قوله: "ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رقم".
ش: قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١ - ٢٢] وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني بسنده إلى النبي ﷺ أنه قال: "إن الله خلق لوحا محفوظا، من درة بيضاء، صفحاتها ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، لله فيه كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة، وعرضه ما بين السماء والأرض، ينظر فيه كل يوم ستين وثلاثمائة نظرة، يخلق ويرزق ويميت ويحيي، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاؤه" (^١).
اللوح المذكور هو الذي كتب الله مقادير الخلائق فيه، والقلم
_________________
(١) ضعيف، رواه الطبراني في "المعجم الكبير" "٣/ ١٦٥/ ١"، وفيه زياد بن عبد الله وهو البكائي عن ليث وهو ابن أبي سليم وكلاهما ضعيف، وقد رواه "٣/ ٨٨/ ٢" من طريق أخرى نحوه عن ابن عباس موقوفا عليه، وإسناده يحتمل التحسين، فإن رجاله كلهم ثقات غير بكير بن شهاب وهو الكوفي قال فيه أبو حاتم: "شيخ"، وذكره ابن حبان في "الثقات" "٢/ ٣٢". "تنبيه": كان الحديث محرفا في مطبوعة أحمد شاكر، وكان هو صححه من "مجمع الزوائد" الذي أورد الحديث عن ابن عباس موقوفا، وصححناه نحن من حديثه المرفوع من "المعجم" وهو الصواب؛ لأن المؤلف ساقه من الطريق المرفوعة، فلا يصح تصحيح ما وقع فيه من التحريف من الطريق الموقوفة، كما لا يخفى، لاختلاف لفظيهما، كما أشرت إلى ذلك بقولي: "نحوه".
[ ٢٦٣ ]
المذكور هو الذي خلقه الله وكتب به في اللوح المذكور المقادير، كما في سنن أبي داود، عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " [إن] أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: يا رب، وما [ذا] أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة" (^١).
_________________
(١) صحيح، غير أنني متوقف في صحة الحرف الذي استدل به المؤلف وهو "فقال"، فقد جاء في بعض الروايات بلفظ: "ثم قال" فأخرجه أبو داود "٤٧٠٠" من طريق أبي حفصة قال: قال عبادة بن الصامت فذكره بلفظ "فقال … ". قلت: وأبو حفصة اسمه حبيش بن شريح الشامي لم يوثقه غير ابن حبان، وفي "التقريب": "مقبول" يعني عند المتابعة، وإلا فلين الحديث كما نص عليه في المقدمة، وقد توبع، لكن الطريق إلى المتابع لا يصح، فقال الطيالسي "٥٧٧": حدثنا عبد الواحد بن سليم عن عطاء ابن أبي رباح، حدثني الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه به … ومن طريق الطيالسي رواه الترمذي "٢/ ٢٣٢" وقال: "حديث حسن غريب، وفيه عن ابن عباس". قلت: وعبد الواحد هذا ضعيف كما في "التقريب". وقد خالفه أيوب بن زياد فقال: حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة حدثني أبي به، لكنه قال: "ثم قال: اكتب … " وهذا أخرجه أحمد "٥/ ٣١٧" وسنده حسن، رجاله كلهم ثقات معروفون، غير زياد هذا، وقد روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبان، فهو حسن الحديث إن شاء الله تعالى، لكن قد أخرجه الآجري في "كتاب الشريعة" "ص ١٧٧" من طريقه بلفظ "فقال له: اجر … ". ورواه يزيد ابن أبي حبيب عن الوليد بن عبادة به بلفظ: "ثم قال له: اكتب". ورجاله ثقات غير ابن لهيعة فإنه سيئ الحفظ. ويشهد له حديث أبي هريرة بلفظ: "إن أول شيء خلق الله ﷿ القلم، ثم خلق النون وهي الدواة، ثم قال: اكتب … " الحديث. رواه الآجري والواحدي في تفسيره "٤/ ١٥٧/ ٢" وفيه الحسن بن يحيى الخشني مختلف فيه، وفي "التقريب" "صدوق كثير الغلط". وبالجملة فالرويات في هذا الحرف مختلفة، ولذلك فإنه لا يتم للمصنف الاستدلال بالرواية الأولى على تقدم خلق العرش عن القلم، حتى يثبت أرجحيتها على الأخرى: "ثم قال … " =
[ ٢٦٤ ]
واختلف العلماء: هل القلم أول المخلوقات، أو العرش؟ على قولين، ذكرهما الحافظ أبو العلاء الهمداني، أصحهما: أن العرش قبل القلم، لما ثبت في الصحيح «من حديث عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، [قال]: وعرشه على الماء» (^١).
فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش، والتقدير وقع عند أول خلق القلم، بحديث عبادة هذا.
ولا يخلو قوله: «أول ما خلق الله القلم»، إلخ - إما أن يكون جملة أو جملتين.
فإن كان جملة، وهو الصحيح، كان معناه: أنه عند أول خلقه قال له: اكتب، [كما في اللفظ: «أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب]» بنصب أول والقلم، وإن كان جملتين، وهو مروي برفع أول والقلم، فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم، فيتفق الحديثان، إذ حديث عبد الله بن عمرو صريح في أن العرش سابق على التقدير، والتقدير مقارن لخلق القلم.
وفي اللفظ الآخر: «لما خلق الله القلم قال له: اكتب»، فهذا القلم أول الأقلام وأفضلها وأجلها.
وقد قال غير واحد من أهل التفسير: إنه القلم الذي أقسم الله به في قوله تعالى: ﴿ن والقلم وما يسطرون﴾.
والقلم الثاني: قلم الوحي: وهو الذي يكتب به وحي الله إلى أنبيائه ورسله، وأصحاب هذا القلم هم: الحكام على العالم.
والأقلام كلها خدم لأقلامهم.
وقد رفع النبي ﷺ لله ليلة أسري به إلى مستوى يسمع فيه
_________________
(١) = وإذا كان أكثر الرواة عليها، ولأن لها شاهدا عن أبي هريرة كما تقدم، ولأنها تتضمن زيادة في المعنى، وعليه فلا تعارض بين الحديث على هذه الرواية، وبين حديث عبد الله بن عمرو، لأن حديثه صريح في أن الكتابة تأخرت عن خلق العرش، والحديث على الرواية الراجحة صريح في أن القلم أول مخلوق ثم أمر بأن يكتب كل شيء يكون، ومنه العرش، فالأرحج عندي أن القلم متقدم على العرش، والله أعلم وفي الحديث إشارة لطيفة إلى الرد على من يقول من العلماء بحوادث لا أول لها، وأنه ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بمخلوق، وهكذا، إلى ما لا أول له! فتأمل.
(٢) صحيح، وتقدم.
[ ٢٦٥ ]
صريف الأقلام، فهذه الأقلام هي التي تكتب ما يوحيه الله ﵎ من الأمور التي يدبرها، أمر العالم العلوي والسفلي.
قوله: "فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن، ليجعلوه غير كائن -لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه، ليجعلوه كائنا- لم يقدروا عليه. جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة".
ش: تقدم حديث جابر عن رسول الله ﷺ، قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله، بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن، فيم العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم فيما استقبل؟ قال: "لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير" (^١). وعن ابن عباس ﵄، قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يوما، فقال: "يا غلام ألا أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فسأل الله، واذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف" (^٢). رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وفي رواية غير الترمذي: "احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا".
وقد جاءت "الأقلام" في هذه الأحاديت وغيرها مجموعة، فدل ذلك على أن للمقادير أقلاما غير القلم الأول، الذي تقدم ذكره مع اللوح المحفوظ.
والذي دلت عليه السنة أن الأقلام أربعة، وهذا التقسيم غير التقسيم المقدم ذكره:
_________________
(١) صحيح وتقدم "برقم ٢٤٠".
(٢) صحيح لغيره وقد خرجته في "السنة" لابن أبي عاصم "٣١٦ - ٣١٨".
[ ٢٦٦ ]
القلم الأول: العام الشامل لجميع المخلوقات، وهو الذي تقدم ذكره مع اللوح.
القلم الثاني: خبر (^١) خلق آدم، وهو قلم عام أيضا، لكن لبني آدم، ورد في هذا آيات تدل على أن الله قدر أعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم، عقيب خلق أبيهم.
القلم الثالث: حين يرسل الملك إلى الجنين في بطن أمه، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد (^٢). كما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة.
القلم الرابع: الموضوع على العبد عند بلوغه، الذي بأيدي الكرام الكاتبين، الذين يكتبون ما يفعله بنو آدم، كما ورد ذلك في الكتاب والسنة.
وإذا علم العبد أن كلا من عند الله، فالواجب إفراده سبحانه بالخشية والتقوى. قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]. ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]. ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١]. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢]. ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦].
ونظائر هذا المعنى في القرآن كثيرة، ولا بد لكل عبد أن يتقي أشياء، فإنه لا يعيش وحده، ولو كان ملكا مطاعا فلا بد أن يتقي أشياء يراعي بها رعيته، فحينئذ فلا بد لكل إنسان أن يتقي، فإن لم يتق الله اتقى المخلوق، والخلق لا يتفق حبهم كلهم وبغضهم، بل الذي يريده هذا يبغضه هذا، فلا يمكن إرضاؤهم كلهم، كما قال الشافعي ﵁: رضى الناس غاية لا تدرك، فعليك بالأمر الذي يصلحك فالزمه، ودع ما سواه فلا تعانه، فإرضاء الخلق لا مقدور (^٣) ولا مأمور، وإرضاء الخالق مقدور ومأمور، [و] أيضا فالمخلوق لا يغني عنه من الله شيئا، فإذا اتقى العبد ربه كفاه مؤنة الناس، كما كتبت عائشة إلى معاوية، روي
_________________
(١) في الأصل: حين.
(٢) متفق عليه من حديث ابن مسعود، وقد مضى بتمامه "برقم ٢٤٢".
(٣) في الأصل: فمقدور.
[ ٢٦٧ ]
مرفوعا، وروي موقوفا عليها: من أرضى الله بسخط الناس، ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله، عاد حامده من الناس [له] ذاما (^١).
_________________
(١) صحيح، رواه الترمذي "٢/ ٦٧" من طريق عبد الوهاب بن الورد عن رجل من أهل المدينة قال: كتب معاوية إلى عائشة أم المؤمنين ﵄ أن اكتبي لي كتابا وصيني فيه، ولا تكثري علي، فكتبت عائشة ﵂ إلى معاوية: سلام عليك أما بعد فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من التمس رضى الله بسخط الناس، كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله، وكله الله إلى الناس، والسلام عليك". ثم رواه من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة إنها كتبت إلى معاوية فذكر الحديث بمعناه، ولم يرفعه. قلت: والمرفوع إسناده ضعيف لجهالة الرجل الذي لم يسم. وأما الموقوف فسنده صحيح رجاله كلهم ثقات. ورواه عثمان بن واقد عن أبيه عن محمد بن المنكدر عن عروة بن الزبير به مرفوعا بلفظ: "من التمس رضى الله بسخط الناس ﵁، وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس". رواه القضاعي في "مسند الشهاب" "ق ٤٢/ ٢" ومشرق بن عبد الله في "حديثه" "ق ٦١/ ٢" وابن عساكر "١٥/ ٢٧٨/ ١". قلت: وهذا سند حسن، رجاله كلهم ثقات معروفون، وفي عثمان ابن واقد كلام لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن، وفي "التقريب": "صدوق ربما وهم". وروى بعضه ابن بشران في "الأمالي" "١٤٤/ ١٤٥" وابن الأعرابي في "معجمه" "٨٢/ ١" وأبو القاسم المهراني في "الفوائد المنتخبة" "٣/ ٢٣/ ١" وابن شاذان الأزجي في "الفوائد المنتقاة" "١/ ١١٨/ ٢" و"القضاعي" "٤٢/ ٢" عن قطبة بن العلاء بن المنهال الغنوي ثنا أبي عن هشام بن عروة به بلفظ: "من طلب محامد الناس بمعصية الله عاد حامده ذاما". وقال المهراني: "حديث غريب، لا أعلم رواه عن هشام غير العلاء بن المنهال". وروي عنه بلفظ: "من التمس محامد الناس بمعاصي الله تعالى عاد حامده من الناس ذاما له". رواه الخرائطي في "مساوئ الأخلاق" "٢/ ٥/ ٢" والعقيلي في "الضعفاء" "٣٢٥" وابن عدي في "الكامل" "ق ٢٧٢/ ٢" وأبو الحسن ابن الصلت في حديث ابن عبد العزيز الهاشمي =
[ ٢٦٨ ]
فمن أرضى الله كفاه مؤنة الناس ورضي عنه، ثم فيما بعد يرضون، إذ العاقبة للتقوى، ويحبه الله فيحبه الناس. كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أحب الله العبد نادى: يا جبرائيل، إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبرائيل، ثم ينادي جبرائيل في السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" (^١)، وقال في البغض مثل ذلك. فقد بين أنه لا بد لكل مخلوق من أن يتقي إما المخلوق، وإما الخالق. وتقوى المخلوق ضررها راجح على نفعها من وجوه كثيرة، وتقوى الله هي التي يحصل بها (^٢) سعادة الدنيا والآخرة، فهو سبحانه أهل التقوى، وهو أيضا أهل المغفرة، فإنه هو الذي يغفر الذنوب، لا يقدر مخلوق على أن يغفر الذنوب ويجير من عذابها غيره، وهو الذي يجير ولا يجار عليه. قال بعض السلف: ما احتاج تقي قط، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، فقد ضمن الله للمتقين أن يجعل لهم مخرجا مما يضيق على الناس، وأن يرزقهم من حيث لا يحتسبون، فإذا لم يحصل ذلك دل على أن في التقوى خللا، فليستغفر الله وليتب إليه، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، أي فهو كافيه، لا يحوجه إلى غيره.
_________________
(١) = "ق ٧٦/ ١" وقال العقيلي: "العلاء بن المنهال لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به". وقال ابن عدي: "وليس القوي". قلت: وأما ابن حبان فذكره في "الثقات"! ثم قال العقيلي: "ولا يصح في الباب مسند، وهو موقوف من قول عائشة". قلت: الصواب عندي: أن الحديث صحيح موقوفا ومرفوعا، أما الموقوف فظاهر الصحة، وأما المرفوع، فلأنه جاء من طريق حسنة عن عثمان بن واقد كما تقدم، فإذا انضم إليه طريق الترمذي ارتقى الحديث إن شاء الله إلى درجة الصحة.
(٢) متفق عليه عن أبي هريرة، وهو مخرج في "الضعيفة" "٢٢٠٧" تحت حديث آخر عن أنس مخالف لهذا في اللفظ.
(٣) في الأصل: لها.
[ ٢٦٩ ]
وقد ظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب، وأن الأمور إذا كانت مقدرة فلا حاجة إلى الأسباب! وهذا فاسد، فإن الاكتساب: منه فرض، ومنه مستحب، ومنه مباح، ومنه مكروه، ومنه حرام، كما قد عرف في موضعه. وقد كان النبي ﷺ أفضل المتوكلين، يلبس لأمة الحرب، ويمشي في الأسواق للاكتساب، حتى قال الكافرون: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧]. ولهذا تجد كثيرا ممن يرى الاكتساب ينافي التوكل يرزقون على يد من يعطيهم، إما صدقة، وإما هدية، وقد يكون [ذلك] من مكاس، أو والي شرطة، أو نحو ذلك، وهذا مبسوط في موضعه، لا يسعه هذا المختصر. وقد تقدمت الإشارة إلى بعض الأقوال التي في [تفسير] قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]. وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] فقال البغوي. قال مقاتل: نزلت في اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت! قال المفسرون: من شأنه أنه يحيي ويميت، ويرزق، ويعز قوما ويذل آخرين، ويشفي مريضا، ويفك عانيا، ويفرج مكروبا، ويجيب داعيا، ويعطي سائلا، ويغفر ذنبا، إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء.
قوله: "وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه".
ش: هذا بناء على ما تقدم من أن المقدور كائن لا محالة، ولقد أحسن القائل حيث يقول:
ما قضى الله كائن لا محاله … والشقي الجهول من لام حاله
والقائل الآخر:
اقنع بما ترزق يا ذا الفتى … فليس ينسى ربنا نمله
إن أقبل الدهر فقم قائما … وإن تولى مدبرا نم له
قوله: "وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرا محكما مبرما، ليس فيه ناقض، ولا معقب ولا مزيل ولا مغير ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه".
[ ٢٧٠ ]
ش: هذا بناء على ما تقدم من أن الله تعالى قد سبق علمه بالكائنات، وأنه قدر مقاديرها قبل خلقها، كما قال ﷺ: "قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء" (^١). فيعلم أن الله قد علم أن الأشياء تصير موجودة لأوقاتها، على ما اقتضته حكمته البالغة [فكانت كما علم]. فإن حصول المخلوقات على ما فيها من غرائب الحكم لا يتصور إلا من عالم قد سبق علمه على إيجادها، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. وأنكر غلاة المعتزلة أن الله كان عالما في الأزل، وقالوا: إن الله تعالى لا يعلم أفعال العباد [حتى يفعلوا]! تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. قال الإمام الشافعي ﵁: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروا كفروا. فإن الله [تعالى] يعلم أن هذا مستطيع يفعل ما استطاعه فيثيبه، وهذا مستطيع لا يفعل ما استطاعه فيعذبه، فإنما يعذبه لأنه لا يفعل مع القدرة، وقد علم الله ذلك منه، ومن لا يستطيع لا يأمره ولا يعذبه على ما لم يستطعه.
وإذا قيل: فيلزم أن يكون العبد قادرا على تغيير علم الله، لأن الله علم أنه لا يفعل، فإذا قدر على الفعل قدر على تغيير علم الله؟ قيل: هذه مغالطة، وذلك أن مجرد مقدرته على الفعل لا تستلزم تغيير العلم، وإنما يظن من يظن تغيير العلم إذا وقع الفعل، ولو وقع الفعل لكان المعلوم وقوعه لا عدم وقوعه، فيمتنع أن يحصل وقوع الفعل مع علم الله بعدم وقوعه، بل إن وقع كان الله قد علم أنه يقع، وإن لم يقع كان الله قد علم أنه لا يقع، ونحن لا نعلم علم الله إلا بما يظهر، وعلم الله مطابق للواقع، فيمتنع أن يقع شيء يستلزم تغيير العلم، بل أي شيء وقع كان هو المعلوم، والعبد الذي لم يفعل لم يأت بما يغير العلم، [بل هو قادر على فعل لم يقع، ولو وقع لكان الله قد علم أنه يقع، لا أنه لا يقع.
وإذا قيل: فمن عدم وقوعه يعلم الله أنه لا يقع، فلو قدر العبد على وقوعه قدر على تغيير العلم]؟ قيل: ليس الأمر كذلك، بل العبد يقدر على وقوعه وهو لم يوقعه، ولو أوقعه لم يكن المعلوم إلا وقوعه، [فمقدور العبد إذا وقع لم يكن المعلوم
_________________
(١) صحيح، وتقدم بالحديث "رقم ٨٠".
[ ٢٧١ ]
إلا وقوعه، وهؤلاء فرضوا وقوعه مع العلم بعدم وقوعه! وهو فرض محال، وذلك بمنزلة من يقول: افرض وقوعه مع عدم وقوعه]! وهو جمع بين النقيضين.
فإن قيل: فإذا كان وقوعه مع علم الرب [عدم] وقوعه محالا لم يكن مقدورا؟ قيل: لفظ المحال مجمل، وهذا ليس محالا لعدم استطاعته له ولا لعجزه عنه ولا لامتناعه في نفسه، بل هو ممكن مقدور مستطاع، ولكن إذا وقع كان الله عالما بأنه سيقع، وإذا لم يقع كان عالما بأنه لا يقع، فإذا فرض وقوعه مع انتفاء لازم الوقوع صار محالا من جهة إثبات الملزوم بدون لازمه، وكل الأشياء بهذا الاعتبار هي محال! مما يلزم هؤلاء: أن لا يبقى أحد قادرا على شيء، لا الرب، ولا الخلق، فإن الرب إذا علم من نفسه أنه سيفعل كذا لا يلزم من علمه ذلك انتفاء قدرته على تركه، وكذلك إذا علم من نفسه أنه لا يفعله لا يلزم منه انتفاء قدرته على فعله، فكذلك ما قدره من أفعال عباده. والله تعالى أعلم.
قوله: "وذلك من عقد (^١) الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨].
ش: الإشارة إلى ما تقدم من الإيمان بالقدر وسبق علمه بالكائنات قبل خلقها، قال ﷺ في جواب السائل عن الإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (^٢). وقال ﷺ في آخر الحديث: "يا عمر أتدري من السائل؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنه جبرائيل، أتاكم يعلمكم دينكم". رواه مسلم.
وقوله: والإقرار بتوحيد الله وربوبيته، أي لا يتم التوحيد والإقرار بالربوبية إلا بالإيمان بصفاته تعالى، فإن من زعم خالقا غير الله فقد أشرك، فكيف بمن يزعم أن كل أحد يخلق فعله؟! ولهذا كانت القدرية مجوس هذه الأمة، وأحاديثهم في "السنن". وروى أبو داود عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال: "القدرية
_________________
(١) في الأصل: عقائد.
(٢) صحيح، رواه مسلم عن عمر، والبخاري ومسلم أيضا عن أبي هريرة نحوه.
[ ٢٧٢ ]
مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم" (^١). وروى أبو داود أيضا عن حذيفة بن اليمان ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، وهم شيعة الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال" (^٢). وروى أبو داود أيضا عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ، قال: "لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم" (^٣). وروى الترمذي عن ابن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "صنفان من بني آدم ليس لهم في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية" (^٤). لكن كل أحاديث القدرية المروعة ضعيفة. وإنما يصح الموقوف منها: فعن ابن عباس ﵄ أنه قال: القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده (^٥). وهذا لأن الإيمان بالقدر يتضمن الايمان بعلم الله القديم وما أظهر من علمه الذي لا يحاط به وكتابة مقادير الخلائق. وقد ضل في هذا الموضع خلائق من المشركين والصابئين والفلاسفة وغيرهم، ممن ينكر علمه بالجزئيات أو بغير ذلك، فإن ذلك كله مما يدخل في التكذيب بالقدر، وأما قدرة الله على كل شيء فهو الذي يكذب به القدرية جملة، حيث جعلوه لم يخلق أفعال العباد، فأخرجوها عن قدرته وخلقه.
والقدر، الذي لا ريب في دلالة الكتاب والسنة والإجماع عليه، وأن الذي جحدوه هم القدرية المحضة بلا نزاع: هو ما قدره الله من مقادير العباد. وعامة ما
_________________
(١) إسناده ضعيف لكن له طرق يتقوى بها. ثم خرجته في "ظلال الجنة في تخريج السنة" برقم "٣٣٨ - ٣٤٢".
(٢) إسناده ضعيف: وقد خرجته في المصدر المذكور برقم "٣٢٩".
(٣) إسناده ضعيف، وهو مخرج في "المشكاة" "١٠٨" و"الظلال" "٣٣٠".
(٤) إسناده ضعيف ولا يغتر بتصحيح صاحب "التاج الجامع للأصول" إياه، ثم خرجته في "تخريج السنة" "٣٤٤، ٣٤٥".
(٥) ضعيف موقوفا ومرفوعا كما سبق بيانه "رقم ٢٤٥".
[ ٢٧٣ ]
يوجد من كلام الصحابة والأئمة في ذم القدرية يعني به هؤلاء، كقول ابن عمر ﵄، لما قيل له: يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف: أخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني براء.
والقدر، الذي هو التقدير المطابق للعلم يتضمن أصولا عظيمة: أحدها: أنه عالم بالأمور المقدرة قبل كونها، فيثبت علمه القديم، وفي ذلك الرد على من ينكر علمه القديم. الثاني: أن التقدير يتضمن مقادير المخلوقات، ومقاديرها هي صفاتها المعينة المختصة بها، فإن الله قد جعل لكل شيء قدرا، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. فالخلق يتضمن التقدير، تقدير الشيء في نفسه، بأن يجعل له قدرا، وتقديره قبل وجوده، فإذا كان قد كتب لكل مخلوق قدره الذي يخصه في كميته وكيفيته، كان ذلك أبلغ في العلم بالأمور الجزئية المعينة، خلافا لمن أنكر ذلك وقال: إنه يعلم الكليات دون الجزئيات! فالقدر يتضمن العلم القديم والعلم بالجزئيات، الثالث: أنه يتضمن أنه أخبر بذلك وأظهره قبل وجود المخلوقات إخبارا مفصلا، فيقضي أنه يمكن أن يعلم العباد الأمور قبل وجودها علما مفصلا، فيدل ذلك بطريق التنبيه على أن الخالق أولى بهذا العلم، فإنه كان يعلم عباده بذلك فكيف لا يعلمه هو؟! الرابع: أنه يتضمن أنه مختار لما يفعله، محدث له بمشيئته وإرادته، ليس لازما لذاته. الخامس: أنه يدل على حدوث هذا المقدور، وأنه كان بعد أن لم يكن، فإنه يقدره ثم يخلقه.
قوله: "فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيما، وأحضر للنظر فيه قلبا سقيما، لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرا كتيما، وعاد بما قال فيه أفكا أثيما".
ش: [اعلم أن] القلب له حياة وموت، ومرض وشفاء، وذلك أعظم مما للبدن. قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]. أي كان ميتا بالكفر فأحييناه بالإيمان، فالقلب الصحيح الحي إذا عرض عليه الباطل والقبائح نفر منها بطبعه وأبغضها ولم يلتفت إليها، بخلاف القلب الميت، فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: هلك من لم يكن له قلب
[ ٢٧٤ ]
يعرف به المعروف والمنكر (^١). وكذلك القلب المريض بالشهوة، فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه.
ومرض القلب نوعان، كما تقدم: مرض شهوة، ومرض شبهة، وأردؤها مرض الشبهة، وأردأ الشبه ما كان من أمر القدر، وقد يمرض القلب ويشتد مرضه ولا يشعر (^٢) به صاحبه، لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها، بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته، وعلامة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح، ولا يوجعه جهله بالحق وعقائده الباطلة، فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه، وتألم بأهله بالحق بحسب حياته. ما لجرح بميت إيلام. وقد يشعر بمرضه، ولكن يشتد عليه تحمل مرارة الدواء والصبر عليها، فيؤثر بقاء ألمه على مشقة الدواء فإن دواءه في مخالفة الهوى، وذلك أصعب شيء على النفس، وليس له أنفع منه، وتارة يوطن نفسه على الصبر، ثم ينفسخ عزمه ولا يستمر معه، لضعف علمه وبصيرته وصبره، كمن دخل في طريق مخوف مفض إلى غاية الأمن، وهو يعلم أنه إن صبر عليه انقضى في الخوف وأعقبه الأمن، فهو محتاج إلى قوة صبر وقوة يقين بما يصير إليه، ومتى ضعف صبره ويقينه رجع من الطريق ولم يتحمل مشقتها، ولا سيما إن عدم الرفيق واستوحش من الوحدة وجعل يقول: أين ذهب الناس فلي أسوة بهم! وهذه حال أكثر الخلق، وهي التي أهلكتهم. فالصابر (^٣) الصادق لا يستوحش من قلة الرفيق ولا من فقده، إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول، ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ [النساء: ٦٩].
وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتاب "الحوادث والبدع": حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة، فالمراد لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلا والمخالف له كثيرا، لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي ﷺ وأصحابه ﵃، ولا ننظر إلى كثرة
_________________
(١) لا أعرفه.
(٢) في الأصل: يعرف.
(٣) في الأصل: فالبصير.
[ ٢٧٥ ]
أهل الباطل بعدهم، وعن الحسن البصري ﵀ أنه قال: السنة -والذي لا إله إلا هو- بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين [لم] يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعتهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك فكونوا.
وعلامة مرض القلب عدوله عن الأغذية النافعة الموافقة، إلى الأغذية الضارة، وعدوله عن دوائه النافع، إلى دوائه الضار. فههنا أربعة أشياء: غذاء نافع، ودواء شاف، وغذاء ضار، ودواء مهلك. فالقلب الصحيح يؤثر النافع الشافي، على الضار المؤذي، والقلب المريض بضد ذلك. وأنفع الأغذية غذاء الإيمان، وأنفع الأدوية دواء القرآن، وكل منهما فيه الغذاء والدواء، فمن طلب الشفاء في غير الكتاب والسنة فهو من أجهل الجاهلين وأضل الضالين، فإن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. و"من" في قوله: ﴿مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ لبيان الجنس، لا للتبعيض. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]. فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحد يؤهل للاستشفاء به. وإذا أحسن العليل التداوي به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تام واعتقاد جازم واستيفاء شروطه: لم يقاوم الداء أبدا. وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء، الذي لو نزل على الجبال لصدعها، أو على الأرض لقطعها؟! فما من مرض [من أمراض] القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه، لمن رزقه الله فهما في كتابه.
وقوله: لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرا كتيما. أي طلب بوهمه في البحث عن الغيب سرا مكتوما، إذ القدر سر الله في خلقه، فهو يروم ببحثه الاطلاع على الغيب، وقد قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧] إلى آخر السورة. وقوله: وعاد بما قال فيه، أي في القدر: أفاكا كذابا أثيما، أي مأثوما.
[ ٢٧٦ ]