…
أنوع الاختلاف:
ثم إن أنواع الافتراق والاختلاف في الأصل قسمان:
اختلاف تنوع، واختلاف تضاد.
واختلاف التنوع على وجوه:
منه ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقا مشروعا، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة ﵃، حتى زجرهم النبي ﷺ، وقال: "كلاكما محسن" (^١)، ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، ومحل سجود السهو، والتشهد، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، ونحو ذلك، مما قد شرع جميعه، وإن كان بعض أنواعه أرجح أو أفضل، ثم تجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع الإقامة وإيتارها ونحو ذلك! وهذا عين المحرم، وكذا تجد كثيرا منهم في قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع، والإعراض عن الآخر والنهي عنه: ما دخل به فيما نهى عنه النبي ﷺ.
ومنه ما يكون كل من القولين هو في المعنى القول الآخر، لكن العبارتان مختلفتان، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود، وصيغ الأدلة، والتعبير عن المسميات، ونحو ذلك، ثم الجهل أو الظلم يحمل على حمد إحدى المقالتين وذم الأخرى والاعتداء على قائلها! ونحو ذلك.
_________________
(١) البخاري من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
[ ٥١٤ ]
وأما اختلاف التضاد، فهو القولان المتنافيان، إما في الأصول، وإما في الفروع، عند الجمهور الذين يقولون: المصيب واحد. والخطب في هذا أشد، لأن القولين يتنافيان، لكن نجد كثيرا من هؤلاء قد يكون القول الباطل الذي مع منازعه فيه حق ما، أو معه دليل يقتضي حقا ما، فيرد الحق مع الباطل، حتى يبقى هذا مبطلا في البعض، كما كان الأول مبطلا في الأصل، وهذا يجري كثيرا لأهل السنة.
وأما أهل البدعة، فالأمر فيهم ظاهر. ومن جعل الله له هداية ونورا رأى من هذا ما تبين له منفعة ما جاء في الكتاب والسنة من النهي عن هذا وأشباهه، وإن كانت القلوب الصحيحة تنكر هذا، لكن نور على نور.
والاختلاف الأول، الذي هو اختلاف التنوع، الذم فيه واقع على من بغى على الآخر فيه، وقد دل القرآن على حمد كل واحدة من الطائفتين في مثل ذلك، إذا لم يحصل بغي، كما في قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥]، وقد كانوا اختلفوا في قطع الأشجار، فقطع قوم، وترك آخرون. وكما في قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: (٧٨)، ٧٩]، فخص سليمان بالفهم وأثنى عليهما بالحكم والعلم. وكما في إقرار النبي ﷺ يوم بني قريظة لمن صلى العصر في وقتها، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة (^١)، وكما في قوله: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" (^٢).
والاختلاف الثاني، هو ما حمد فيه إحدى الطائفتين، وذمت الأخرى، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقوله تعالى:
_________________
(١) البخاري ومسلم عن ابن عمر.
(٢) البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم عن حديث أبي هريرة وعمرو بن العاص.
[ ٥١٥ ]
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج: ١٩]، الآيات.
وأكثر الاختلاف الذي يئول إلى الأهواء بين الأمة، من القسم الأول، وكذلك إلى سفك الدماء واستباحة الأموال والعداوة والبغضاء؛ لأن إحدى الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق، ولا تنصفها، بل تزيد على ما مع نفسها من الحق زيادات من الباطل، والأخرى كذلك، ولذلك جعل الله مصدره البغي في قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ لأن البغي مجاوزة الحد، وذكر هذا في غير موضع من القرآن ليكون عبرة لهذه الأمة، وقريب من هذا الباب ما خرجاه في "الصحيحين"، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (^١). فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمروا به، معللا بأن سبب هلاك الأولين إنما كان كثرة السؤال ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية.
ثم الاختلاف في الكتاب، من الذين يقرون به، على نوعين: أحدهما اختلاف في تنزيله، والثاني اختلاف في تأويله، وكلاهما فيه إيمان ببعض دون بعض:
فالأول كاختلافهم في تكلم الله بالقرآن وتنزيله، فطائفة قالت: هذا الكلام حصل بقدرته ومشيئته لكونه مخلوقا في غيره لم يقم به، وطائفة قالت: بل هو صفة له قائم بذاته ليس بمخلوق، لكنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وكل من الطائفتين جمعت في كلامها بين حق وباطل، فآمنت ببعض الحق، وكذبت بما تقوله الأخرى من الحق، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
وأما الاختلاف في تأويله، الذي يتضمن الإيمان ببعضه دون بعض، فكثير،
_________________
(١) صحيح، وهو مخرج في "الأحاديث الصحيحة" "٨٥٠" برواية الترمذي وتصحيحه، وفي "الإرواء" "١٥٥، ٣١٤" برواية الشيخين وغيرهما، وقد ذكرت له فيه سبع طرق أخرى عن أبي هريرة ﵁.
[ ٥١٦ ]
كما في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه ذات يوم وهم يختصمون في القدر، هذا ينزع بآية وهذا ينزع بآية، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: "أبهذا أمرتم؟ أم بهذا وكلتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ انظروا ما أمرتم به فاتبعوه، وما نهيتم عنه فانتهوا" (^١). وفي رواية: "يا قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتاب بعضه ببعض، وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض، ولكن نزل القرآن يصدق بعضه بعضا، ما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به". وفي رواية: "فإن الأمم قبلكم لم يلعنوا حتى اختلفوا، وإن المراء في القرآن كفر" (^٢). وهو حديث مشهور، مخرج في "المسانيد والسنن". وقد روى أصل الحديث مسلم في "صحيحه"، من حديث عبد الله بن رباح الأنصاري، أن عبد الله بن عمرو قال: هجَّرْتُ إلى النبي ﷺ يوما، فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله ﷺ يعرف في وجهه الغضب، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب" (^٣).
وجميع أهل البدع مختلفون في تأويله، مؤمنون ببعضه دون بعض، يقرون بما يوافق رأيهم من الآيات، وما يخالفه: إما أن يتأوله تأويلا يحرفون فيه الكلم عن مواضعه، وإما أن يقولوا: هذا متشابه لا يعلم أحد معناه، فيجحدوا ما أنزله من معانيه! وهو في معنى الكفر بذلك؛ لأن الإيمان باللفظ بلا معنى هو من جنس إيمان أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]. وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، أي: إلا تلاوة من غير فهم معناه. وليس هذا كالمؤمن الذي فهم ما فهم من القران فعمل به، واشتبه عليه بعضه فوكل علمه إل
_________________
(١) صحيح وقد مضى ص ٢٠١.
(٢) صحيح.
(٣) صحيح لإخراج مسلم إياه.
[ ٥١٧ ]
الله، كما أمره النبي ﷺ بقوله: "فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه" (^١)، فامتثل ما أمر به ﷺ.
قوله: "ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وهو بين [الغلو و] التقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس".
ش: ثبت في "الصحيح" عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد" (^٢)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، عام في كل زمان، ولكن الشرائع تتنوع، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، فدين الإسلام هو ما شرعه الله ﷾ لعباده على ألسنة رسله، وأصل هذا الدين وفروعه روايته عن الرسل، وهو ظاهر غاية الظهور، يمكن كل مميز من صغير وكبير، وفصيح وأعجم، وذكي وبليد، أن يدخل فيه بأقصر زمان، وإنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك، من إنكار كلمة، أو تكذيب، أو معارضة، أو كذب على الله، أو ارتياب في قول الله تعالى، أو رد لما أنزل، أو شك فيما نفى الله عنه الشك، أو غير ذلك مما في معناه، فقد دل الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام، وسهولة تعلمه، وأنه يتعلمه الوافد ثم يولي في وقته، واختلاف تعليم النبي ﷺ في بعض الألفاظ بحسب من يتعلم، فإن كان بعيد الوطن، كضمام بن ثعلبة النجدي، ووفد عبد القيس، علمهم ما لم يسعهم جهله، مع علمه أن دينه سينشر في الآفاق، ويرسل إليهم من يفقههم في سائر ما يحتاجون إليه، ومن كان قريب الوطن يمكنه الإتيان كل وقت، بحيث يتعلم على التدريج، أو كان قد علم فيه أنه قد عرف ما لا بد منه، أجابه بحسب حاله وحاجته، على ما تدل قرينة حال السائل، كقوله: "قل آمنت بالله ثم استقم". وأما من شرع دينا لم يأذن به
_________________
(١) صحيح، وهو رواية عند أحمد "٢/ ١٨١" في الحديث "٤٦٢".
(٢) متفق عليه بنحوه، وتجد لفظه في "صحيح الجامع الصغير" "١٤٦٥".
[ ٥١٨ ]
الله، فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي ﷺ ولا عن غيره من المرسلين، إذ هو باطل، وملزوم الباطل باطل، كما أن لازم الحق حق.
وقوله: بين الغلو والتقصير، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: (٨٧)، ٨٨]. وفي "الصحيحين" عن عائشة ﵂: أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج رسول الله ﷺ عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال: "ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا؟! لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (^١). وفي غير "الصحيحين": سألوا عن عبادته في السر، فكأنهم تقالوها (^٢). وذكر في سبب نزول الآية الكريمة عن ابن جريج، عن عكرمة: أن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالم مولى أبي حذيفة، ﵃ في أصحابه، تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]، يقول: لا تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار، وما هموا به من الاختصاء، فلما نزلت فيهم، بعث النبي ﷺ إليهم، فقال: "إن لأنفسكم
_________________
(١) صحيح، ولكنه عندهما من حديث أنس، وليس من حديث عائشة، وإنما لها عندهما حديث آخر بغير هذا السياق، وفيه قوله ﷺ: "ما بال أقوام يرغبون عما رخص لي فيه، فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية" وليس فيه "فمن رغب … ".
(٢) قلت: بل هو عند البخاري في أول "النكاح" في القصة التي قبلها، دون قوله "في السر" وهذا عند أحمد ٣/ ٢٥٩".
[ ٥١٩ ]
عليكم حقا، وإن لأعينكم حقا، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا"، فقالوا: اللهم سلمنا واتبعنا ما أنزلت (^١).
وقوله: وبين التشبيه والتعطيل، تقدم أن الله ﷾ يحب أن يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تشبيه، فلا يقال: سمع كسمعنا، ولا بصر كبصرنا، ونحوه، ومن غير تعطيل، فلا ينفي عنه ما وصف به نفسه، أو وصفه به أعرف الناس (^٢) به، رسوله ﷺ، فإن ذلك تعطيل، وقد تقدم الكلام في هذا المعنى، ونظير هذا القول قوله: ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه، وهذا المعنى مستفاد من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، رد على المشبهة، وقوله: وهو ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، رد على المعطلة.
وقوله: وبين الجبر والقدر، تقدم الكلام أيضا على هذا المعنى، وأن العبد غير مجبور على أفعاله وأقواله، وأنها "ليست" بمنزلة حركات المرتعش وحركات الأشجار بالرياح وغيرها، وليست مخلوقة للعباد، بل هي فعل العبد وكسبه وخلق الله تعالى.
وقوله: وبين الأمن والإياس تقدم الكلام أيضا على هذا المعنى، وأنه يجب أن يكون العبد خائفا من عذاب ربه، راجيا رحمته، وأن الخوف والرجاء بمنزلة الجناحين للعبد، في سيره إلى الله تعالى والدار الآخرة.
قوله: "فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرا وباطنا، ونحن براء إلى الله تعالى من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه، ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الردية، مثل المشبهة، والمعتزلة، والجهمية، والجبرية، والقدرية، وغيرهم، من الذين خالفوا السنة والجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم براء، وهم عندنا ضلال وأردياء. وبالله العصمة والتوفيق".
_________________
(١) ضعيف بهذا السياق، وهو مرسل.
(٢) في الأصل: الخلق.
[ ٥٢٠ ]
ش: الإشارة بقوله: "فهذا" كل ما تقدم من أول الكتاب إلى هنا.
والمشبهة: هم الذين شبهوا الله سبحانه بالخلق في صفاته، وقولهم عكس قول النصارى، شبهوا المخلوق -وهو عيسى ﵇ بالخالق وجعلوه إلها، وهؤلاء شبهوا الخالق بالمخلوق، كداود الجواربي وأشباهه.
والمعتزلة: هم عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الغزال وأصحابهما، سموا بذلك لما اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري ﵀، في أوائل المائة الثانية، وكانوا يجلسون معتزلين، فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة، وقيل: إن واصل بن عطاء هو الذي وضع أصول مذهب المعتزلة، وتابعه عمرو بن عبيد تلميذ الحسن البصري، فلما كان زمن هارون الرشيد صنف لهم أبو الهذيل كتابين، وبين مذهبهم، وبنى مذهبهم على الأصول الخمسة، التي سموها: العدل، والتوحيد، وإنفاذ الوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! ولبسوا فيها الحق بالباطل، إذ شأن البدع هذا، اشتمالها على حق وباطل، وهم مشبهة الأفعال؛ لأنهم قاسوا أفعال الله تعالى على أفعال عباده، وجعلوا ما يحسن من العباد يحسن منه، وما يقبح من العباد يقبح منه! وقالوا: يجب عليه أن يفعل كذا، ولا يجوز له أن يفعل كذا، بمقتضى ذلك القياس الفاسد!! فإن السيد من بني آدم لو رأى عبيده تزني بإمائه ولا يمنعهم من ذلك لعد إما مستحسنا للقبيح، وإما عاجزا، فكيف يصح قياس أفعاله ﷾ على أفعال عباده؟! والكلام على هذا المعنى مبسوط في موضعه، فأما العدل، فستروا تحته نفي القدر، وقالوا: إن الله لا يخلق الشر ولا يقضي به، إذ لو خلقه ثم يعذبهم عليه يكون ذلك جورا!! والله تعالى عادل لا يجور. ويلزم على هذا الأصل الفاسد أن الله تعالى يكون في ملكه ما لا يزيده، فيريد الشيء ولا يكون، ولازمه وصفه بالعجز! تعالى الله عن ذلك، وأما التوحيد فستروا تحت القول بخلق القرآن، إذ لو كان غير مخلوق لزم تعدد القدماء!! ويلزمهم على هذا القول الفاسد أن علمه وقدرته وسائر صفاته مخلوقة، أو التناقض! وأما الوعيد، فقالوا: إذا أوعد بعض عبيده وعيدا فلا يجوز أن لا يعذبهم ويخلف وعيده؛ لأنه لا يخلف الميعاد، فلا يعفو عمن يشاء، ولا يغفر لمن يريد، عندهم!! وأما المنزلة بين المنزلتين، فعندهم أن من ارتكب كبيرة يخرج
[ ٥٢١ ]
من الإيمان ولا يدخل في الكفر!! وأما الأمر بالمعروف، فهو أنهم قالوا: علينا أن نأمر غيرنا بما أمرنا به، وأن نلزمه بما يلزمنا، وذلك هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضمنوه أنه يجوز الخروج على الأئمة بالقتال إذا جاروا!!
وقد تقدم جواب هذه الشبه الخمس في مواضعها، وعندهم أن التوحيد والعدل من الأصول العقلية التي لا يعلم صحة السمع إلا بعدها، وإذا استدلوا على ذلك بأدلة سمعية، فإنما يذكرونها للاعتضاد بها، لا للاعتماد عليها، فهم يقولون: لا نثبت هذه بالسمع، بل العلم بها متقدم على العلم بصحة النقل! فمنهم من لا يذكرها في الأصول، إذ لا فائدة فيها عندهم، ومنهم من يذكرها ليبين موافقة السمع للعقل، ولإيناس الناس بها، لا للاعتماد عليها! والقرآن والحديث فيه عندهم بمنزلة الشهود الزائدين على النصاب! والمدد اللاحق بعسكر مستغن عنهم! وبمنزلة من يتبع هواه واتفق أن الشرع ما يهواه!! كما قال عمر بن عبد العزيز: لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواه، ويخالفه إذا خالف هواه، فإذا أنت لا تثاب على ما وافقته من الحق، وتعاقب على ما تركته منه؛ لأنك إنما اتبعت هواك في الموضعين، وكما أن الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، والعمل يتبع قصد صاحبه وإرادته، فالاعتقاد القوي يتبع أيضا علم ذلك وتصديقه، فإذا كان تابعا للإيمان كان من الإيمان، كما أن العمل الصالح إذا كان عن نية صالحة كان صالحا، وإلا فلا، فقول أهل الإيمان التابع لغير الإيمان، كعمل أهل الصلاح التابع لغير قصد أهل الصلاح، وفي المعتزلة زنادقة كثيرة، وفيهم من ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
والجهمية: هم المنتسبون إلى جهم بن صفوان السمرقندي، وهو الذي أظهر نفي الصفات والتعطيل، وهو أخذ ذلك عن الجعد بن درهم، الذي ضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط، فإنه خطب الناس في يوم عيد الأضحى، وقال: أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا! ثم نزل فذبحه، وكان ذلك بعد استفتاء علماء زمانه، وهم السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وكان جهم بعده بخراسان، فأظهر مقالته هناك، وتبعه عليها
[ ٥٢٢ ]
ناس، بعد أن ترك الصلاة أربعين يوما شكا في ربه! وكان ذلك لمناظرته قوما من المشركين، يقال لهم السمنية، [من فلاسفة الهند]، الذين ينكرون من العلم ما سوى الحسيات، قالوا له: هذا ربك الذي تعبده، هل يُرى أو يُشم أو يذاق أو يُلمس؟ فقال: لا، فقالوا: هو معدوم!! فبقي أربعين يوما لا يعبد شيئا، ثم لما خلا قلبه من معبود يؤلهه، نقش الشيطان اعتقادا نحته فكره، فقال: إنه الوجود المطلق!! ونفى جميع الصفات، واتصل بالجعد، وقد قيل: إن جعدا كان [قد] اتصل بالصابئة الفلاسفة من أهل حران، وأنه أيضا أخذ شيئا عن بعض اليهود المحرفين لدينهم، المتصلين بلبيد بن الأعصم، الساحر الذي سحر النبي ﷺ، فقتل جهم بخراسان، قتله سلم بن أحوز ولكن كانت قد فشت مقالته في الناس، وتقلدها بعده المعتزلة، ولكن كان جهم أدخل في التعطيل منهم، لأنه ينكر الأسماء حقيقة، وهم لا ينكرون الأسماء بل الصفات، وقد تنازع العلماء في الجهمية: هل هم من الثنتين وسبعين فرقة أم لا؟ ولهم في ذلك قولان: وممن قال إنهم ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة، عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط، وإنما اشتهرت مقالة الجهمية من حين محنة الإمام أحمد بن حنبل وغيره من علماء السنة، فإنه من إمارة المأمون قووا وكثروا، فإنه قد أقام بخراسان مدة واجتمع بهم، ثم كتب بالمحنة من طرسوس (^١) سنة ثمان عشرة ومائتين وفيها مات، وردوا الإمام أحمد إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين، وفيها كانت محنته مع المعتصم ومناظرته لهم بالكلام، فلما رد عليهم ما احتجوا به عليه، وبين أنه لا حجة لهم في شيء من ذلك، وأن طلبهم من الناس أن يوافقوهم وامتحانهم إياهم جهل وظلم، وأراد المعتصم إطلاقه، أشار عليه من أشار بأن المصلحة ضربه، لئلا تنكسر حرمة الخلافة من بعد مرة! فلما ضربوه قامت الشناعة في العامة، وخافوا، فأطلقوه. وقصته مذكورة في كتب التاريخ، ومما انفرد به جهم: أن الجنة والنار تفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة فقط، والكفر هو الجهل فقط، وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأن الناس إنما
_________________
(١) في الأصل: طر فلعوس وفي مطبوعة دار المعارف: طرطوس، وكلاهما خطأ لأن المأمون قبر في طرسوس. انظر "معجم البلدان".
[ ٥٢٣ ]
تنسب إليهم أفعالهم على سبيل المجاز، كما يقال تحركت الشجرة، ودار الفلك، وزالت الشمس! ولقد أحسن القائل:
عجبت لشيطان دعا الناس جهرة … إلى النار واشتق اسمه من جهنم
وقد نقل أن أبا حنيفة ﵀، لما سئل عن الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: لعن الله عمرو بن عبيد، هو فتح على الناس الكلام في هذا.
والجبرية: أصل قولهم من جهم بن صفوان، كما تقدم، وأن فعل العبد بمنزلة طوله ولونه! وهم عكس القدرية نفاة القدر، فإن القدرية إنما نسبوا إلى القدر لنفيهم إياه، كما سميت المرجئة لنفيهم الإرجاء، وأنه لا أحد مرجأ لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم، وقد تسمى الجبرية "قدرية" لأنهم غلوا في إثبات القدر، وكما يسمى الذين لا يجزمون بشيء من الوعد والوعيد، بل يغلون في إرجاء كل أمر حتى الأنواع، فلا يجزمون بثواب من تاب، كما لا يجزمون بعقوبة من لم يتب، وكما لا يجزم لمعين، وكانت المرجئة الأولى يرجئون عثمان وعليا، ولا يشهدون بإيمان ولا كفر!!
وقد ورد في ذم القدرية أحاديث في السنن: منها ما روى أبو داود في سننه، من حديث عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال: "القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم" (^١). وروي في ذم القدرية أحاديث أخر كثيرة، تكلم أهل الحديث في صحة رفعها، والصحيح أنها موقوفة، بخلاف الأحاديث الواردة في ذم الخوارج، فإن فيهم في الصحيح وحده عشرة أحاديث، أخرج البخاري منها ثلاثة، وأخرج مسلم سائرها، ولكن مشابهتهم للمجوس ظاهرة، بل قولهم أرادأ من قول المجوس، فإن المجوس اعتقدوا وجود خالقَيْن، والقدرية اعتقدوا خالِقين!!
وهذه البدع المتقابلة حدثت من الفتن المفرقة بين الأمة، كما ذكر البخاري في "صحيحه"، عن سعيد بن المسيب، قال: وقعت الفتنة الأولى، يعني مقتل
_________________
(١) حسن وقد تقدم.
[ ٥٢٤ ]
عثمان، فلم تبق من أصحاب بدر أحدا، ثم وقعت الفتنة الثانية، فلم تبق من أصحاب الحديبية أحدا، ثم وقعت الثالثة، فلم ترتفع وللناس طباخ، أي عقل وقوة، فالخوارج والشيعة حدثوا في الفتنة الأولى، والقدرية والمرجئة في الفتنة الثانية، والجهمية ونحوهم بعد الفتنة الثالثة، فصار هؤلاء ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٩٥]، يقابلون البدعة بالبدعة، أولئك غلوا في عليّ، وأولئك كفروه! وأولئك غلوا في الوعيد، حتى خلدوا بعض المؤمنين، وأولئك غلوا في الوعيد حتى نفوا بعض الوعيد أعني المرجئة! وأولئك غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات، وهؤلاء غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه! وصاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع، ويعرضون عن الأمر المشروع، وفيهم من استعان على ذلك بشيء من كتب الأوائل: اليهود والنصارى والمجوس والصابئين، فثانهم قرءوا كتبهم، فصار عندهم من ضلالتهم ما أدخلوه في مسائلهم ودلائلهم، وغيروه في اللفظ تارة، وفي المعنى أخرى! فلبسوا الحق بالباطل، وكتموا حقا جاء به نبيهم، فتفرقوا واختلفوا وتكلموا حينئذ في الجسم والعرض والتجسيم، نفيا وإثباتا.
وسبب ضلال هذه الفرق وأمثالهم، عدولهم عن الصراط المستقيم، الذي أمرنا الله باتباعه، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] فوحد لفظ "صراطه" و"سبيله"، وجمع "السبل" المخالفة له، وقال ابن مسعود ﵁: خط لنا رسول الله ﷺ خطا، وقال: "هذا سبيل الله"، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره، وقال: "هذه سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه"، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (^١)، ومن ههنا يعلم أن اضطرار العبد إلى سؤال هداية الصراط المستقيم فوق كل ضرورة، ولهذا شرع الله تعالى في الصلاة
_________________
(١) صحيح، رواه الحاكم وغيره "تخريج السنة" "رقم ١٧".
[ ٥٢٥ ]
قراءة أم القرآن في كل ركعة، إما فرضا أو إيجابا، على حسب اختلاف العلماء في ذلك، لاحتياج العبد إلى هذا الدعاء العظيم القدر، المشتمل على أشرف المطالب وأجلها، فقد أمرنا الله تعالى أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٥ - ٧]، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون" (^١)، وثبت في "الصحيح" عن النبي ﷺ أنه قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟! " (^٢).
قال طائفة من السلف: من انحرف من العلماء ففيه شبه من اليهود، ومن انحرف من العباد ففيه شبه من النصارى، فلهذا تجد أكثر المنحرفين من أهل الكلام، من المعتزلة ونحوهم، فيه شبه من اليهود، حتى إن علماء اليهود يقرءون كتب شيوخ المعتزلة، ويستحسنون طريقتهم، وكذا شيوخ المعتزلة يميلون إلى اليهود ويرجحونهم على النصارى، وأكثر المنحرفين من العباد، من المتصوفة ونحوهم، فيهم شبه من النصارى، ولهذا يميلون إلى نوع من الرهبانية والحلول والاتحاد ونحو ذلك، وشيوخ هؤلاء يذمون الكلام وأهله، وشيوخ أولئك يعيبون طريقة هؤلاء ويصنفون في ذم السماع والوجد وكثير من الزهد والعبادة التي أحدثها هؤلاء.
_________________
(١) صحيح، رواه الترمذي وغيره، وصححه ابن حبان "١٧١٥، ٢٢٧٩".
(٢) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وهو مخرج فيما علقته على "إصلاح المساجد" للشيخ القاسمي رقم "٣١"، ورواه ابن أبي عاصم في "السنة" "٧٤ و٧٥" مع شواهد له "٧٢ و٧٣"، وله شاهد آخر مخرج في "الصحيحة" "٦٣٤٨". "وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك". دمشق ١١/ ١٢/ ١٣٨١. محمد ناصر الدين الألباني ثم أعدت النظر فيه، واستدركت ما كان فاتني من التخريج، مع إضافات كثيرة مفيدة على التخريجات السابقة، وتصحيح بعض الأخطاء المطبعية غير المصححة في فهرس الخطأ والصواب. والله تعالى هو الموفق. عمان ١/ ١١/ ١٤٠٣. محمد ناصر الدين الألباني
[ ٥٢٦ ]
ولفرق الضلال في الوحي طريقتان: طريقة التبديل، وطريقة التجهيل. أما أهل التبديل فهم نوعان: أهل الوهم والتخييل، وأهل التحريف والتأويل.
فأهل الوهم والتخييل، هم الذين يقولون: إن الأنبياء أخبروا عن الله واليوم الآخر والجنة والنار بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه! لكنهم خاطبوهم بما يتخيلون به ويتوهمون به أن الله شيء عظيم كبير، وأن الأبدان تعاد، وأن لهم نعيما محسوسا، وعقابا محسوسا، وإن كان الأمر ليس كذلك، لأن مصلحة الجمهور في ذلك، وإن كان كذبا فهو كذب لمصلحة الجمهور!! وقد وضع ابن سينا وأمثاله قانونهم على هذا الأصل.
وأما أهل التحريف والتأويل، فهم الذين يقولون: إن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال ما هو الحق في نفس الأمر، وأن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه بعقولنا! ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات!! ولهذا كان أكثرهم لا يجزمون بالتأويل، بل يقولون: يجوز أن يراد كذا، وغاية ما معهم إمكان احتمال اللفظ.
وأما أهل التجهيل والتضليل، الذين حقيقة قولهم: أن الأنبياء وأتباع الأنبياء جاهلون ضالون، لا يعرفون ما أراد الله بما وصف [به] نفسه من الآيات وأقوال الأنبياء! ويقولون: يجوز أن يكون للنص تأويل لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه جبرائيل ولا محمد ولا غيره من الأنبياء، فضلا عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأن محمدا ﷺ كان يقرأ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] (^١)، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وهو لا يعرف معاني هذه الآيات! بل معناها الذي دلت عليه لا يعرفه إلا الله تعالى!! ويظنون أن هذه طريقة السلف!!
ثم منهم من يقول: إن المراد بهذا خلاف مدلولها الظاهر المفهوم، ولا يعرفه
_________________
(١) قال عفيفي: انظر "العقل والنقل" لابن تيمية ج ١ ص ٣، ٤، ٥، ٦ الطبعة المفردة، "وتفسير ابن كثير" لآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
[ ٥٢٧ ]
أحد، كما لا يعلم وقت الساعة! ومنهم من يقول: بل تجرى على ظاهرها!! [وتحمل على ظاهرها!! ومع هذا، فلا يعلم تأويلها إلا الله، فيتناقضون حيث أثبتوا لها تأويلا يخالف ظاهرها، وقالوا مع هذا: إنها تحمل على ظاهرها!!] وهؤلاء يشتركون (^١) في القول بأن الرسول لم يبين المراد بالنصوص التي يجعلونها مشكلة أو متشابهة، ولهذا يجعل كل فريق المشكل من نصوصه غير ما يجعله الفريق الآخر مشكلا! ثم منهم من يقول: لم يعلم معانيها أيضا! ومنهم من يقول: علمها ولم يبينها، بل أحال في بيانها على الأدلة العقلية، وعلى من يجتهد في العلم بتأويل تلك النصوص!! فهم مشتركون في أن الرسول لم يَعلم أو لم يُعلم، بل نحن عرفنا الحق بعقولنا ثم اجتهدنا في حمل كلام الرسول على ما يوافق عقولنا، وأن الأنبياء وأتباعهم لا يعرفون العقليات!! ولا يفهمون السمعيات!! وكل ذلك ضلال وتضليل عن سواء السبيل.
نسأل الله السلامة والعافية، من هذه الأقوال الواهية، المفضية بقائلها إلى الهاوية.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وجد في نهاية الأصل المخطوط ما يلي:
قد تم تحريرها على يد الفقير خادم العلماء الأعلام والمحرري الكتب في جامع مدرسة مرجان عليه الرحمة والرضوان عبد المحيي بن عبد الحميد بن الحاج محمد مكي الشيخلي البغدادي، يوم الاثنين التاسع من شهر رجب الأصم من شهور سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة بعد الألف.
_________________
(١) في الأصل: مشركون. (تعليق الشاملة): ما بين المعكوفين ساقط من الأصل وأثبتناه من ط الرسالة
[ ٥٢٨ ]