…
وقوله"والقدر خيره وشره، وحلوه ومره، من الله تعالى"-
تقدم قوله ﷺ في حديث جبرائيل: "وتؤمن بالقدر خيره وشره" (^١)، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]. وقال تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] الآية.
فإن قيل: فكيف الجمع بين قوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، وبين قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾؟ [النساء: ٧٩]، قيل: قوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: الخصب والجدب، والنصر والهزيمة، [كلها من عند الله]، وقوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِك﴾: أي ما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. يدل على ذلك ما روي عن ابن عباس ﵁: أنه قرأ: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، وأنا كتبتها عليك. والمراد بالحسنة هنا النعمة، وبالسيئة البلية، في أصح الأقوال، وقد قيل: الحسنة الطاعة، والسيئة المعصية. [و] قيل: الحسنة ما أصابه يوم بدر، والسيئة ما أصابه يوم أحد، والقول الأول شامل لمعنى القول الثالث، والمعنى الثاني ليس مرادا دون الأول قطعا، ولكن لا منافاة بين أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه (^٢)، مع أن الجميع مقدر، فإن المعصية الثانية قد تكون عقوبة الأولى، فتكون من سيئات الجزاء، مع أنها من سيئات العمل، والحسنة الثانية قد تكون من ثواب الأولى، كما دل على ذلك الكتاب والسنة. وليس للقدرية أن يحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، فإنهم يقولون: إن فعل العبد -حسنة كان أو سيئة- فهو منه لا من الله! والقرآن قد فرق بينهما، وهم لا يفرقون؛ ولأنه قال تعالى: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، فجعل الحسنات من عند الله، كما جعل السيئات من عند الله، وهم لا يقولون بذلك في الأعمال، بل في الجزاء. وقوله بعد هذا: "ما أصابك من حسنة" و"من سيئة"، [مثل قوله: "وإن تصبهم حسنة" و"إن تصبهم سيئة"]. وفرق ﷾ بين الحسنات التي هي النعم، وبين السيئات التي هي المصائب، فجعل هذه من الله، وهذه من نفس الإنسان، لأن الحسنة مضافة إلى الله، إذ هو أحسن بها من كل وجه، فما من وجه من أوجهها إلا وهو يقتضي الإضافة إليه، وأما السيئة، فهو إنما يخلقها لحكمة، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه، فإن الرب لا يفعل سيئة قط، بل فعله كله حسن وخير.
ولهذا كان النبي ﷺ يقول في الاستفتاح: "والخير كله بيديك، والشر ليس
_________________
(١) متفق عليه على التفصيل المشار إليه قبل قليل.
(٢) قال عفيفي: انظر ص ٣١٤ من كتاب "الإيمان".
[ ٣٦٥ ]
إليك". أي: فإنك لا تخلق شرا محضا، بل كل ما يخلقه ففيه حكمة، هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس، فهذا شر جزئي إضافي، فأما شر كلي، أو شر مطلق فالرب ﷾ منزه عنه. وهذا هو الشر الذي ليس إليه، ولهذا لا يضاف الشر إليه مفردا قط، بل إما أن يدخل في عموم المخلوقات، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٨]، ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، وإما أن يضاف إلى السبب، كقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢]، وإما أن يحذف فاعله، كقول الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]، وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة، بل لله من الرحمة والحكمة ما لا يقدر قدره إلا الله تعالى، وليس إذا وقع في المخلوقات ما هو شر جزئي بالإضافة، يكون شرا كليا [عاما]، بل الأمور العامة الكلية لا تكون إلا خيرا أو مصلحة للعباد، كالمطر العام، وكإرسال رسول عام، وهذا مما يقتضي أنه لا يجوز أن يؤيد كذابا عليه بالمعجزات التي أيد بها الصادقين، فإن هذا شر عام للناس، يضلهم، فيفسد عليهم دينهم ودنياهم وأخراهم، وليس هذا كالملك الظالم [والعدو، فإن الملك الظالم] لا بد أن يدفع الله به من الشر أكثر من ظلمه، وقد قيل: ستون سنة بإمام ظالم خير من ليلة واحدة بلا إمام، وإذا قدر كثرة ظلمه، فذاك خير في الدين، كالمصائب، تكون كفارة لذنوبهم، ويثابون على الصبر عليه، ويرجعون فيه إلى الله، ويستغفرونه ويتوبون إليه، وكذلك ما يسلط عليهم من العدو. ولهذا قد يمكن الله كثيرا من الملوك الظالمين مدة، وأما المتنبئون الكذابون فلا يطيل تمكينهم، بل لا بد أن يهلكهم؛ لأن فسادهم عام في الدين والدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦].
وفي قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ من الفوائد: أن العبد لا يطمئن إلى نفسه ولا يسكن إليها، فإن الشر كامن فيها، لا يجيء إلا منها، ولا يشتغل بملام الناس ولا ذمهم إذا أساءوا إليه، فإن ذلك من السيئات التي أصابته، وهي إنما أصابته بذنوبه، فيرجع إلى الذنوب، ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات عمله، ويسأل الله أن يعينه على طاعته، فبذلك يحصل له كل خير، ويندفع عنه كل شر.
[ ٣٦٦ ]
ولهذا كان أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٥ - ٧]. فإنه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته، فلم يصبه شر، لا في الدنيا ولا في الآخرة، لكن الذنوب هي لوازم نفس الإنسان، وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة، وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الطعام والشراب، ليس كما يقوله بعض المفسرين: إنه قد هداه! فلماذا يسأل الهدى؟! وإن المراد التثبيت، أو مزيد الهداية! بل العبد محتاج إلى أن يعلمه الله ما يفعله من تفاصيل أحواله، وإلى ما يتركه من تفاصيل الأمور، في كل يوم، وإلى أن يلهمه أن يعمل ذلك، فإنه لا يكفي مجرد علمه إن لم يجعله مريدا للعمل بما يعلمه، وإلا كان العلم حجة عليه، ولم يكن مهتديا، ومحتاج إلى أن يجعله قادرا على العمل بتلك الإرادة الصالحة، فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم، وما لا نريد فعله تهاونا وكسلا مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه، وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك، وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوت الحصر، ونحن محتاجون إلى الهداية التامة، فمن كملت له هذه الأمور كان سؤاله سؤال تثبيت، وهي آخر الرتب، وبعد ذلك كله هداية أخرى، وهي الهداية إلى طريق الجنة في الآخرة؛ ولهذا كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة، لفرط حاجتهم إليه، فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى هذا الدعاء. فيجب أن يعلم أن الله بفضل رحمته جعل هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير، المانعة من الشر، فقد بين القرآن أن السيئات من النفس، وإن كانت بقدر الله، وأن الحسنات كلها من الله تعالى، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يُشكر سبحانه، وأن يستغفره العبد من ذنوبه، وألا يتوكل إلا عليه وحده، فلا يأتي بالحسنات إلا هو، فأوجب ذلك توحيده، والتوكل عليه وحده، والشكر له وحده، والاستغفار من الذنوب.
وهذه الأمور كان النبي ﷺ يجمعها في الصلاة، كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: "ربنا لك الحمد، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه" (^١). "ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل
_________________
(١) البخاري، لكن ليس من فعله ﷺ، بل إنه سمع رجلا يقول ذلك فقال ﷺ: "لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أولا". انظر كتابي "صفة الصلاة" "ص ١١٩".
[ ٣٦٧ ]
الثناء والمجد، أحق ما قاله العبد، وكلنا لك عبد" (^١). فهذا حمد، وهو شكر لله تعالى، وبيان أن حمده أحق ما قاله العبد، ثم يقول بعد ذلك: لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. وهذا تحقيق لوحدانيته، لتوحيد الربوبية، خلقا وقدرا، وبداية ونهاية (^٢)، هو المعطي المانع، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وتوحيد الإلهية، شرعا وأمرا ونهيا، وإن العباد وإن كانوا يعطون جدا ملكا وعظمة وبختا ورياسة، في الظاهر، أو في الباطن، كأصحاب المكاشفات والتصرفات الخارقة، فلا ينفع ذا الجد منك الجد، أي لا ينجيه ولا يخلصه، ولهذا قال: لا ينفعه منك (^٣)، ولم يقل: ولا ينفعه عندك؛ لأنه لو قيل ذلك أوهم أنه لا يتقرب به إليك، لكن قد لا يضره، فتضمن هذا الكلام تحقيق التوحيد، أو تحقيق قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٤]، فإنه لو قدر أن شيئا من الأسباب يكون مستقلا بالمطلوب، وإنما يكون بمشيئة الله وتيسيره لكان الواجب أن لا يرجى إلا الله، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يسأل إلا هو، ولا يستغاث إلا به، ولا يستعان إلا هو، فله الحمد وإليه المشتكى، وهو المستعان، وبه المستغاث، ولا حول ولا قوة إلا به، فكيف وليس شيء من الأسباب مستقلا بمطلوب، بل لا بد من انضمام أسباب أخر إليه، ولا بد أيضا من صرف الموانع والمعارضات عنه، حتى يحصل المقصود، فكل سبب فله شريك، وله ضد، فإن لم يعاونه شريكه، ولم ينصرف عنه ضده لم يحصل مسببه، والمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك، ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له، والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى، ومجموع ذلك لا يفيد إن لم تصرف عنه المفسدات.
والمخلوق الذي يعطيك أو ينصرك، فهو -مع أن الله يجعل فيه الإرادة والقوة
_________________
(١) صحيح متفق عليه، وهو حديث آخر، والمصنف دمجه بالأول، فأوهم أنهما حديث واحد! انظر المصدر الآنف الذكر.
(٢) في الأصل: وهداية.
(٣) قال عفيفي: انظر ص ٣١٩ ج ٤ من "مجموع الفتاوى" لابن تيمية.
[ ٣٦٨ ]
والفعل- فلا يتم ما يفعله إلا بأسباب كثيرة، خارجة عن قدرته، تعاونه على مطلوبه، ولو كان ملكًا مطاعًا، ولا بد أن يصرف عن الأسباب المتعاونة ما يعارضها ويمانعها، فلا يتم المطلوب إلا بوجود المقتضي وعدم المانع.
وكل سبب معين فإنما هو جزء من المقتضي، فليس في الوجود شيء واحد هو مقتض تامّ، وإن سمي مقتضيًا، وسمي سائر ما يعينه شروطًا، فهذا نزاع لفظي، وأما أن يكون في المخلوقات علة تامة تستلزم معلولها فهذا باطل.
ومن عرف هذا حق المعرفة انفتح له باب توحيد الله، وعلم أنه لا يستحق أن يسأل غيره، فضلًا عن أن يعبد غيره، ولا يتوكل على غيره، ولا يرجى غيره.
قوله: "ونحن مؤمنون بذلك كله، لا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ما جاءوا به".
ش: الإشارة بذلك إلى ما تقدم، مما يجب الإيمان به تفصيلًا، وقوله: لا نفرق بين أحد من رسله، إلى آخر كلامه أي: لا نفرق بينهم بأن نؤمن ببعض ونكفر ببعض (^١)، بل نؤمن بهم ونصدقهم كلهم، فإن من آمن ببعض وكفر ببعض، كافر بالكل. قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١]. فإن المعنى الذي لأجله (^٢) آمن بمن آمن [به] منهم، موجود في الذي لم يؤمن به، وذلك الرسول الذي آمن به قد جاء بتصديق [بقية] المرسلين، فإذا لم يؤمن ببعض المرسلين كان كافرًا بمن في زعمه أنه مؤمن به؛ لأن ذلك الرسول قد جاء بتصديق المرسلين كلهم، فكان كافرًا حقًّا، وهو يظن أنه مؤمن، فكان من الأخسرين أعمالًا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
قوله: "وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين. وهم في مشيئته وحكمه
_________________
(١) قال عفيفي: انظر ص ٣١٦ ج ٤ من "مجموع الفتاوى".
(٢) في الأصل: للرجاء.
[ ٣٦٩ ]
إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر ﷿ في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: (٤٨) و١١٦] وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته، ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته، الذين خابوا من هدايته، ولم ينالوا من ولايته، اللهم يا ولي الإسلام وأهله، ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به".
ش: فقوله: وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، رد لقول الخوارج والمعتزلة، القائلين بتخليد أهل الكبائر في النار، لكن الخوارج تقول بتكفيرهم، والمعتزلة بخروجهم عن الإيمان، لا بدخولهم في الكفر، بل لهم منزلة بين منزلتين، كما تقدم عند الكلام على قول الشيخ ﵀: ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله.
وقوله: وأهل الكبائر من أمة محمد. تخصيصه أمة محمد، يفهم منه أن أهل الكبائر من أمة غير محمد ﷺ قبل نسخ تلك الشرائع به، [حكمهم] مخالف لأهل الكبائر من أمة محمد، وفي ذاك نظر، فإن النبي ﷺ أخبر أنه: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" (^١). ولم يخص أمته بذلك، بل ذكر الإيمان مطلقا، فتأمله. وليس في بعض النسخ ذكر الأمة. وقوله: في النار. معمول لقوله: لا يخلدون. وإنما قدمه لأجل السجعة، لا أن يكون [في النار] خبر لقوله: وأهل الكبائر، كما ظنه بعض الشارحين.
واختلف العلماء في الكبائر على أقوال، فقيل: سبعة، وقيل: سبعة عشر. وقيل: ما اتفقت الشرائع على تحريمه. وقيل: ما يسد باب المعرفة بالله. وقيل: ذهاب الأموال والأبدان. وقيل: سميت كبائر بالنسبة والإضافة إلى ما دونها. وقيل: لا تعلم أصلا. أو أنها أخفيت كليلة القدر. وقيل: إنها إلى السبعين أقرب. وقيل: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة. وقيل: إنها ما يترتب عليها حد أو توعد عليها بالنار، أو اللعنة، أو الغضب. وهذا أمثل الأقوال، واختلفت عبارات
_________________
(١) متفق عليه، وهو مخرج في "الظلال" ٨٤٩ - ٨٥٢".
[ ٣٧٠ ]
السلف (^١) في تعريف الصغائر: منهم من قال: الصغيرة ما دون الحدين: حد الدنيا وحد الآخرة. ومنهم من قال: كل ذنب لم يختم بلعنة أو غضب أو نار. ومنهم من قال: الصغيرة ما ليس فيها حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة، والمراد بالوعيد: الوعيد الخاص بالنار أو اللعنة أو الغضب، فإن الوعيد الخاص في الآخرة كالعقوبة الخاصة في الدنيا، أعني المقدرة، فالتعزير في الدنيا نظير الوعيد بغير النار أو اللعنة أو الغضب. وهذا الضابط يسلم من القوادح الواردة على غيره، فإنه يدخل فيه كل ما ثبت بالنص أنه كبيرة، كالشرك، والقتل، والزنا، والسحر، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، ونحو ذلك، كالفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وشهادة الزور، وأمثال ذلك.
وترجيح هذا القول من وجوه: أحدها: أنه هو المأثور عن السلف، كابن عباس، وابن عيينة، وابن حنبل ﵃، وغيرهم. الثاني: أن الله تعالى قال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. فلا يستحق هذا الوعد الكريم من أوعد بغضب الله ولعنته وناره، وكذلك من استحق أن يقام عليه الحد لم تكن سيئاته مكفرة عنه باجتناب الكبائر. الثالث: أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله من الذنوب، فهو حد متلقى من خطاب الشارع. الرابع: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر، بخلاف تلك الأقوال (^٢)، فإن من قال: سبعة، أو سبعة عشرة، أو إلى السبعين أقرب مجرد دعوى. ومن قال: ما اتفقت الشرائع على تحريمه دون ما اختلفت فيه يقتضي أن شرب الخمر، والفرار من الزحف، والتزوج ببعض المحارم (^٣)، والمحرم بالرضاعة والصهرية، ونحو ذلك، ليس من الكبائر! وأن
_________________
(١) في الأصل: عبارة قائلية.
(٢) قال عفيفي: انظر ص ٢٨٠ وما بعدها من ج ٣ من "مجموع الفتاوى".
(٣) قال عفيفي: انظر ص ٣١٦ وما بعدها من "مدارج السالكين" لابن القيم وص ٤٩٤ إلى ٤٩٧ من "مختصر الفتاوى" و٦٥٠ ج ١١ من "مجموع الفتاوى".
[ ٣٧١ ]
الحبة من مال اليتيم، والسرقة لها، والكذبة الواحدة الخفيفة، ونحو ذلك من الكبائر! وهذا فاسد، ومن قال: ما سد باب المعرفة بالله، أو ذهاب الأموال والأبدان يقتضي أن شرب الخمر، وأكل الخنزير والميتة والدم، وقذف المحصنات ليس من الكبائر! وهذا فاسد، ومن قال: إنها سميت كبائر بالنسبة إلى ما دونها، أو كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة يقتضي أن الذنوب في نفسها لا تنقسم إلى صغائر وكبائر! وهذا فاسد؛ لأنه خلاف النصوص الدالة على تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر. ومن قال: إنها لا تعلم أصلا، أو إنها مبهمة، فإنما أخبر عن نفسه أنه لا يعلمها، فلا يمنع أن يكون قد علمها غيره، والله أعلم.
وقوله: وإن لم يكونوا تائبين؛ لأن التوبة لا خلاف أنها تمحو الذنوب، وإنما الخلاف في غير التائب، وقوله: بعد أن لقوا الله تعالى عارفين، لو قال: مؤمنين، بدل قوله: عارفين، كان أولى؛ لأن من عرف الله ولم يؤمن به فهو كافر، وإنما اكتفى بالمعرفة وحدها الجهم، وقوله مردود باطل، كما تقدم. فإن إبليس عارف بربه، ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦]. ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]. وكذلك فرعون وأكثر الكافرين. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]. ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٥]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى، وكأن الشيخ ﵀ أراد المعرفة الكاملة المستلزمة للاهتداء، التي يشير إليها أهل الطريقة، وحاشا أولئك أن يكونوا من أهل الكبائر، بل هم سادة الناس وخاصتهم.
وقوله: وهم في مشيئة الله وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، إلى آخر كلامه فصل الله تعالى بين الشرك وغيره لأن الشرك أكبر الكبائر، كما قال ﷺ، وأخبر الله تعالى أن الشرك غير مغفور، وعلق غفران ما دونه بالمشيئة، والجائز يعلق بالمشيئة دون الممتنع، ولو كان الكل سواء لما كان للتفصيل معنى؛ ولأنه علق هذا الغفران بالمشيئة، وغفران الكبائر والصغائر بعد التوبة مقطوع به، غير معلق بالمشيئة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
[ ٣٧٢ ]
فوجب أن يكون الغفران المعلق بالمشيئة هو غفران الذنوب سوى الشرك بالله [قبل التوبة].
وقوله: ذلك أن الله مولى أهل معرفته، فيه مؤاخذة لطيفة، كما تقدم. وقوله: اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكنا بالإسلام، وفي نسخة: ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به، روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه "الفاروق"، بسنده عن أنس ﵁، قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ يقول: "يا ولي الإسلام وأهله، مسكني بالإسلام حتى ألقاك عليه" (^١). ومناسبة ختم الكلام المتقدم بهذا الدعاء ظاهرة. وبمثل هذا الدعاء دعا يوسف الصديق صلوات الله عليه، حيث قال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. وبه دعا السحرة الذين كانوا أول من آمن بموسى صلوات الله على نبينا وعليه، حيث قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦]. ومن استدل بهاتين الآيتين على جواز تمني الموت فلا دليل له فيه، فإن الدعاء إنما هو بالموت على الإسلام، لا بمطلق الموت، ولا بالموت الآن، والفرق ظاهر.
قوله: "ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم".
ش: قال ﷺ: "صلوا خلف كل بر وفاجر" (^٢). رواه مكحول عن أبي هريرة ﵁، وأخرجه الدارقطني، قال: مكحول لم يلق أبا هريرة. وفي إسناده معاوية بن صالح، متكلم فيه، وقد احتج به مسلم في صحيحه. وخرج له
_________________
(١) أخرجه الضياء المقدسي في "الأحاديث المختار" "ق ١٥٠/ ١" رواه من طريق الطبراني بسنده عن أنس بن مالك به، وهو إسناد جيد، كما حققته في "الأحاديث الصحيحة" "١٨٣٣" وراجع مقدمة الطبعة الثالثة ص ٦.
(٢) ضعيف، علته الانقطاع بين مكحول وأبي هريرة، وهو مخرج في "ضعيف مسند أبي داود" "٩٧".
[ ٣٧٣ ]
الدارقطني أيضا وأبو داود، عن مكحول، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "الصلاة واجبة عليكم مع كل مسلم، برا كان أو فاجرا، وإن عمل بالكبائر، والجهاد واجب عليكم مع كل أمير، برا كان أو فاجرا، وإن عمل الكبائر" (^١). وفي صحيح البخاري: أن عبد الله بن عمر ﵁ كان يصلي خلف الحجاج [بن يوسف] الثقفي، وكذا أنس بن مالك، وكان الحجاج فاسقا ظالما. وفي صحيحه أيضا، أن النبي ﷺ قال: "يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وأن أخطئوا فلكم وعليهم" (^٢). وعن عبد الله بن عمر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "صلوا خلف من قال لا إله إلا الله، وصلوا على من مات من أهل لا إله إلا الله" (^٣). أخرجه الدارقطني من طرق، وضعفها.
اعلم، رحمك الله وإيانا: أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقا، باتفاق الأئمة، وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه، فيقول: ماذا تعتقد؟! بل يصلي خلف المستور الحال، ولو صلى خلف مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه، كإمام الجمعة والعيدين، والإمام في صلاة الحج بعرفة، ونحو ذلك، فإن المأموم يصلي خلفه، عند عامة السلف والخلف، ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر، فهو مبتدع عند أكثر العلماء. والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها، فإن الصحابة ﵃ كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون، كما كان عبد الله بن عمر يصلي خلف الحجاج بن يوسف، وكذلك أنس ﵁، كما تقدم، وكذلك عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان يشرب الخمر، حتى إنه صلى بهم الصبح مرة أربعا، ثم قال: أزيدكم؟! فقال له ابن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة!! وفي "الصحيح": أن عثمان بن عفان رضي الله
_________________
(١) ضعيف أيضا للعلة المذكورة، وهو مخرج في "الإرواء" "٥٢٧".
(٢) صحيح، رواه أحمد أيضا، وهو في "مختصر البخاري" برقم "٣٨٣".
(٣) ضعيف.
[ ٣٧٤ ]
عنه لما حصر صلى بالناس شخص، فسأل سائل عثمان: إنك إمام عامة، وهذا الذي صلى بالناس إمام فتنة؟ فقال: يابن أخي، إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم (^١).
والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحة، فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته، لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب.
ومن ذلك: أن من أظهر بدعة وفجورا لا يرتب إماما للمسلمين، فإنه يستحق التعزير حتى يتوب، فإن أمكن هجره حتى يتوب كان حسنا، وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثر ذلك في إنكار المنكر حتى يتوب أو يعزل أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه، فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه كان في ذلك مصلحة شرعية، ولم تفت المأموم جمعة ولا جماعة، وأما إذا كان ترك الصلاة خلفه يفوت المأموم الجمعة والجماعة، فهنا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة ﵃، وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور، ليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية، فهنا لا يترك الصلاة خلفه، بل الصلاة خلفه أفضل (^٢)، فإذا أمكن الإنسان أن لا يقدم مظهرا للمنكر في الإمامة، وجب عليه ذلك، لكن إذا ولاه غيره، ولم يمكنه صرفه عن الإمامة، أو كان لا يتمكن من صرفه عن الإمامة إلا بشر أعظم ضررًا من ضرر ما أظهر من المنكر-: فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما، فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، بحسب الإمكان، فتفويت الجمع والجماعات أعظم فسادا من الاقتداء فيهما بالإمام الفاجر، لا سيما إذا كان التخلف عنها لا يدفع فجورا، فيبقى تعطيل المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة.
وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر، فهذا أولى من فعلها خلف الفاجر. وحينئذ، فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر، فهو موضع اجتهاد
_________________
(١) أخرجه البخاري في "الأذان"، وهو في "المختصر" برقم "٣٨٤".
(٢) قال عفيفي: انظر ص ٣٤٢ - ٣٦٠ ج ٢٣ من "مجموع الفتاوى".
[ ٣٧٥ ]
العلماء: [منهم من قال: يعيد]، ومنهم من قال: يعيد. وموضع بسط ذلك في كتب الفروع.
وأما الإمام إذا نسي أو أخطأ، ولم يعلم المأموم بحاله، فلا إعادة على المأموم، للحديث المتقدم، وقد صلى عمر ﵁ وغيره وهو جنب ناسيا للجنابة، فأعاد الصلاة، ولم يأمر المأمومين بالإعادة (^١)، ولو علم أن إمامه بعد فراغه كان على غير طهارة، أعاد عند أبي حنيفة، خلافا لمالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، وكذلك لو فعل الإمام ما لا يسوغ عند المأموم، وفيه تفاصيل موضعها كتب الفروع، ولو علم أن إمامه يصلي على غير وضوء!! فليس له أن يصلي خلفه، لأنه لاعب، وليس بمصل.
وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام الصلاة، والحاكم، وأمير الحرب، وعامل الصدقة، يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم لرأيه، فإن مصلحة الجماعة والائتلاف، ومفسدة الفرقة والاختلاف، أعظم من أمر المسائل الجزئية، ولهذا لم يجز للحكام أن ينقض بعضهم حكم بعض. والصواب المقطوع به صحة صلاة بعض هؤلاء خلف بعض، يروى عن أبي يوسف: أنه لما حج مع هارون الرشيد، فاحتجم الخليفة، وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ، وصلى بالناس، فقيل لأبي يوسف: أصليت خلفه؟ قال: سبحان الله! أمير المؤمنين، يريد بذلك أن ترك الصلاة خلف ولاة الأمور من فعل أهل البدع. وحديث أبي هريرة، الذي رواه البخاري، أن رسول الله ﷺ قال: "يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وأن أخطئوا فلكم وعليهم" (^٢)، نص صحيح صريح في أن الإمام إذا أخطأ فخطؤه عليه، لا على المأموم، والمجتهد غايته أنه أخطأ بترك واجب اعتقد أنه ليس واجبا، أو فعل محظورا اعتقد أنه ليس محظورا، ولا يحل
_________________
(١) عبد الرزاق في "المصنف" "٢/ ٣٤٧ - ٣٤٩" طبع المكتب الإسلامي، وكذا ابن أبي شيبة "١/ ٣٩٣" بأسانيد بعضها صحيح.
(٢) صحيح، وتقدم بالحديث "رقم ٤٨١".
[ ٣٧٦ ]
لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخالف هذا الحديث الصريح الصحيح بعد أن يبلغه، وهو حجة على من يطلق من الحنفية والشافعية والحنبلية أن الإمام إذا ترك ما يعتقد المأموم وجوبه لم يصح اقتداؤه به!! فإن الاجتماع والائتلاف مما يجب رعايته وترك الخلاف المفضي إلى الفساد.
وقوله: وعلى من مات منهم، أي ونرى الصلاة على من مات من الأبرار والفجار، وإن كان يستثنى من هذا العموم البغاة وقطاع الطريق، وكذا قاتل نفسه، خلافا لأبي بوسف، لا الشهيد، خلافا لمالك والشافعي رحمهما الله، على ما عرف في موضعه، لكن الشيخ إنما ساق هذا لبيان أنا لا نترك الصلاة على من مات من أهل البدع والفجور، لا للعموم الكلي، ولكن المظهرون للإسلام قسمان: إما مؤمن، وإما منافق، فمن علم نفاقه لم تجز الصلاة عليه والاستغفار له، ومن لم يعلم ذلك منه صُلي عليه، فإذا علم شخص نفاق شخص لم يصل هو عليه، وصلى عليه من لم يعلم نفاقه، وكان عمر ﵁ لا يصلي على من لم يصل عليه حذيفة؛ لأنه كان في غزوة تبوك قد عرف المنافقين، وقد نهى الله ﷾ رسوله ﷺ عن الصلاة على المنافقين، وأخبر أنه لا يغفر لهم باستغفاره، وعلل ذلك بكفرهم بالله ورسوله، فمن كان مؤمنا بالله ورسوله لم ينه عن الصلاة عليه، ولو كان له من الذنوب الاعتقادية البدعية أو العملية أو الفجورية ما له، بل قد أمره الله تعالى بالاستغفار للمؤمنين، فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]. فأمره سبحانه بالتوحيد والاستغفار لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات، فالتوحيد أصل الدين، والاستغفار له وللمؤمنين كما له، فالدعاء لهم بالمغفرة والرحمة وسائر الخيرات، إما واجب وإما مستحب، وهو على نوعين: عام وخاص، أما العام فظاهر، كما في هذه الآية، وأما الدعاء الخاص، فالصلاة على الميت، فما من مؤمن يموت إلا وقد أمر المؤمنون أن يصلوا عليه صلاة الجنازة، وهم مأمورون في صلاتهم عليه أن يدعوا له، كما روى أبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" (^١).
_________________
(١) إسناده جيد "أحكام الجنائز "١٢٣" و"إرواء الغليل" "٧٣٢".
[ ٣٧٧ ]
قوله: "ولا ننزل أحدا منهم جنة ولا نارا".
ش: يريد: أنا لا نقول عن أحد معين من أهل القبلة إنه من أهل الجنة أو من أهل النار، إلا من أخبر الصادق ﷺ أنه من أهل الجنة كالعشرة ﵃. وإن كنا نقول: إنه لا بد أن يدخل النار من أهل الكبائر من شاء الله إدخاله النار، ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين، ولكنا نقف في الشخص المعين، فلا نشهد له بجنة ولا نار إلا عن علم؛ لأن الحقيقة باطنة، وما مات عليه لا نحيط به، لكن نرجو للمحسنين، ونخاف على المسيئين.
وللسلف في الشهادة بالجنة ثلاثة أقوال: أحدها: أن لا يشهد لأحد إلا للأنبياء، وهذا ينقل عن محمد بن الحنفية، والأوزاعي، والثاني: أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص، وهذا قول كثير من العلماء وأهل الحديث، والثالث: أنه يشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون، كما في الصحيحين: أنه مر بجنازة، فأثنوا عليها بخير، فقال ﷺ: "وجبت"، ومر بأخرى، فأثني عليها بشر، فقال: "وجبت"، وفي رواية كرر: وجبت ثلاث مرات، فقال عمر: يا رسول الله، ما وجبت؟ فقال رسول الله ﷺ: "هذا أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض" (^١). وقال ﷺ: "توشكون أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار"، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن والثناء السيئ" (^٢). فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار.
قوله: "ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى".
_________________
(١) صحيح، وهو مخرج في "أحكام الجنائز" "ص ٤٤".
(٢) إسناده محتمل للتحسين، فإنه من رواية ابن أبي زهير الثقفي عن أبيه مرفوعا. أخرجه ابن ماجه "٤٢٢١" وأحمد "٣/ ٤١٦، ٦/ ٤٦٦" قال في "الزوائد": "إسناده صحيح، رجاله ثقات"، قلت: أبو بكر هذا، لم يرو عنه غير اثنين، ولم يوثقه غير ابن حبان "١/ ٢٦٧"، وقال في "التقريب": "مقبول" يعني عند المتابعة، وإلا فلين الحديث.
[ ٣٧٨ ]
ش: لأنا قد أمرنا بالحكم بالظاهر، ونهينا عن الظن واتباع ما ليس لنا به علم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات: ١١] الآية، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
قوله: "ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد ﷺ إلا من وجب عليه السيف".
ش: في "الصحيح" عن النبي ﷺ، أنه قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (^١).
قوله: "ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله ﷿ فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة".
ش: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وفي الصحيح عن النبي ﷺ، أنه قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني" (^٢)، وعن أبي ذر ﵁، قال: إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف (^٣). وعند
_________________
(١) متفق عليه من حديث ابن مسعود، وهو مخرج في "الإرواء" "٢١٩٦" و"الظلال" "٦٠ و٨٩٣ و٨٩٤".
(٢) رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، وهو مخرج في "الإرواء" "٣٩٤".
(٣) رواه مسلم عنه.
[ ٣٧٩ ]
البخاري: "ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة" (^١). وفي "الصحيحين" أيضا: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، [فإن أمر بمعصية] فلا سمع ولا طاعة" (^٢). وعن حذيفة بن اليمان قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم"، فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم، وفيه دخن"، قال: قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم يسنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر"، فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها"، فقلت: يا رسول الله! صفهم لنا؟ قال: "نعم، قوم من جلدتنا، يتكلمون بألستنا"، قلت: يا رسول الله، فما ترى إذا أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين، وإمامهم"، فقلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك" (^٣). وعن ابن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات، فميتته جاهلية" (^٤)، وفي رواية: "فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" (^٥). وعن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا بويع
_________________
(١) البخاري "٤/ ٣٨٥" عن أنس.
(٢) متفق عليه من حديث ابن عمر.
(٣) متفق عليه.
(٤) متفق عليه من حديث ابن عباس، وهو مخرج في "الإرواء" "٢٤٥٣".
(٥) صحيح، وهي من رواية الحارث الأشعري في حديث طويل، أخرجه أحمد "٤/ ١٣٠" وغيره بسند صحيح، وليست من رواية ابن عباس كما أوهم الشارح، وهو بتمامه في "صحيح الترغيب" "٥٥٣" و"صحيح الجامع الصغير" "١٧٢٠" وفيه الرد على من حاول إعلاله بما لا يقدح من الدكاترة المعاصرين! فليراجعه من شاء فإن فيه الشفاء.
[ ٣٨٠ ]
لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" (^١). وعن عوف بن مالك ﵁، عن رسول الله ﷺ، قال: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم"، فقلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك؟ قال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئا من معصية الله، [فليكره ما يأتي من معصية الله]، ولا ينزعن يدا من طاعته" (^٢).
فقد دل الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر، ما لم يأمروا بمعصية، فتأمل قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، كيف قال: وأطيعوا الرسول، ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم؟ لأن أولي الأمر لا يفردون بالطاعة، بل يطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله، وأعاد الفعل مع الرسول لأن من يطع الرسول فقد أطاع الله، فإن الرسول لا يأمر بغير طاعة الله، بل هو معصوم في ذلك، وأما ولي الأمر فقد يأمر بغير طاعة الله، فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله، وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا، فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور، فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩]. فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير الظالم، فليتركوا الظلم، وعن مالك بن دينار:
_________________
(١) مسلم وعزاه السيوطي في "الجامع الكبير" و"الزيادة على الجامع الصغير" لأحمد أيضا، ولم نره في "مسنده".
(٢) مسلم وغيره، وهو مخرج في "الصحيحة" "٩٠٧".
[ ٣٨١ ]
أنه جاء في بعض كتب الله: أنا الله مالك الملك، قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، لكن توبوا أعطفهم عليكم (^١).
قوله: "ونتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة".
ش: السنة: طريقة الرسول ﷺ، والجماعة: جماعة المسلمين، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، فاتباعهم هدى، وخلافهم ضلال. قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لهم عذاب عظيم﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩].
وثبت في السنن الحديث الذي صححه الترمذي، عن العرباض بن سارية، قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى
_________________
(١) هذا من الإسرائيليات، وقد رفعه بعض الضعفاء إلى النبي ﷺ، رواه الطبراني في "الأوسط" عن أبي الدرداء، قال الهيثمي "٥/ ٢٤٩": "وفيه إبراهيم بن راشد وهو متروك".
[ ٣٨٢ ]
اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، [وعضوا عليها] بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" (^١). وقال ﷺ: "إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة، يعني الأهواء، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة" (^٢). وفي رواية: قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي" (^٣) فبين ﷺ أن عامة المختلفين هالكون من الجانبين، إلا أهل السنة والجماعة.
وما أحسن قول عبد الله بن مسعود ﵁، حيث قال: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبا، وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم، وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان إن شاء الله تعالى، عند قول الشيخ: ونرى الجماعة حقا وصوابا، والفرقة زيغا وعذابا.
قوله: "ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة".
ش: وهذا من كمال الإيمان وتمام العبودية، فإن العبادة تتضمن كمال المحبة ونهايتها، وكمال الذل ونهايته. فمحبة رسل الله وأنبيائه وعباده المؤمنين من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره، فغير الله يحب في الله، لا مع الله، فإن
_________________
(١) صحيح كما قال الترمذي انظر "الإرواء" "٢٤٥٥" و"السنة" لابن أبي عاصم "رقم ٢٧ - ٣٤".
(٢) صحيح وهو مخرج في "الصحيحة" "٣٠٣ و٢٠٤" وفي "تخريج السنة" برقم "٦٣ - ٦٩".
(٣) هذه الرواية فيها ضعف، وحسنها الترمذي في "الإيمان"، وهو ممكن باعتبار شواهده كما تقدم بيان في التعليق عليه "رقم ٢٦٣"، وقد ذكرت لها شاهدا في "الصحيحة" تحت الحديث "٢٠٤" ص ١٧.
[ ٣٨٣ ]
المحب يحب ما يحب محبوبه، ويبغض ما يبغض، ويوالي من يواليه، ويعادي من يعاديه، ويرضى لرضائه، ويغضب لغضبه، ويأمر بما يأمر به، وينهى عما ينهى عنه، فهو موافق لمحبوبه في كل حال، والله تعالى يحب المسحنين، ويحب المتقين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ونحن نحب من أحبه الله، والله لا يحب الخائنين، ولا يحب المفسدين، ولا يحب المستكبرين، ونحن لا نحبهم أيضا، ونبغضهم، موافقة له ﷾، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار" (^١). فالمحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه، وولايته وعداوته، ومن المعلوم أن من أحب الله المحبة الواجبة فلا بد أن يبغض أعداءه، ولا بد أن يحب ما يحبه من جهادهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]، والحب والبغض بحسب ما فيهم من خصال الخير والشر، فإن العبد يجتمع فيه سبب الولاية وسبب العداوة، والحب والبغض، فيكون محبوبا من وجه ومبغوضا من وجه، والحكم للغالب، وكذلك حكم العبد عند الله، فإن الله قد يحب الشيء من وجه ويكرهه من وجه آخر، كما قال ﷺ، فيما يروي عن ربه ﷿: "وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته، ولا بد له منه" (^٢). فبين أنه يتردد، لأن التردد تعارض إرادتين، وهو سبحانه يحب ما يحب عبده المؤمن، ويكره ما يكرهه، وهو يكره الموت فهو يكرهه، كما قال: وأنا أكره مساءته، وهو سبحانه قضى بالموت فهو يريد كونه، فسمى ذلك ترددا، ثم بين أنه لا بد من وقوع ذلك، إذ هو يفضي إلى ما أحب منه.
_________________
(١) أخرجه الشيخان عن أنس.
(٢) صحيح، وهو طرف من حديث تقدم بتمامه "رقم ٤٥٨"، وتكلمت عليه هناك.
[ ٣٨٤ ]
قوله: "ونقول: الله أعلم، فيما اشتبه علينا علمه".
ش: تقدم في كلام الشيخ ﵀ أنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ﷿ ولرسوله ﷺ، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه، ومن تكلم بغير علم فإنما يتبع هواه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ، كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: (٣)، ٤]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يرد علم ما لم يعلم إليه، فقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٢٦] ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ لَهُمْ﴾. ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢]. وقد قال ﷺ، لما سئل عن أطفال المشركين: "الله أعلم بما كانوا عاملين" (^١). وقال عمر ﵁: اتهموا الرأي في الدين، فلو رأيتني يوم أبي جندل، فلقد رأيتني وإني لأرد أمر رسول الله ﷺ برأي، فأجتهد ولا آلو، وذلك يوم أبي جندل، والكتاب يكتب، وقال: اكتب ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، قال: اكتب باسمك اللهم، فرضي رسول الله ﷺ، وكتب وأبيت، فقال: "يا عمر تراني قد رضيت وتأبى؟ " (^٢). وقال أيضا ﵁: السنة ما سنه الله ورسوله ﷺ، لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة، وقال أبو بكر الصديق ﵁: أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إن قلت في آية
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة، وابن عباس ﵄.
(٢) الطبراني في "الكبير" "١/ ٥/ ١" وابن حزم في "الأحكام" "٦/ ٤٦" ورجاله ثقات غير أن فضالة بن مبارك مدلس كما في "التقريب" وقد عنعنه في وقال الهيثمي في "المجمع" "١/ ١٧٩": "رواه أبو يعلي ورجاله موثوقون وإن كان فيهم المبارك بن فضالة". وقال في موضع آخر "٦/ ١٤٥ - ١٤٦" وقد ساقه بأطول من هذا، لكنه لم يذكره بتمامه: "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح"، وطرفه الأول في "الصحيحين" من قول سهل بن حنيف.
[ ٣٨٥ ]
من كتاب الله برأيي، أو بما لا أعلم. وذكر الحسن بن علي الحلواني، حدثنا عارم، حدثنا حماد بن زيد، عن سعيد بن أبي صدقة، عن ابن سيرين قال: لم يكن أحد أهيب لما لا يعلم من أبي بكر، ولم يكن بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر ﵁، وإن أبا بكر نزلت به قضية، فلم يجد في كتاب الله منها أصلا، ولا في السنة أثرا، فاجتهد برأيه، ثم قال: هذا رأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني، وأستغفر الله.
قوله: "ونرى المسح على الخفين، في السفر والحضر، كما جاء في الأثر".
ش: تواترت السنة عن رسول الله ﷺ بالمسح على الخفين وبغسل الرجلين، والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة، فيقال لهم: الذين نقلوا عن النبي ﷺ الوضوء قولا وفعلا، والذين تعلموا الوضوء منه توضئوا على عهده وهو يراهم ويقرهم، ونقلوه إلى من بعدهم، أكثر عددا من الذين نقلوا لفظ هذه الآية. فإن جميع المسلمين كانوا يتوضئون على عهده، ولم يتعلموا الوضوء إلا منه، فإن هذا العمل لم يكن معهودا عندهم في الجاهلية، وهم قد رأوه يتوضأ ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى، ونقلوا عنه ذكر غسل الرجلين في ما شاء الله من الحديث، حتى نقلوا عنه من غير وجه، في كتب الصحيح وغيرها، أنه قال: "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار" (^١).
مع أن الفرض إذا كان مسح ظاهر القدم، كان غسل الجميع كلفة لا تدعو إليها الطباع، كما تدعو الطباع إلى طلب الرياسة والمال، فلو جاز الطعن في تواتر صفة الوضوء، لكان في نقل لفظ آية "الوضوء" أقرب إلى الجواز، وإذا قالوا: لفظ الآية ثبت بالتواتر الذي لا يمكن فيه الكذب ولا الخطأ، فثبوت التواتر في نقل الوضوء عنه أولى وأكمل، ولفظ الآية لا يخالف ما تواتر من السنة، فإن المسح كما يطلق ويراد به الإصابة، كذلك يطلق ويراد به الإسالة، كما تقول [العرب]: تمسحت للصلاة، وفي الآية ما يدل على أنه لم يرد بمسح الرجلين المسح الذي هو قسيم الغسل، بل
_________________
(١) متفق عليه دون قوله: "وبطون الأقدام" وهو عند أحمد "٤/ ١٩١" بسند صحيح من حديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي.
[ ٣٨٦ ]
المسح الذي الغسل قسم منه، فإنه قال: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، ولم يقل: إلى الكعاب، كما قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، فدل على أنه ليس في كل رجل كعب واحد، كما في كل يد مرفق واحد، بل في كل رجل كعبان، فيكون تعالى قد أمر بالمسح إلى العظمين الناتئين، وهذا هو الغسل، فإن من يسمح المسح الخاص يجعل المسح لظهور القدمين، وجعل الكعبين في الآية غاية يرد قولهم، فدعواهم أن الفرض مسح الرجلين إلى الكعبين، اللذين هما مجتمع الساق والقدم عند معقد الشراك، مردود بالكتاب والسنة.
وفي الآية قراءتان مشهورتان: النصب والخفض، وتوجيه إعرابهما مبسوط في موضعه، وقراءة النصب نص في وجوب الغسل؛ لأن العطف على المحل إنما يكون إذا كان المعنى واحدا، كقوله:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وليس معنى: مسحت برأسي ورجلي، هو معنى: مسحت رأسي ورجلي، بل ذكر الباء يفيد معنى زائدا على مجرد المسح، وهو إلصاق شيء من الماء بالرأس، فتعين العطف على قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾. فالسنة المتواترة تقضي على ما يفهمه بعض الناس من ظاهر القرآن، فإن الرسول بين للناس لفظ القرآن ومعناه. كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا معناها، وفي ذكر المسح في الرجلين تنبيه على قلة الصب في الرجلين، فإن السرف يعتاد فيهما كثيرا. والمسألة معروفة، والكلام عليها في كتب الفروع.
[ ٣٨٧ ]