القدر جعلوا العباد خالقين مع الله تعالى، ولهذا كانوا مجوس هذه الأمة، بل أردأ من المجوس، من حيث إن المجوس أثبتوا خالقين، وهم أثبتوا خالقين!! وهدى الله المؤمنين أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. فكل دليل صحيح يقيمه الجبري، فإنما يدل على أن الله خالق كل شيء، وأنه على كل شيء قدير، وأن أفعال العباد من جملة مخلوقاته، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يدل على أن العبد ليس بفاعل في الحقيقة ولا مريد ولا مختار، وأن حركاته الاختيارية بمنزلة حركة المرتعش وهبوب الرياح وحركات الأشجار، وكل دليل صحيح يقيمه القدري فإنما يدل على أن العبد فاعل لفعله حقيقة، وأنه مريد له مختار له حقيقة، وأن إضافته ونسبته إليه إضافة حق، ولا يدل على أنه غير مقدور لله تعالى وأنه واقع بغير مشيئته وقدرته، فإذا ضممت ما مع كل طائفة منهما من الحق إلى حق الأخرى، فإنما يدل ذلك على ما دل عليه القرآن وسائر كتب الله المنزلة، من عموم قدرة الله ومشيئته لجميع ما في الكون من الأعيان والأفعال، وأن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة، وأنهم يستوجبون عليها المدح والذم.
وهذا هو الواقع في نفس الأمر، فإن أدلة الحق لا تتعارض، والحق يصدق بعضه بعضا. ويضيق هذا المختصر عن ذكر أدلة الفريقين، ولكنها تتكافأ وتتساقط، ويستفاد من دليل كل فريق بطلان قول الآخر، ولكن أذكر شيئا مما استدل به كل من الفريقين، ثم أبين أنه لا يدل على ما استدل عليه من الباطل:
فما استدلت به الجبرية، قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]. فنفى الله عن نبيه الرمي، وأثبته لنفسه سبحانه، فدل على أنه لا صنع للعبد، قالوا: والجزاء غير مرتب على الأعمال، بدليل قوله ﷺ: "لن يدخل أحد الجنة بعمله"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن
[ ٤٣٧ ]
يتغمدني الله برحمة منه وفضل" (^١).
ومما استدل به القدرية، قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، قالوا: والجزاء مرتب على الأعمال ترتب العوض، كما قال تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الم السجدة: (١٧) والأحقاف: (١٤) والواقعة: ٢٤]. ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٢]. ونحو ذلك.
فأما ما استدلت به الجبرية من قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، فهو دليل عليهم، لأنه تعالى أثبت لرسوله [ﷺ] رميا، بقوله: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾، فعلم أن المثبت غير المنفي، وذلك أن الرمي له ابتداء وانتهاء: فابتداؤه الحذف، وانتهاؤه الإصابة، وكل منهما يسمى رميا، فالمعنى حينئذ، والله تعالى أعلم: وما أصبت إذ حذفت ولكن الله أصاب، وإلا فطرد قولهم: وما صليت إذ صليت ولكن الله صلى! وما صمت إذ صمت! وما زنيت إذ زنيت! وما سرقت إذ سرقت!! وفساد هذا ظاهر.
وأما ترتب الجزاء على الأعمال، فقد ضلت فيه الجبرية والقدرية، وهدى الله أهل السنة، وله الحمد والمنة. فإن الباء التي في النفي غير الباء التي في الإثبات، فالمنفي في قوله ﷺ: "لن يدخل الجنة أحد بعمله" باء العوض، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى الجنة، كما زعمت المعتزلة أن العامل مستحق دخول الجنة على ربه بعمله! بل ذلك برحمة الله وفضله، والباء التي في قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الم السجدة: ١٧] وغيرها، باء السبب، أي بسبب عملكم، والله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات، فرجع الكل إلى محض فضل الله ورحمته.
وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فمعنى الآية: أحسن المصورين المقدرين، والخلق يذكر ويراد به التقدير، وهو المراد هنا، بدليل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: (١٨) والزمر: ٦٢].
_________________
(١) مسلم عن حديث أبي هريرة وجابر وعائشة بألفاظ متقاربة.
[ ٤٣٨ ]
أي الله خالق كل شيء مخلوق، فدخلت أفعال العباد في عموم: كل، وما أفسد قولهم في إدخال كلام الله تعالى في عموم: كل، الذي هو صفة من صفاته، يستحيل عليه أن يكون مخلوقا! وأخرجوا أفعالهم التي هي مخلوقة من عموم: كل!! وهل يدخل في عموم: كل إلا ما هو مخلوق؟ فذاته المقدسة وصفاته غير داخلة في هذا العموم، ودخل سائر المخلوقات في عمومها، وكذا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. ولا نقول إن: ما مصدرية، أي خلقكم وعملكم، إذ سياق الآية يأباه؛ لأن إبراهيم ﵇ إنما أنكر عليهم عبادة المنحوت، لا النحت، والآية تدل على أن المنحوت مخلوق لله تعالى، وهو ما صار منحوتا إلا بفعلهم، فيكون ما هو من آثار فعلهم مخلوقا لله تعالى، ولو لم يكن النحت مخلوقا لله تعالى لم يكن المنحوت مخلوقا له، بل الخشب أو الحجر لا غير، وذكر أبو الحسين البصري إمام المتأخرين من المعتزلة: أن العلم بأن العبد يحدث فعله، ضروري. وذكر الرازي أن افتقار الفعل المحدث الممكن إلى مرجح يجب وجوده عنده ويمتنع عنده عدمه، ضروري، وكلاهما صادق فيما ذكره من العلم الضروري، ثم ادعاء كل منهما أن هذا العلم الضروري يبطل ما ادعاه الآخر من الضرورة، غير مسلم، بل كلاهما صادق فيما ادعاه من العلم الضروري، وإنما وقع غلطه في إنكاره ما مع الآخر من الحق، فإنه لا منافاة بين كون العبد محدثا لفعله وكون هذا الإحداث وجب وجوده بمشيئة الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨]. فقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، إثبات للقدر بقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾، وإثبات لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى نفسه، ليعلم أنها هي الفاجرة والمتقية. وقوله بعد ذلك: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠]، إثبات أيضا لفعل العبد، ونظائر ذلك كثيرة.
وهذه شبهة أخرى من شبه القوم التي فرقتهم، بل مزقتهم كل ممزق، وهي: أنهم قالوا؟ كيف يستقيم الحكم على قولكم بأن الله يعذب المكلفين على ذنوبهم وهو خلقها فيهم؟ فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه وفاعله فيهم؟ وهذا السؤال لم يزل مطروقا في العالم على ألسنة الناس، وكل منهم يتكلم في جوابه
[ ٤٣٩ ]
بحسب علمه ومعرفته، وعنه تفرقت بهم الطرق: فطائفة أخرجت أفعالهم عن قدرة الله تعالى، وطائفة أنكرت الحكم والتعليل، وسدت باب السؤال، وطائفة أثبتت كسبا لا يعقل! جعلت الثواب "والعقاب" عليه، وطائفة التزمت لأجله وقوع مقدور بين قادرين، ومفعول بين فاعلين! وطائفة التزمت الجبر، وأن الله يعذبهم على ما لا يقدرون عليه! وهذا السؤال هو الذي أوجب التفرق والاختلاف.
والجواب الصحيح عنه، أن يقال: إن ما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية، وإن كانت خلقا لله تعالى، فهي عقوبة له على ذنوب قبلها، فالذنب يكسب الذنب، ومن عقاب السيئة السيئةُ بعدها. فالذنوب كالأمراض التي يورث بعضها بعضا. يبقى أن يقال: فالكلام في الذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب؟ يقال: هو عقوبة أيضا على عدم فعل ما خلق له وفطر عليه، فإن الله سبحانه خلقه لعبادته وحده لا شريك له، وفطره على محبته وتأليهه والإنابة إليه، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، فإن لم يفعل ما خلق له وفطر عليه، من محبة الله وعبوديته، والإنابة إليه، عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي، فإنه صادف قلبا خاليا قابلا للخير والشر، ولو كان فيه الخير الذي يمنع ضده لم يتمكن منه الشر، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]. وقال إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]، وقال الله ﷿: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤١، ٤٢]، والإخلاص: خلوص القلب من تأليه ما سوى الله تعالى وإرادته ومحبته، فخلص لله، فلم يتمكن منه الشيطان، وأما إذا صادفه فارغا من ذلك، تمكن منه بحسب فراغه، فيكون جعله مذنبا مسيئا في هذه الحال عقوبة له على عدم هذا الإخلاص. وهي محض العدل. فإن قلت: فذلك العدم من خلقه فيه؟ قيل: هذا سؤال فاسد، فإن العدم كاسمه، لا يفتقر إلى تعلق التكوين والإحداث به، فإن عدم الفعل ليس أمرا وجوديا حتى يضاف إلى الفاعل، بل هو شر محض، والشر ليس إلى الله سبحانه، كما قال ﷺ في حديث الاستفتاح: "لبيك وسعديك، والخير كله في يديك،
[ ٤٤٠ ]
والشر ليس إليك" (^١)، وكذا في حديث الشفاعة يوم القيامة، حين يقول الله له: يا محمد، فيقول: "لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك" (^٢)، وقد أخبر الله تعالى أن تسليط الشيطان إنما هو على الذين يتولونه والذين هم به مشركون، فلما تولوه دون الله وأشركوا به معه، عوقبوا على ذلك بتسليطه عليهم، وكانت هذه الولاية والإشراك عقوبة خلو القلب وفراغه من الإخلاص، فإلهام البر والتقوى ثمرة هذا الإخلاص ونتيجته، وإلهام الفجور عقوبة على خلوه من الإخلاص.
فإن قلت: إن كان هذا الترك أمرا وجوديا عاد السؤال جذعا (^٣)، وإن كان أمرا عدميا فكيف يعاقب على العدم المحض؟ قيل: ليس هنا ترك هو كف النفس ومنعها عما تريده وتحبه، فهذا قد يقال: إنه أمر وجودي، وإنما هنا عدم وخلو من أسباب الخير، وهذا العدم هو محض خلوها مما هو أنفع شيء لها، والعقوبة على الأمر العدمي هي بفعل السيئات، لا بالعقوبات التي تناله بعد إقامة الحجة عليه بالرسل. فلله فيه عقوبتان: إحداهما: جعله مذنبا خاطئا، وهذه عقوبة عدم إخلاصه وإنابته وإقباله على الله، وهذه العقوبة قد لا يحس بألمها ومضرتها، لموافقتها شهوته وإرادته، وهي في الحقيقة من أعظم العقوبات، والثانية: العقوبات المؤلمة بعد فعله للسيئات، وقد قرن الله تعالى بين هاتين العقوبتين في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤].
_________________
(١) صحيح وهو طرف من حديث علي في دعاء الاستفتاح، وهو مخرج في "صفة الصلاة" "ص ٧٣" الطبعة الحادية عشر، طبع المكتب الإسلامي.
(٢) رواه البزار عن حذيفة موقوفا ورجاله رجال الصحيح، والطبراني في "الأوسط" عنه مرفوعا، وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات، كذا في "المجمع" "١٠/ ٣٧٧"، وقلت ومن طريق "الليث" أخرجه الحاكم أيضا "٤/ ٥٧٤"، وقال: "وقد استشهد بليث بن [أبي] سليم".
(٣) قال عفيفي: انظر ص ٣٢٩ من "مختصر الموصلي للصواعق المرسلة" لابن القيم ط مكة، وص ٣٣١ ج ١٤ من "مجموع الفتاوى".
[ ٤٤١ ]
فهذه العقوبة الأولى، ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤]، فهذه العقوبة الثانية.
فإن قيل: فهل كان يمكنهم أن يأتوا بالإخلاص والإنابة والمحبة له وحده، من غير أن يخلق ذلك في قلوبهم ويجعلهم مخلصين له منيبين له محبين له؟ أم ذلك محض جعله في قلوبهم وإلقائه فيها؟ قيل: لا، بل هو محض منته وفضله، وهو من أعظم الخير الذي هو بيده، والخير كله في يديه، ولا يقدر أحد أن يأخذ من الخير إلا ما أعطاه، ولا يتقي من الشر إلا ما وقاه.
فإن قيل: فإذا لم يخلق ذلك في قلوبهم ولم يوفقوا له، ولا سبيل لهم إليه بأنفسهم، عاد السؤال؟ وكان منعهم منه ظلما، ولزمكم القول بأن العدل هو تصرف المالك في ملكه بما يشاء، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون؟ قيل: لا يكون سبحانه بمنعهم من ذلك ظالما، وإنما يكون المانع ظالما إذا منع غيره حقا لذلك الغير عليه، وهذا هو الذي حرمه الرب على نفسه، وأوجب على نفسه خلافه، وأما إذا منع غيره ما ليس بحق له، بل هو محض فضله ومنته عليه، لم يكن ظالما بمنعه، فمنع الحق ظلم، ومنع الفضل والإحسان عدل، وهو سبحانه العدل في منعه، كما هو المحسن المنان بعطائه.
فإن قيل: فإذا كان العطاء والتوفيق إحسانا ورحمة، فهلا كان العمل له والغلبة، كما أن رحمته تغلب غضبه؟ قيل: المقصود في هذا المقام بيان أن هذه العقوبة المترتبة على هذا المنع، والمنع المستلزم للعقوبة، ليس بظلم، بل هو محض العدل، وهذا سؤال عن الحكمة التي أوجبت تقديم العدل (^١) على الفضل في بعض المحال؟ وهلا سوى بين العباد في الفضل؟ وهذا السؤال حاصله: لم تفضل على هذا ولم يتفضل على الآخر؟ وقد تولى الله سبحانه الجواب عنه بقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٩]. ولما سأله اليهود
_________________
(١) قال عفيفي: انظر ص ٣٣١ ج ١ من "مختصر الموصلي للصواعق المرسلة".
[ ٤٤٢ ]
والنصارى عن تخصيص هذه الأمة بأجرين وإعطائهم هم أجرا أجرا، قال: "هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء" (^١) وليس في الحكمة إطلاع كل فرد من أفراد الناس على كمال حكمته في عطائه ومنعه، بل إذا كشف الله عن بصيرة العبد، حتى أبصر طرفا يسيرا من حكمته في خلقه، وأمره وثوابه وعقابه، وتخصيصه وحرمانه، وتأمل أحوال محال ذلك، استدل بما علمه على ما لم يعلمه، ولما استشكل أعداؤه المشركون هذا التخصيص، قالوا: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾؟ قال تعالى مجيبا لهم: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]. فتأمل هذا الجواب (^٢)، تَرَ في ضمنه أنه سبحانه أعلم بالمحل الذي يصلح لغرس شجرة النعمة فتثمر بالشكر، من المحل الذي لا يصلح لغرسها، فلو غرست فيه لم تثمر، فكان غرسها هناك ضائعا لا يليق بالحكمة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، فإن قيل: إذا حكمتم باستحالة الإيجاد من العبد، فإذا لا فعل للعبد أصلا؟ قيل: العبد فاعل لفعله حقيقة، "وله قدرة حقيقة". قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود: ٣٦]، وأمثال ذلك. وإذا ثبت كون العبد فاعلًا، فأفعاله نوعان: نوع يكون منه من غير اقتران قدرته وإرادته، فيكون صفة له ولا يكون فعلا، كحركات المرتعش. ونوع يكون منه مقارنا لإيجاد قدرته واختياره، فيوصف بكونه صفة وفعلا وكسبا للعبد، كالحركات الاختيارية، والله تعالى هو الذي جعل العبد فاعلا مختارا، وهو الذي يقدر على ذلك وحده لا شريك له، ولهذا أنكر السلف الجبر، فإن الجبر لا يكون إلا من عاجز، فلا يكون إلا مع الإكراه، يقال: للأب "ولاية" إجبار البكر الصغيرة على النكاح (^٣)، وليس له إجبار الثيب البالغ، أي: ليس له أن يزوجها مكرهة، والله تعالى لا يوصف بالإجبار بهذا الاعتبار؛ لأنه سبحانه خالق الإرادة
_________________
(١) البخاري في حديث لابن عمر أوله "إنما بقاؤكم … ".
(٢) قال عفيفي: انظر ص ٣٣١ ج ١ من "مختصر الموصلي".
(٣) قال عفيفي: انظر ص ٣٣٢ ج ١ من "مختصر الموصلي".
[ ٤٤٣ ]
والمراد، قادر على أن يجعله مختارا بخلاف غيره، ولهذا جاء في ألفاظ الشارع: "الجبل" دون "الجبر"، كما قال ﷺ لأشج عبد القيس: "إن فيك لخلتين يحبهما الله: الحلم والأناة" (^١) فقال: أخلقين تخلقت بهما؟ أم خلقين جبلت عليهما؟ فقال: "بل خلقان جبلت عليهما" فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله تعالى (^٢). والله تعالى إنما يعذب عبده على فعله الاختياري. والفرق بين العقاب على الفعل الاختياري وغير الاختياري مستقر في الفطر والعقول.
وإذا قيل: خلق الفعل مع العقوبة عليه ظلم؟! كان بمنزلة أن يقال: خلق أكل السم ثم حصول الموت به ظلم!! فكما أن هذا سبب للموت، فهذا سبب للعقوبة، ولا ظلم فيهما.
فالحاصل: أن فعل العبد فعل له حقيقة (^٣)، ولكنه مخلوق لله تعالى، ومفعول لله تعالى، ليس هو نفس فعل الله، ففرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق. وإلى هذا المعنى أشار الشيخ ﵀ بقوله: وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد، أثبت للعباد فعلا وكسبا، وأضاف الخلق لله تعالى، والكسب: هو الفعل الذي يعود على فاعله منه نفغ أو ضرر، كما قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قوله: "ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، وهو تفسير لا حول ولا قوة الا بالله، نقول: لا حيلة لأحد، [ولا تحول لأحد]، ولا حركة لأحد عن معصية الله، إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله، وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره. غلبت مشيئته المشيئات كلها، [وعكست إرادته الإرادات كلها]، وغلب
_________________
(١) قال عفيفي: انظر ص ٣٣٢ ج ١ من "مختصر الموصلي".
(٢) مسلم وغيره عن ابن عباس، وهو مخرج في "الروض النضير" "٤٠٦".
(٣) قال عفيفي: انظر ص ٣٣٣ ج ١ و٣٢٧ ج ١٤ من "مجموع الفتاوى".
[ ٤٤٤ ]
قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء، وهو غير ظالم أبدا. ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ".
ش: فقوله: لم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: (١٥٢) والأعراف: (٤٢) والمؤمنون: ٦٢]. وعند أبي الحسن الأشعري أن تكليف ما لا يطاق جائز عقلا، ثم تردد أصحابه [أنه]: هل ورد به الشرع أم لا؟ واحتج من قال بوروده بأمر أبي لهب بالإيمان، فإنه تعالى أخبر بأنه لا يؤمن، [وأنه سيصلى نارا ذات لهب، فكان مأمورا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين الضدين، وهو محال، والجواب عن هذا بالمنع: فلا نسلم بأنه مأمور] بأن يؤمن [بأنه لا يؤمن]، والاستطاعة التي بها يقدر على الإيمان كانت حاصلة، فهو غير عاجز عن تحصيل الإيمان (^١)، فما كلف إلا ما يطيقه كما تقدم في تفسير الاستطاعة. ولا يلزم قوله تعالى للملائكة: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١]، مع عدم علمهم بذلك، ولا للمصورين يوم القيامة: "أحيوا ما خلقتم"، وأمثال ذلك، لأنه ليس بتكليف طلب فعل يثاب فاعله ويعاقب تاركه، بل هو خطاب تعجيز، وكذا لا يلزم دعاء المؤمنين في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ لأن تحميل ما لا يطاق ليس تكليفا، بل يجوز أن يحمله جبلا لا يطيقه فيموت، وقال ابن الأنباري: أي لا تحملنا ما يثقل علينا أداؤه وإن كنا مطيقين له على تجشم وتحمل مكروه، قال: فخاطب العرب على حسب ما تعقل، فإن الرجل منهم يقول للرجل يبغضه: ما أطيق النظر إليك، وهو مطيق لذلك، لكنه يثقل عليه، ولا يجوز في الحكمة أن يكلفه بحمل جبل بحيث لو فعل يثاب ولو امتنع يعاقب، كما أخبر سبحانه عن نفسه أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها.
ومنهم من يقول: يجوز تكليف الممتنع عادة، دون الممتنع لذاته، لأن ذلك لا يتصور وجوده، فلا يعقل الأمر به، بخلاف هذا.
_________________
(١) قال عفيفي: انظر ص ٣٦ - ٣٧ ج ١ من "موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول" لابن تيمية. "منهاج السنة" ج ١ ص ٩٠ - ٩١ طبعة المدني وص ٣٤، ط بولاق.
[ ٤٤٥ ]
ومنهم من يقول: ما لا يطاق للعجز عنه لا يجوز تكليفه، بخلاف ما لا يطاق للاشتغال بضده، فإنه يجوز تكليفه، وهؤلاء موافقون للسلف والأئمة في المعنى، لكن كونهم جعلوا ما يتركه العبد لا يطاق لكونه تاركا له مشتغلا بضده بدعة في الشرع واللغة، فإن مضمونه أن فعل ما لا يفعله العبد لا يطيقه! وهم التزموا هذا، لقولهم: إن الطاقة -التي هي الاستطاعة وهي القدرة- لا تكون إلا مع الفعل! فقالوا: كل من لم يفعل فعلا فإنه لا يطيقه! وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف، وخلاف ما عليه عامة العقلاء، كما تقدمت الإشارة إليه عند ذكر الاستطاعة.
وأما ما لا يكون إلا مقارنا للفعل، فذلك ليس شرطا في التكليف، مع أنه في الحقيقة [إنما] هناك إرادة الفعل، وقد يحتجون بقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود: ٢٠]. ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: (٦٧)، (٧٢)، ٧٥]، وليس في ذلك إرادة ما سموه استطاعة، وهو ما لا يكون إلا مع الفعل، فإن الله ذم هؤلاء على كونهم لا يستطيعون السمع، ولو أراد بذلك المقارن لكان جميع الخلق لا يستطيعون السمع قبل السمع! فلم يكن لتخصيص هؤلاء بذلك معنى، ولكن هؤلاء لبغضهم الحق وثقله عليهم، إما حسدا لصاحبه، وإما اتباعا للهوى، لا يستطيعون السمع، وموسى ﵇ لا يستطيع الصبر، لمخالفة ما يراه لظاهر الشرع، وليس عنده منه علم، وهذه لغة العرب وسائر الأمم، فمن يبغض غيره يقال: إنه لا يستطيع الإحسان إليه، ومن يحبه يقال: إنه لا يستطيع عقوبته، لشدة محبته له، لا لعجزه عن عقوبته، فيقال ذلك للمبالغة، كما تقول (^١): لأضربنه حتى يموت، والمراد الضرب الشديد. وليس هذا عذرا، فلو لم يأمر العباد إلا بما يهوونه لفسدت السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١].
وقوله: ولا يطيقون إلا ما كلفهم به، إلى آخر كلامه. أي: ولا يطيقون إلا ما أقدرهم عليه، وهذه الطاقة هي التي من نحو التوفيق، لا التي من جهة الصحة
_________________
(١) في الأصل: يقال.
[ ٤٤٦ ]
والوسع والتمكن وسلامة الآلات، و"لا حول ولا قوة إلا بالله"، دليل على إثبات القدر، وقد فسرها الشيخ بعدها، ولكن في كلام الشيخ إشكال: فإن التكليف لا يستعمل بمعنى الإقدار، وإنما يستعمل بمعنى الأمر والنهي، وهو قد قال: لا يكلفهم إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم، وظاهره أنه يرجع إلى معنى واحد، ولا يصح ذلك، لأنهم يطيقون فوق ما كلفهم به، لكنه سبحانه يريد بعباده اليسر والتخفيف، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨]، فلو زاد فيما كلفنا به لأطقناه، ولكنه تفضل علينا ورحمنا، وخفف عنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج، ويجاب عن هذا الإشكال بما تقدم: أن المراد الطاقة التي من نحو التوفيق، لا من جهة التمكن وسلامة الآلات، ففي العبارة قلق، فتأمله.
وقوله: وكل [شيء] يجري بمشيئة الله وعلمه وقضائه وقدره، يريد بقضائه القضاء الكوني لا الشرعي، فإن القضاء يكون كونيا وشرعيا، وكذلك الإرادة والأمر والإذن والكتاب والحكم والتحريم والكلمات، ونحو ذلك. أما القضاء الكوني، ففي قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [الم السجدة: ١٢]. والقضاء الديني الشرعي، في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وأما الإرادة الكونية والدينية، فقد تقدم ذكرها عند قول الشيخ: ولا يكون إلا ما يريد، وأما الأمر الكوني، ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]، في أحد الأقوال، وهو أقواها، والأمر الشرعي، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] الآية. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وأما الإذن الكوني، ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]. والإذن الشرعي، في قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥]، وأما الكتاب الكوني، ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا في كتاب
[ ٤٤٧ ]
إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: ١١]. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. والكتاب الشرعي الديني، في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وأما الحكم الكوني، ففي قوله تعالى عن ابن يعقوب ﵇: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢]، والحكم الشرعي، في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وأما التحريم الكوني، ففي قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]. ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]. والتحريم الشرعي، في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]. و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآية. وأما الكلمات الكونية، ففي قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧]. وفي قوله ﷺ: "أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر" (^١). والكلمات الشرعية الدينية، في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤].
وقوله: يفعل ما يشاء، وهو غير ظالم أبدا، الذي دل عليه القرآن من تنزيه الله نفسه عن ظلم العباد، يقتضي قولا وسطا بين قولي القدرية والجبرية، فليس ما كان من بني آدم ظلما وقبيحا يكون منه ظلما وقبيحا، كما تقوله القدرية والمعتزلة ونحوهم! فإن ذلك تمثيل لله بخلقه! وقياس له عليهم! هو الرب الغني القادر، وهم العباد الفقراء المقهورون، وليس الظلم عبارة عن الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، كما يقوله من يقوله من المتكلمين وغيرهم، يقولون: إنه يمتنع أن يكون
_________________
(١) صحيح، وتقدم.
[ ٤٤٨ ]
[في] الممكن المقدور ظلم! بل كان ما كان ممكنا فهو منه -لو فعله- عدل، إذ الظلم لا يكون إلا من مأمور من غيره منهي، والله ليس كذلك، فإن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] وقوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الزخرف: ٧٦]، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧]. بدل على نقيض هذا القول.
ومنه قوله الذي رواه عنه رسوله: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا" (^١). فهذا دل على شيئين: أحدهما: أنه حرم على نفسه الظلم، والممتنع لا يوصف بذلك. الثاني: أنه أخبر أنه حرمه على نفسه، كما أخبر أنه كتب على نفسه الرحمة، وهذا يبطل احتجاجهم بأن الظلم لا يكون إلا من مأمور منهي، والله ليس كذلك. فيقال لهم: هو سبحانه كتب على نفسه الرحمة، وحرم على نفسه الظلم، وإنما كتب على نفسه وحرم على نفسه ما هو قادر عليه، لا ما هو ممتنع عليه.
وأيضا: فإن قوله: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]، قد فسره السلف، بأن الظلم: أن توضع عليه سيئات غيره، والهضم: أن ينقص من حسناته، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥].
وأيضا فإن الإنسان لا يخاف الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة حتى يأمن من ذلك، وإنما يأمن مما يمكن، فلما آمنه من الظلم بقوله: ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ [طه: ١١٢]، علم أنه ممكن مقدور عليه. وكذا قوله: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨]، إلى قوله: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩]، لم يعن بها نفي ما لا يقدر عليه ولا يمكن منه، وإنما نفى ما هو مقدور عليه ممكن، وهو أن يجزوا بغير أعمالهم، فعلى قول هؤلاء ليس الله منزها عن شيء من الأفعال أصلا، ولا مقدسا عن أن يفعله،
_________________
(١) مسلم وتقدم، "مختصر صحيح مسلم" "١٨٢٨".
[ ٤٤٩ ]
بل كل ممكن فإنه لا ينزه عن فعله، بل فعله حسن، ولا حقيقة للفعل السوء، بل ذلك ممتنع، والممتنع لا حقيقة له!! والقرآن يدل على نقيض هذا القول، في مواضع، نزه الله نفسه فيها عن فعل ما لا يصلح له ولا ينبغي له، فعلم أنه منزه مقدس عن فعل السوء والفعل المعيب المذموم، كما أنه منزه مقدس عن وصف السوء والوصف المعيب المذموم، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]. فإنه نزه نفسه عن خلق الخلق عبثا، وأنكر على من حسب ذلك، وهذا فعل، وقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]، إنكار منه على من جوز أن يسوي الله بين هذا وهذا، وكذا قوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ (^١) سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]، إنكار على من حسب أنه يفعل هذا، وإخبار أن هذا حكم سيئ قبيح، وهو مما ينزه الرب عنه.
وروى أبو داود، والحاكم في المستدرك، من حديث ابن عباس، وعبادة بن الصامت، وزيد بن ثابت، عن النبي ﷺ: "لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم" (^٢). وهذا الحديث مما يحتج به الجبرية، وأما القدرية فلا يتأتى على أصولهم الفاسدة! ولهذا قابلوه إما بالتكذيب أو بالتأويل!! وأسعد الناس به أهل السنة، الذين قابلوه بالتصديق، وعلموا من عظمة الله وجلاله، قدر نعم الله على خلقه، وعدم قيام الخلق بحقوق نعمه عليهم، إما عجزا، وإما جهلا، وإما تفريطا وإضاعة، وإما تقصيرا في المقدور من الشكر، ولو من بعض الوجوه، فإن حقه على أهل السماوات والأرض أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر،
_________________
(١) قال عفيفي: انظر ص ٣١٥ - ٣٢٩ ج ١ من "مختصر الموصلي للصواعق المرسلة" لابن القيم. وص ١٢٥ ج ٦ من "مجموعة الفتاوى".
(٢) صحيح وقد خرجته في "تخريج السنة" "٢٤٥".
[ ٤٥٠ ]
وتكون قوة الحب والإنابة، والتوكل والخشية والمراقبة والخوف والرجاء جميعها متوجهة إليه، ومتعلقة به، بحيث يكون القلب عاكفا على محبته وتأليهه، بل على إفراده بذلك، واللسان محبوسا على ذكره، والجوارح وقفا على طاعته. ولا ريب أن هذا مقدور في الجملة، ولكن النفوس تشح به، وهي في الشح على مراتب لا يحصيها إلا الله تعالى، وأكثر المطيعين تشح به نفسه من وجه، وإن أتى به من وجه آخر، فأين الذي لا تقع منه إرادة تزاحم مراد الله وما يحبه منه؟ ومن [ذا] الذي لم يصدر منه خلاف ما خلق له، ولو في وقت من الأوقات؟ فلو وضع الرب سبحانه عدله على أهل سماواته وأرضه، لعذبهم بعدله، ولم يكن ظالما لهم، وغاية ما يقدر، توبة العبد من ذلك واعترافه، وقبول التوبة محض فضله وإحسانه، وإلا فلو عذب عبده على جنايته لم يكن ظالما ولو قدر أنه تاب منها، لكن أوجب على نفسه -بمقتضى فضله ورحمته- أنه لا يعذب من تاب، وقد كتب على نفسه الرحمة، فلا يسع الخلائق إلا رحمته وعفوه، ولا يبلغ عمل أحد منهم أن ينجو به من النار، أو يدخل الجنة، كما قال أطوع الناس لربه، وأفضلهم عملا، وأشدهم تعظيما لربه وإجلالا: "لن ينجي أحدا منكم عمله"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" (^١)، وسأله الصديق دعاء يدعو به في صلاته، فقال: قل: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك الغفور الرحيم" (^٢). فإذا كان هذا حال الصديق، الذي هو أفضل الناس بعد الأنبياء والمرسلين، فما الظن بسواه؟ بل إنما صار صديقا بتوفيته هذا المقام حقه، الذي يتضمن معرفة ربه، وحقه وعظمته، وما ينبغي له، وما يستحقه على عبده، ومعرفة تقصيره. فسحقا وبعدا لمن زعم أن المخلوق يستغني عن مغفرة ربه ولا يكون به حاجة إليها! وليس وراء هذا الجهل بالله وحقه غاية!! فإن لم يتسع فهمك لهذا، فانزل إلى وطأة النعيم، وما عليها من الحقوق، ووازن من (^٣) شكرها وكفرها، فحينئذ تعلم أنه سبحانه لو عذب أهل سماواته وأرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم.
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة، وتقدم بنحوه.
(٢) متفق عليه من حديث أبي بكر الصديق "انظر مسند أبي بكر الصديق طبع المكتب الإسلامي ص ١٢٢".
(٣) في الأصل: بين.
[ ٤٥١ ]