ثم التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان: توحيد في الإثبات والمعرفة، وتوحيد في الطلب والقصد.
فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه، ليس كمثله شيء في ذلك كله، كما أخبر به عن نفسه، وكما أخبر رسوله ﷺ، وقد أفصح القرآن عن هذا [النوع] كل الإفصاح، كما في أول "الحديد" و"طه" وآخر "الحشر" وأول "الم تنزيل، السجدة" وأول "آل عمران" وسورة "الإخلاص" بكمالها، وغير ذلك.
والثاني: وهو توحيد الطلب والقصد، مثل ما تضمنته سورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [سورة آل عمران: ٦٤]، وأول سورة "تنزيل الكتاب" وآخرها، وأول سورة "يونس" وأوسطها وآخرها، وأول سورة "الأعراف" وآخرها، وجملة سورة "الأنعام".
وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد، بل كل سورة في القرآن، فالقرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، وهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي. وأما أمر ونهي وإلزام بطاعته، فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده، وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك، وما فعل بهم في [الدنيا] (^١) من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد.
فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم. فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ توحيد، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ توحيد، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ توحيد، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ توحيد، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾
_________________
(١) في الأصل: "العقبى" والصواب من المطبوعة.
[ ٨٩ ]
توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد، ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم﴾، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ الذين فارقوا التوحيد.
وكذلك شهد الله لنفسه بهذا التوحيد، وشهدت له به ملائكته وأنبياؤه ورسله. قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [سورة آل عمران: (١٨)، ١٩]، فتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد، والرد على جميع طوائف الضلال، فتضمنت أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها، من أجل شاهد، بأجل مشهود به.
وعبارات السلف في "شهد" تدور على الحكم، والقضاء، والإعلام، والبيان، والإخبار، وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها؛ فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره، وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه.
فلها أربع مراتب: فأول مراتبها: علم ومعرفة واعتقاد لصحة المشهود به وثبوته. وثانيها: تكلمه بذلك، وإن لم يعلم به غيره، بل يتكلم بها مع نفسه ويتذكرها وينطق بها أو يكتبها. وثالثها: أن يعلم غيره بما يشهد به ويخبره [به] ويبينه له. ورابعها: أن يلزمه بمضمونها ويأمره به.
فشهادة الله سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع: علمه بذلك سبحانه، وتكلمه به، وإعلامه وإخباره لخلقه به، وأمرهم وإلزامهم به.
فأما مرتبة العلم فإن الشهادة تضمنتها ضرورة (^١)، وإلا كان الشاهد شاهدا بما لا علم له به، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٨٦]، وقال ﷺ: "على مثلها فاشهد" (^٢)، وأشار إلى الشمس.
_________________
(١) قال عفيفي: ما ذكره الشارح من قول: أنواع التوحيد.
(٢) ضعيف. أورده الحافظ بن حجر في "بلوغ المرام من أدلة الأحكام" بلفظ: "على مثلها فاشهد، أو دع" وقال: "أخرجه ابن عدي بإسناد ضعيف، وصححه الحاكم فأخطأ" وقد خرجته في "الإرواء" "٢٦٦٧".
[ ٩٠ ]
وأما مرتبة التكلم والخبر، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [سورة الزخرف: ١٩]، فجعل ذلك منهم شهادة، وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم.
وأما مرتبة الإعلام والإخبار فنوعان: إعلام بالقول، وإعلام بالفعل، وهذا شأن كل معلم لغيره بأمر: تارة يعلمه به بقوله، وتارة بفعله، ولهذا كان من جعل داره مسجدا وفتح بابها وأفرزها بطريقها وأذن للناس بالدخول والصلاة فيها: معلما أنها وقف، وإن لم يتلفظ به، وكذلك من وجد متقربا إلى غيره بأنواع المسار، يكون معلما له ولغيره أنه يحبه، وإن لم يتلفظ بقوله، وكذلك بالعكس، وكذلك شهادة الرب ﷿ وبيانه وإعلامه، يكون بقوله تارة، وبفعله أخرى، فالقول ما أرسل به رسله وأنزل به كتبه، وأما بيانه وإعلامه بفعله فكما قال ابن كيسان: شهد الله بتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه: أنه لا إله إلا هو. وقال آخر:
وفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد
ومما يدل على أن الشهادة تكون بالفعل، قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]. [فهذه شهادة منهم على أنفسهم] (^١) بما يفعلونه.
[والمقصود أنه سبحانه يشهد بما جعل آياته] (^٢) المخلوقة دالة عليه، ودلالتها إنما هي بخلقه وجعله.
وأما مرتبة الأمر بذلك والإلزام به، وأن مجرد الشهادة لا يستلزمه، لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه، فإنه سبحانه شهد به شهادة من حكم به، وقضى وأمر وألزم عباده به، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾. وقال الله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [سورة النحل: ٥١]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة البينة: ٥]، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ
_________________
(١) أسقطت هذه العبارة وكلمة: "بالكفر" من الآية، من الأصل.
(٢) في الأصل: "والمقصد … الآية".
[ ٩١ ]
لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [سورة التوبة: ٣١]، وقال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ [سورة الإسراء: ٢٢ و٣٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ [سورة القصص: ٨٨]، والقرآن كله شاهد بذلك.
ووجه استلزام شهادته سبحانه لذلك: أنه إذا شهد أنه لا إله إلا هو، فقد أخبر وبين وأعلم وحكم وقضى أن ما سواه ليس بإله، أو إلهية ما سواه باطلة، فلا يستحق العبادة سواه، كما لا تصلح الإلهية لغيره، وذلك يستلزم الأمر باتخاذه وحده إلها، والنهي عن اتخاذ غيره معه إلها، وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات، كما إذا رأيت رجلا يستفتي رجلا أو يستشهده أو يستطبه وهو ليس أهلا لذلك، ويدع من هو أهل له، فتقول: هذا ليس بمفت ولا شاهد ولا طبيب، المفتي فلان، والشاهد فلان، والطبيب فلان، فإن هذا أمر منه ونهي.
وأيضا: فالآية دلت على أنه وحده المستحق للعبادة، فإذا أخبر أنه هو وحده المستحق للعبادة، تضمن هذا الإخبار أمر العباد وإلزامهم بأداء ما يستحق الرب تعالى عليهم، وأن القيام بذلك هو خالص حقه عليهم.
وأيضا: فلفظ الحكم والقضاء يستعمل في الجملة الخبرية، ويقال للجملة الخبرية: قضية، وحكم، وقد حكم فيها بكذا، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ، وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [سورة الصافات: ١٥١ - ١٥٤]، فجعل هذا الإخبار المجرد منهم حكما وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [سورة القلم: ٣٥ - ٣٦]، لكن هذا حكم لا إلزام معه.
والحكم والقضاء بأنه لا إله الا هو متضمن الإلزام، ولو كان المراد مجرد شهادة لم يتمكنوا من العلم بها، [ولم ينتفعوا بها]، ولم تقم عليهم بها الحجة، بل قد تضمنت البيان للعباد ودلالتهم وتعريفهم بما شهد به، كما أن الشاهد من العباد إذا كانت عنده شهادة ولم يبينها بل كتمها، لم ينتفع بها أحد، ولم تقم بها حجة.
[ ٩٢ ]
وإذا كان لا ينتفع بها إلا ببيانها، فهو سبحانه قد بينها غاية البيان بطرق ثلاثة: السمع، والبصر، والعقل؛ أما السمع: فبسمع آياته المتلوة المبينة لما عرفنا إياه من صفات كماله كلها، الوحدانية وغيرها، غاية البيان، لا كما يزعمه الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة ومعطلة بعض الصفات من دعوى احتمالات توقع الحيرة، تنافي البيان الذي وصف الله به كتابه العزيز ورسوله الكريم، كما قال تعالى: ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، ﴿الر، تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [سورة يوسف: ١، ٢]، ﴿الر، تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الحجر: ١، ٢]، ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة آل عمران: ١٣٨]، ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢، والتغابن: ١٢]، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، وكذلك السنة تأتي مبينة أو مقررة لما دل عليه القرآن، لم يحوجنا ربنا ﷾ إلى رأي فلان، [ولا إلى ذوق فلان] ووجدِه في أصول ديننا.
ولهذا نجد من خالف الكتاب والسنة مختلفين مضطرين، بل قد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة: ٣]، فلا يحتاج في تكميله إلى أمر خارج عن الكتاب والسنة.
وإلى هذا المعنى أشار الشيخ أبو جعفر الطحاوي فيما يأتي من كلامه من قوله: لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ﷿ ولرسوله ﷺ.
وأما آياته العيانية الخلقية: فالنظر فيها والاستدلال بها يدل على ما تدل عليه آياته القولية السمعية، والعقل يجمع بين هذه وهذه، ويجزم بصحة ما جاءت به الرسل، فتتفق شهادة السمع والبصر والعقل والفطرة.
فهو سبحانه لكمال عدله ورحمته وإحسانه وحكمته ومحبته للعذر وإقامة الحجة، لم يبعث نبيا إلا ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [سورة الحديد: ٢٥].
[ ٩٣ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [سورة النحل: ٤٣، ٤٤]، [وقال تعالى: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾] [سورة آل عمران: ١٨٣]. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [سورة آل عمران: ١٨٤]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانِ﴾ [سورة الشورى: ١٧]، حتى إن من أخفى آيات الرسل آيات هود، حتى قال له قومه: يا هود ما جئتنا ببينة، ومع هذا فبينته من أوضح البينات لمن وفقه الله لتدبرها، وقد أشار إليه بقوله: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦]، فهذا من أعظم الآيات: أن رجلا واحدا يخاطب أمة عظيمة بهذا الخطاب، غير جزع ولا فزع ولا خوار، بل هو واثق بما قاله، جازم به، فأشهد الله أولا على براءته من دينهم وما هم عليه، إشهاد واثق به معتمد عليه، معلم لقومه أنه وليه وناصره وغير مسلط لهم عليه، ثم أشهدهم إشهاد مجاهر لهم بالمخالفة أنه بريء من دينهم وآلهتهم التي يوالون عليها ويعادون عليها ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتهم لها، ثم أكد ذلك عليهم بالاستهانة لهم واحتقارهم وازدرائهم، ولو يجتمعون كلهم على كيده وشفاء غيظهم منه، ثم يعاجلونه ولا يمهلونه [لم يقدروا على ذلك إلا ما كتبه الله عليه]، ثم قرر دعوتهم أحسن تقرير، وبين أن ربه تعالى وربهم الذي نواصيهم بيده هو وليه ووكيله القائم بنصره وتأييده، وأنه على صراط مستقيم، فلا يخذل من توكل عليه وأقر به، ولا يشمت به أعداءه.
فأي آية وبرهان أحسن من آيات الأنبياء ﵈ وبراهينهم وأدلتهم؟ وهي شهادة من الله سبحانه لهم بينها لعباده غاية البيان.
ومن أسمائه تعالى "المؤمن" وهو في أحد التفسيرين: المصدق الذي يصدق الصادقين بما يقيم لهم من شواهد صدقهم، فإنه لا بد أن يرى العباد من الآيات الأفقية والنفسية ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغه رسله حق [قال] تعالى:
[ ٩٤ ]
﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [سورة فصلت: ٥٣]. أي القرآن، فإنه هو المتقدم في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [سورة فصلت: ٥٢]، ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سورة فصلت: ٥٣]، فشهد سبحانه لرسوله بقوله أن ما جاء به حق، ووعد أنه يرى العباد من آياته الفعلية الخلقية ما يشهد بذلك أيضا، ثم ذكر ما هو أعظم من ذلك كله وأجل، وهو شهادته سبحانه [بأنه] على كل شيء شهيد، فإن من أسمائه الشهيد الذي لا يغيب عنه شيء، ولا يعزب عنه، بل هو مطلع على كل شيء مشاهد له، عليم بتفاصيله، وهذا استدلال بأسمائه وصفاته، والأول استدلال بقوله وكلماته، واستدلاله بالآيات الأفقية والنفسية استدلال بأفعاله ومخلوقاته.
فإن قلت: كيف يستدل بأسمائه وصفاته، فإن الاستدلال بذلك لا يعهد في الاصطلاح؟
فالجواب: أن الله تعالى قد أودع في الفطرة التي لم تتنجس بالجحود والتعطيل، ولا بالتشبيه والتمثيل، أنه سبحانه الكامل في أسمائه وصفاته، وأنه الموصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسله، وما خفي عن الخلق من كماله أعظم وأعظم مما يعرفونه منه. ومن كماله المقدس شهادته على كل شيء واطلاعه عليه، بحيث لا يغيب عنه ذرة في السموات ولا في الأرض باطنا وظاهرا، ومن هذا شأنه كيف يليق بالعباد أن يشركوا به، وأن يعبدوا غيره ويجعلوا معه إلها آخر؟ وكيف يليق بكماله أن يقر من يكذب عليه أعظم الكذب، ويخبر عنه بخلاف ما الأمر عليه، ثم ينصره على ذلك ويؤيده ويعلي شأنه ويجيب دعوته ويهلك عدوه، ويظهر على دينه من الآيات والبراهين ما يعجز عن مثله قوى البشر، وهو مع ذلك كاذب غير مفتر؟!
ومعلوم أن شهادته سبحانه على كل شيء وقدرته وحكمته وعزته وكماله المقدس يأبى ذلك، ومن جوز ذلك فهو من أبعد الناس عن معرفته.
والقرآن مملوء من هذه الطريق، وهي طريق الخواص، يستدلون بالله على أفعاله وما يليق به أن يفعل [ولا يفعله]، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل،
[ ٩٥ ]
﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧]، وسيأتي لذلك زيادة بيان إن شاء الله تعالى، ويستدل أيضا بأسمائه وصفاته على وحدانيته وعلى بطلان الشرك، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الحشر: ٢٣]، وأضعاف ذلك في القرآن. وهذه الطريق قليل سالكها، لا يهتدي إليها إلا الخواص، وطريقة الجمهور الاستدلال بالآيات المشاهده؛ لأنها أسهل تناولا وأوسع، والله سبحانه يفضل بعض خلقه على بعض.
فالقرآن العظيم قد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره، فإنه الدليل والمدلول عليه، والشاهد والمشهود له. قال تعالى لمن طلب آية تدل على صدق رسوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] الآيات.
وإذا عرف أن توحيد الإلهية هو التوحيد الذي أرسلت به الرسل وأنزلت به الكتب، كما تقدمت إليه الإشارة، فلا يلتفت إلى قول من قسم التوحيد إلى ثلاثة أنواع، وجعل هذا النوع توحيد العامة، والنوع الثاني توحيد الخاصة، وهو الذي يثبت بالحقائق، والنوع الثالث توحيد قائم بالقدم، وهو توحيد خاصة الخاصة، فإن أكمل الناس توحيدا الأنبياء [صلوات الله عليهم]، والمرسلون منهم أكمل في ذلك، وأولو العزم من الرسل أكملهم توحيدا، وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، صلى الله وسلم عليهم أجمعين، وأكملهم توحيدا الخليلان: محمد وإبراهيم، صلوات الله عليهما وسلامه، فإنهما قاما من التوحيد بما لم يقم به غيرهما علما، ومعرفة، وحالا، ودعوة للخلق وجهادا، فلا توحيد أكمل من الذي قامت به الرسل، ودعوا إليه، وجاهدوا الأمم عليه، ولهذا أمر سبحانه نبيه أن يقتدي بهم فيه، كما قال تعالى، بعد ذكر مناظرة إبراهيم قومه في بطلان الشرك وصحة التوحيد وذكر الأنبياء من ذريته: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] فلا أكمل من توحيد من أمر رسول الله ﷺ أن يقتدي بهم، وكان ﷺ يعلم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: "أصبحنا على فطرة الإسلام
[ ٩٦ ]
وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين" (^١)، فملة إبراهيم: التوحيد، ودين محمد ﷺ: ما جاء به من عند الله قولا وعملا واعتقادا، وكلمة الإخلاص: هي شهادة أن لا إله إلا الله. وفطرة الإسلام: هي ما فطر عليه عباده من محبته وعبادته وحده لا شريك له، والاستسلام له عبودية وذلا وانقيادا وإنابة.
فهذا توحيد خاصة الخاصة، الذي من رغب عنه فهو من أسفه السفهاء، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: (١٣١)، ١٣٢]، وكل من له حس سليم وعقل يميز به، لا يحتاج في الاستدلال إلى أوضاع أهل الكلام والجدل واصطلاحهم وطرقهم البتة، بل ربما يقع بسببها في شكوك وشبه يحصل له بها الحيرة والضلال والريبة، فإن التوحيد إنما ينفع إذا سلم قلب صاحبه من ذلك، وهذا هو القلب السليم الذي لا يفلح إلا من أتى الله به، ولا شك أن النوع الثاني والثالث من التوحيد الذي ادعوا أنه توحيد الخاصة وخاصة الخاصة، ينتهي إلى الفناء الذي يشمر إليه غالب الصوفية، وهو درب خطر، يفضي إلى الاتحاد. انظر إلى ما أنشد شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري رحمه الله تعالى حيث يقول:
ما وحد الواحد من واحد … إذ كل من وحده جاحد
توحيد من ينطق عن نعته … عارية أبطلها الواحد
توحيده إياه توحيده … ونعت من ينعته لاحد
_________________
(١) حديث صحيح: أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد "المسند" "٥/ ١٢٣" عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبي بن كعب قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا إذا أصبحنا: أصبحنا على فطرة الإسلام … الحديث. وفي آخره: وإذا أمسينا مثل ذلك. وسنده ضعيف. لكنه أخرجه أحمد "٣/ ٤٠٦، ٤٠٧" والدارمي "٢/ ٢٩٢" وابن السنبي في اليوم والليلة" "رقم ٣٢" من طريقين آخرين عن عبد الرحمن بن أبزى قال: "كان النبي ﷺ إذا أصبح قال … " فذكره. وسنده صحيح.
[ ٩٧ ]
وإن كان قائله ﵀ لم يرد به الاتحاد، لكن ذكر لفظا مجملا محتملا جذبه به الاتحادي إليه، وأقسم بالله جهد أيمانه أنه معه، ولو سلك الألفاظ الشرعية التي لا إجمال فيها كان أحق، مع أن المعنى الذي حام حوله لو كان مطلوبا منا لنبه الشارع عليه ودعا الناس إليه وبينه، فإن على الرسول البلاغ المبين، فأين قال الرسول: هذا توحيد العامة، وهذا توحيد الخاصة، وهذا توحيد خاصة الخاصة؟ أو ما يقرب من هذا المعنى؟ أو أشار إلى هذه النقول والعقول حاضرة.
فهذا كلام الله المنزل على رسوله ﷺ، وهذه سنة الرسول، وهذا كلام خير القرون بعد الرسول، وسادات العارفين من الأئمة، هل جاء ذكر الفناء فيها، وهذا التقسيم عن أحد منهم؟ وإنما حصل هذا من زيادة الغلو في الدين، المشبه لغلو [الخوارج، بل] لغلو النصارى في دينهم، وقد ذم الله تعالى الغلو في الدين ونهى عنه، فقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [سورة النساء ١٧١]، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [سورة المائدة: ٧٧]. وقال ﷺ: "لا تشددوا فيشدد الله عليكم، فإن من كان قبلكم شددوا فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم"، رواه أبو داود (^١).
قوله: "ولا شيء مثله".
ش: اتفق أهل السنة على أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولكن لفظ التشبيه قد صار في كلام الناس لفظا مجملا يراد به المعنى الصحيح، وهو ما نفاه القرآن ودل عليه العقل، من أن خصائص الرب تعالى لا يوصف بها شيء من المخلوقات، ولا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، رد على الممثلة المشبهة ﴿وَهُوَ
_________________
(١) "رقم ٤٩٠٤" وفيه سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء لم يوثقه غير ابن حبان، ولم يرو عنه سوى اثنين وقد خرجته، في "الضعيفة" "٣٤٦٨".
[ ٩٨ ]
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، رد على النفاة المعطلة، فمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوق، فهو المشبه المبطل المذموم، ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق، فهو نظير النصارى في كفرهم، ويراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات، فلا يقال: [له] قدرة، ولا علم، ولا حياة؛ لأن العبد موصوف بهذه الصفات! ولازم هذا القول أنه لا يقال له: حي، عليم، قدير؛ لأن العبد يسمى بهذه الأسماء، وكذلك كلامه وسمعه وبصره (^١) [وإرادته] وغير ذلك، وهم يوافقون أهل السنة على أنه موجود، عليم، قدير حي. والمخلوق يقال له: موجود حي عليم قدير، ولا يقال: هذا تشبيه يجب نفيه، وهذا مما دل عليه الكتاب والسنة وصريح العقل، ولا يخالف فيه عاقل، فإن الله سمى نفسه بأسماء، وسمى بعض عباده بها، وكذلك سمى صفاته بأسماء، وسمى ببعضها صفات خلقه، وليس المسمى كالمسمي فسمى نفسه: حيًّا، عليمًا، قديرًا، رؤوفًا، رحيمًا، عزيزًا، حكيمًا، سميعًا، بصيرًا، ملكًا، مؤمنًا، جبارًا، متكبرًا. وقد سمى بعض عباده بهذه الأسماء فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [سورة الأنعام: (٩٥)، والروم: ١٩]. ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨]. ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [سورة الصافات: ١٠١]. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ١٢٨]. ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [سورة الدهر: ٢]. ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ [سورة يوسف: ٥١]. ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [سورة الكهف: ٧٩]. ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ [سورة السجدة: ١٨]. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّه عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [سورة المؤمن: ٣٥] ومعلوم أنه لا يماثل الحيُّ الحيَّ، ولا العليمُ العليمَ، ولا العزيزُ العزيزَ، وكذلك سائر الأسماء، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٥]. ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [سورة النساء: ١٦٦]. ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [سورة فاطر: ١١]. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [سورة السجدة: ١٥]. وعن جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور
_________________
(١) في الأصل: وبصره ورؤيته وهما واحد، ولعل المقصود بصره وإرادته كما هو في إحدى النسخ المطبوعة.
[ ٩٩ ]
كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم (^١)، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله- فاقدره لي، ويسره لي (^٢)، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به". قال: "ويسمي حاجته" (^٣)، رواه البخاري، وفي حديث عمار بن ياسر الذي رواه النسائي وغيره، عن النبي ﷺ، أنه كان يدعو بهذا الدعاء: "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى، وأسألك القصد في الغنى والفقر، وأسألك نعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضى بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك، غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين" (^٤)، فقد سمى الله ورسوله صفات الله علما وقدرة وقوة، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ﴾ [سورة الروم: ٥٤]، ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [سورة يوسف: ٦٨]، ومعلوم
_________________
(١) في المطبوعة: فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وما أثبتناه هو الموافق لرواية البخاري.
(٢) في الأصل: ويسر. بدل: ويسره لي.
(٣) صحيح، وحسبك أن البخاري أخرجه في "صحيحه"، وقول أحمد في أحد رواته، "روى حديثا منكرا" يعني هذا، لا يضره بعد قول أحمد فيه "لا بأس به" وإنما يضر ذلك فيما إذا خالف من هو أوثق منه، وليس شيء من ذلك هنا، ثم وجدت له شاهدا من حديث أبي هريرة صححه ابن حبان، وقد خرجته في "الضعيفة" "٢٣٠٥" لزيادة فيه عنده.
(٤) حديث صحيح، وأخرجه الحاكم أيضا وصححه ووافقه الذهبي، وهو مخرج في "الكلم الطيب" "١٠٥" و"ظلال الجنة في تخريج السنة" "١٢٩".
[ ١٠٠ ]
أنه ليس العلم كالعلم، ولا القوة كالقوة، ونظائر هذا كثيرة، وهذا لازم لجميع العقلاء، فإن من نفى صفة من صفاته التي وصف الله بها نفسه، كالرضى والغضب، والحب والبغض، ونحو ذلك، ورغم أن ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم! قيل له: فأنت تثبت له الإرادة والكلام والسمع والبصر، مع أن ما تثبته له ليس مثل صفات المخلوقين، فقل فيما نفيته وأثبته الله ورسوله مثل قولك فيما أثبته، إذ لا فرق بينهما.
فإن قال: أنا لا أثبت شيئا من الصفات! قيل له: فأنت تثبت له الأسماء الحسنى، مثل: عليم، حي، قادر. والعبد يسمى بهذه الأسماء، وليس ما يثبت للرب من هذه الأسماء مماثلا لما يثبت للعبد فقل في صفاته نظير قولك في مسمى أسمائه.
فإن قال: وأنا لا أثبت له الأسماء الحسنى، بل أقول. هي مجاز، وهي أسماء لبعض مبتدعاته، كقول غلاة الباطنية والمتفلسفة!
قيل له: فلا بد أن تعتقد أنه موجود وحق (^١) قائم بنفسه، والجسم موجود قائم بنفسه، وليس هو مماثلا له.
فإن قال: أنا لا أثبت شيئا، بل أنكر وجود الواجب.
قيل له: معلوم بصريح العقل أن الموجود إما واجب بنفسه، وإما غير واجب بنفسه، وإما قديم أزلي، وإما حادث كائن بعد أن لم يكن، وإما مخلوق مفتقر إلى خالق، وإما غير مخلوق ولا مفتقر إلى خالق، وإما فقير إلى ما سواه، وإما غني عما سواه، وغير الواجب بنفسه لا يكون إلا بالواجب بنفسه، والحادث لا يكون إلا بقديم، والمخلوق لا يكون إلا بخالق، والفقير لا يكون إلا بغني عنه، فقد لزم على تقدير النقيضين وجود موجود واجب بنفسه قديم أزلي خالق [غني] عما سواه، وما سواه بخلاف ذلك، وقد علم بالحس والضرورة وجود موجود حادث كائن بعد أن لم يكن، والحادث لا يكون واجبًا بنفسه، ولا قديما أزليا، ولا خالقا لما سواه، ولا غنيا عما سواه، فثبت بالضرورة وجود موجودين: أحدهما واجب، والآخر ممكن،
_________________
(١) كذا الأصل، ولعله: حي.
[ ١٠١ ]
أحدهما قديم، والآخر حادث، أحدهما غني، والآخر فقير، أحدهما خالق، والآخر مخلوق، وهما متفقان في كون كل منهما شيئا موجودا ثابتا، ومن المعلوم أيضا أن أحدهما ليس مماثلا للآخر في حقيقته، إذ لو كان كذلك لتماثلا فيما يجب ويجوز ويمتنع، وأحدهما يجب قدمه وهو موجود بنفسه، والآخر لا يجب قدمه ولا هو موجود بنفسه، وأحدهما خالق والآخر ليس بخالق، وأحدهما غني عما سواه، والآخر فقير.
فلو تماثلا للزم أن يكون كل منهما واجب القدم ليس بواجب القدم، موجودا بنفسه غير موجود بنفسه، خالقا ليس بخالق، غنيا غير غني، فيلزم اجتماع الضدين على تقدير تماثلهما، فعلم أن تماثلهما منتف بصريح العقل، كما هو منتف بنصوص الشرع.
فعلم بهذه الأدلة اتفاقهما من وجه، واختلافهما من وجه، فمن نفى ما اتفقا فيه كان معطلا قائلا بالباطل، ومن جعلهما متماثلين كان مشبها قائلا بالباطل، والله أعلم، وذلك لأنهما وإن اتفقا في مسمى ما اتفقا فيه، فالله [تعالى] مختص بوجوده وعلمه وقدرته وسائر صفاته، والعبد لا يشركه في شيء من ذلك، والعبد أيضا مختص بوجوده وعلمه، وقدرته، والله تعالى منزه عن مشاركة العبد في خصائصه.
وإذا اتفقا في مسمى الوجود والعلم والقدرة، فهذا المشترك مطلق كلي يوجد في الأذهان لا في الأعيان، والموجود في الأعيان مختص لا اشتراك فيه.
وهذا موضع اضطرب فيه كثير من النظار، حيث توهموا أن الاتفاق في مسمى هذه الأشياء يوجب أن يكون الوجود الذي للرب كالوجود الذي للعبد.
وطائفة ظنت أن لفظ الوجود يقال بالاشتراك اللفظي، وكابروا عقولهم، فإن هذه الأسماء عامة قابلة للتقسيم، كما يقال: الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، وقديم وحادث، ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، واللفظ المشترك كلفظ المشترى الواقع على المبتاع والكوكب، لا ينقسم معناه، ولكن يقال: لفظ المشترى يقال على كذا [أو على كذا]، وأمثال هذه المقالات التي قد بسط الكلام عليها في موضعه.
[ ١٠٢ ]
وأصل الخطأ والغلط: توهمهم أن هذه الأسماء (^١) العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتا في هذا المعين وهذا المعين، وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقا كليا، [بل] لا يوجد إلا معينا مختصا، وهذه الأسماء إذا سمي الله بها كان مسماها معينا مختصا به، فإذا سمي بها العبد كان مسماها مختصا به. فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق؟ ألا ترى أنك تقول: هذا هو ذاك، فالمشار إليه واحد لكن بوجهين مختلفين.
وبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى وزادوا فيه على الحق فضلوا، وأن المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه، وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا، وأن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه.
فالنفاة أحسنوا في تنزيه الخالق سبحانه عن التشبيه بشيء من خلقه، ولكن أساءوا في نفي المعاني الثابتة لله تعالى في نفس الأمر.
والمشبهة أحسنوا في إثبات الصفات، ولكن أساءوا بزيادة التشبيه.
واعلم أن المخاطب لا يفهم المعاني المعبر عنها باللفظ إلا أن يعرف عنها أو ما يناسب عينها، ويكون بينها قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى، وإلا فلا يمكن تفهيم المخاطبين بدون هذا قط، حتى في أول تعليم معاني الكلام بتعليم معاني الألفاظ المفرده، مثل تربية الصبي الذي يعلم البيان واللغة، ينطق له باللفظ المفرد ويشار له الى معناه إن كان مشهودا بالإحساس الظاهر أو الباطن، فيقال له: لبن، خبز، أم، أب، سماء، أرض، شمس، قمر، ماء، ويشار له مع العبارة إلى كل مسمى من هذه المسميات، وإلا لم يفهم معنى اللفظ ومراد الناطق به، وليس أحد من بني آدم يستغني عن التعليم السمعي، كيف وآدم أبو البشر وأول ما علمه الله تعالى أصول الأدلة السمعية وهي الأسماء كلها، وكلمه وعلمه بخطاب الوحي ما لم يعلمه بمجرد العقل.
_________________
(١) في الأصل: الأشياء. والصواب ما أثبتنا.
[ ١٠٣ ]
فدلالة اللفظ على المعنى هي بواسطة دلالته على ما عناه المتكلم وأراده، وإرادته وعنايته في قلبه، فلا يعرف باللفظ ابتداء، ولكن [لا] يعرف المعنى بغير اللفظ حتى يعلم أولا أن هذا المعنى المراد هو الذي يراد بذلك اللفظ ويعنى به، فإذا عرف ذلك ثم سمع اللفظ مرة ثانية، عرف المعنى المراد بلا إشارة إليه، وإن كانت الإشارة إلى ما يحس بالباطن، مثل الجوع والشبع والري والعطش والحزن والفرح، فإنه لا يعرف اسم ذلك حتى يجده من نفسه، فإذا وجده أشير له إليه، وعرف أن اسمه كذا، والإشارة تارة تكون إلى جوع نفسه أو عطش نفسه، مثل أن يراه أنه قد جاع فيقول له: جعت، أنت جائع، فيسمع اللفظ ويعلم ما عينه بالإشارة أو ما يجري مجراها من القرائن التي تعين المراد، مثل نظر أمه إليه في حال جوعه وإدراكه بنظرها أو نحوه أنها تعني جوعه، أو يسمعهم يعبرون بذلك عن جوع غيره.
إذا عرف ذلك فالمخاطب المتكلم إذا أراد بيان معان، فلا يخلو إما أن يكون مما أدركها المخاطب المستمع بإحساسه وشهوده، أو بمعقوله، وإما أن لا يكون كذلك، فإن كانت من القسمين الأولين لم يحتج إلا إلى معرفة اللغة، بأن يكون قد عرف معاني الألفاظ المفردة ومعنى التركيب، فإذا قيل له بعد ذلك: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد ٨، ٩]، أو قيل له: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، ونحو ذلك، فهم المخاطب بما أدركه بحسه، وإن كانت المعاني التي يراد تعريفه بها ليست مما أحسه وشهده بعينه، ولا بحيث صار له معقول كلي يتناولها حتى يفهم به المراد بتلك الألفاظ، بل هي مما [لا] يدركه بشيء من حواسه الباطنة والظاهرة، فلا بد في تعريفه من طريق القياس والتمثيل والاعتبار بما بينه وبين معقولات الأمور التي شاهدها من التشابه والتناسب، وكلما كان التمثيل أقوى، كان البيان أحسن، والفهم أكمل.
فالرسول صلوات الله وسلامه عليه لما بين لنا أمورا لم تكن معروفة قبل ذلك، وليس في لغتهم لفظ يدل عليها بعينها، أتى بألفاظ تناسب معانيها تلك المعاني، وجعلها أسماء لها، فيكون بينها قدر مشترك، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والإيمان، والكفر، وكذلك لما أخبرنا بأمور تتعلق بالإيمان بالله وباليوم الآخر، وهم
[ ١٠٤ ]
لم يكونوا يعرفونها قبل ذلك حتى يكون لهم ألفاظ تدل عليها بعينها، أخذ من اللغة الألفاظ المناسبة لتلك بما تدل عليه من القدر المشترك بين تلك المعاني الغيبية، والمعاني الشهودية التي كانوا يعرفونها، وقرن بذلك من الإشارة ونحوها ما يعلم به حقيقة المراد، كتعليم الصبي، كما قال ربيعة ابن أبي عبد الرحمن (^١): الناس في حجور علمائهم كالصبيان في حجور آبائهم.
وأما ما يخبر به الرسول من الأمور الغائبة، فقد يكون مما أدركوا نظيره بحسهم وعقلهم، كإخبارهم بأن الريح قد أهلكت عادا، فإن عادا من جنسهم والريح من جنس ريحهم، وإن كانت أشد. وكذلك غرق فرعون في البحر، وكذا بقية الأخبار عن الأمم الماضية، ولهذا كان الإخبار بذلك فيه عبرة لنا، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]. وقد يكون الذي يخبر به الرسول ما لم يدركوا مثله الموافق له في الحقيقة من كل وجه لكن في مفرداته ما يشبه مفرداتهم من بعض الوجوه، كما إذا أخبرهم عن الأمور الغيبية المتعلقة بالله واليوم الآخر، فلا بد أن يعلموا معنى مشتركا وشبها بين مفردات تلك الألفاظ وبين مفردات ما علموه في الدنيا بحسهم وعقلهم، فإذا كان ذلك المعنى الذي في الدنيا لم يشهدوه بعد، ويريد أن يجعلهم يشهدونه مشاهدة كاملة ليفهموا به القدر المشترك بينه وبين المعنى الغائب، أشهدهم إياه، وأشار لهم إليه، وفعل قولا يكون حكاية له وشبها، به يعلم المستعمون أن معرفتهم بالحقائق المشهودة هي الطريق التي يعرفون بها الأمور الغائبة.
_________________
(١) هو ربيعة بن فروخ المدني أبو عثمان إمام حافظ فقيه مجتهد كان صاحب الفتوى في المدينة وبه تفقه الإمام مالك ويلقب بربيعة الرأي.
[ ١٠٥ ]