…
قوله: "والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين، برهم وفاجرهم، إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما".
ش: يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الرافضة، حيث قالوا: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الرضى من آل محمد، وينادي مناد من السماء: اتبعوه!! وبطلان هذا القول أظهر من أن يستدل عليه بدليل، وهم شرطوا في الإمام أن يكون معصوما، اشتراطا، من غير دليل! بل في صحيح مسلم عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، [وتصلون عليهم] ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم"، قال: قلت: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعته" (^١). وقد تقدم بعض نظائر هذا الحديث في الإمامة، ولم يقل: إن الإمام يجب أن يكون معصوما، والرافضة أخسر الناس صفقة في هذه المسألة؛ لأنهم جعلوا الإمام المعصوم هو الإمام المعدوم، الذي لم ينفعهم في دين ولا دنيا!! فإنهم يدعون أنه الإمام المنتظر، محمد بن الحسن العسكري، الذي دخل السرداب في زعمهم، سنة ستين ومائتين، أو قريبا من ذلك بسامرا! وقد يقيمون هناك دابة، إما بغلة وإما فرسا، ليركبها إذا خرج! ويقيمون هناك في أوقات عينوا فيها من ينادي عليه بالخروج. يا مولانا، اخرج! يا مولانا، اخرج! ويشهرون السلاح، ولا أحد هناك يقاتلهم! إلى غير ذلك من الأمور التي يضحك عليهم منها العقلاء!!
وقوله: مع أولي الأمر برهم وفاجرهم؛ لأن الحج والجهاد فرضان يتعلقان بالسفر، فلا بد من سائس يسوس الناس فيهما، ويقاوم العدو، وهذا المعنى كما يحصل بالإمام البر يحصل بالإمام الفاجر.
قوله: "ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين".
ش: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: (١٧)، ١٨]. وقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]. وقال تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ
_________________
(١) صحيح، وقد تقدم بالحديث "رقم ٤٩٩".
[ ٣٨٨ ]
مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ [يونس: ٢١]. وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين كانوا فيكم، فيسألهم، والله أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتياناهم وهم يصلون، وفارقناهم وهم يصلون" (^١). وفي الحديث الآخر: "إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع، فاستحيوهم، وأكرموهم" (^٢). جاء في التفسير: اثنان عن اليمين وعن الشمال، يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحد من ورائه، وواحد أمامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل، بدلا، حافظان وكاتبان، وقال عكرمة عن بن عباس: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه.
وروى مسلم والإمام أحمد عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة"، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: "وإياي، لكن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير" (^٣). الرواية بفتح الميم من "فأسلم" [ومن رواه فأسلم برفع الميم، فقد حرف لفظه. ومعنى "فأسلم"]، أي: فاستسلم وانقاد لي، في أصح القولين، ولهذا قال: "فلا يأمرني إلا بخير"، ومن قال: إن الشيطان صار مؤمنا، فقد حرف معناه، فإن الشيطان لا يكون مؤمنًا (^٤). ومعنى: ﴿يَحْفَظُونَهُ
_________________
(١) متفق عليه عن أبي هريرة، وهو مخرج في "الظلال" "٤٩١".
(٢) ضعيف، "الضعيفة" رقم "٢٢٤١".
(٣) عبد الله هو ابن مسعود، وأخرجه الدارمي عنه أيضا في "الرقاق" وقال: من الناس من يقول: "أسلم": استسلم، يقول: ذل.
(٤) قال الشيخ أحمد شاكر: والخلاف في ضبط الميم من "فأسلم" خلاف قديم والراجح فيها الفتح: كما قال الشارح، ولكن المعنى الذي رجحه غير راجح. فقال القاضي عياض، في "مشارق الأنوار" "٢/ ٢١٨": "رويناه بالضم والفتح. فمن ضم رد ذلك إلى =
[ ٣٨٩ ]
مِنْ أَمْرِ اللَّهَِ﴾ [الرعد: ١١] من أمر الله، قيل: حفظهم له من أمر الله، أي الله أمرهم بذلك، يشهد لذلك قراءة من قرأ: يحفظونه بأمر الله.
ثم قد ثبت بالنصوص المذكورة أن الملائكة تكتب القول والفعل، وكذلك النية، لأنها فعل القلب، فدخلت في عموم ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢]. ويشهد لذلك قوله ﷺ: "قال الله ﷿: إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها عليه سيئة، وإذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرا" (^١). وقال رسول الله ﷺ: "قالت الملائكة: ذاك عبد يريد أن يعمل سيئة، وهو أبصر به، فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرائي" (^٢) خرجاهما في "الصحيحين" واللفظ لمسلم.
قوله: "ونؤمن بملك الموت، الموكل بقبض أرواح العالمين".
ش: قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [الم السجدة: ١١]، ولا تعارض هذه الآية قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ
_________________
(١) = النبي ﷺ، أي: فأنا أسلم منه. ومن فتح رده إلى الفريق، أي: أسلم من الإسلام. وقد روى في غير هذه الأمهات: فاستسلم يريد بالأمهات: "الموطأ" و"الصحيحين"، التي بني عليها كتابه، وإن كان هذا الحديث لم يروه مالك ولا البخاري. وقال النووي في شرح مسلم: "هما روايتان مشهورتان. واختلفوا في الأرجح منهما، فقال الخطابي: الصحيح المختار الرفع، ورجح القاضي عياض الفتح. وأما الحافظ ابن حبان، فإنه روى الحديث في صحيحه "٢/ ٢٨٣، من المخطوطة المصورة"، وجزم برواية فتح الميم، وقال: "في هذا الخبر دليل على أن شيطان المصطفى ﷺ أسلم حتى لم يكن يأمره إلا بخير، لا أنه كان يسلم منه وإن كان كافرا". وهذا هو الصحيح الذي ترجحه الدلائل. وادعاء الشارح أن هذا تحريف للمعنى. "فإن الشيطان لا يكون مؤمنا". انتقال نظر. فأولا: أن اللفظ في الحديث: "قرينه من الجن" لم يقل: "شيطانه" وثانيا: إن الجن فيهم المؤمن والكافر، والشياطين هم كفارهم، فمن آمن منهم لم يسم شيطانا.
(٢) متفق عليه من أبي هريرة.
(٣) متفق عليه من أبي هريرة.
[ ٣٩٠ ]
يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]؛ لأن ملك الموت يتولى قبضها واستخراجها، ثم يأخذها منه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، ويتولونها بعده، كل ذلك بإذن الله وقضائه وقدره، وحكمه وأمره، فصحت إضافة التوفي إلى كل بحسبه.
وقد اختلف في حقيقة النفس ما هي؟ وهل هي جزء من أجزاء البدن؟ أو عرض من أعراضه؟ أو جسم مساكن له مودع فيه؟ أو جوهر مجرد؟ وهل هي الروح أو غيرها؟ وهل الأمارة، و[هل] اللوامة، والمطمئنة نفس واحدة، أم هي ثلاثة أنفس؟ وهل تموت الروح، أو الموت للبدن وحده؟ وهذه المسألة تحتمل مجلدا، ولكن أشير إلى الكلام عليها مختصرا، إن شاء الله تعالى:
فقيل: الروح قديمة، وقد أجمعت الرسل على أنها محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة، وهذا معلوم بالضرورة من دينهم، أن العالم محدَث، ومضى على هذا الصحابة والتابعون، حتى نبغت نابغة ممن قصر فهمه في الكتاب والسنة، فزعم أنها قديمة، واحتج بأنها من أمر الله، وأمره غير مخلوق! وبأن الله أضافها إليه بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، وبقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، كما أضاف إليه علمه وقدرته وسمعه وبصره ويده، وتوقف آخرون، واتفق أهل السنة والجماعة أنها مخلوقة، وممن نقل الإجماع على ذلك: محمد بن نصر المروزي، وابن قتيبة وغيرهما، ومن الأدلة "على" أن الروح مخلوقة، قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٨ والزمر: ٦٢]، فهذا عام لا تخصيص فيه بوجه ما، ولا يدخل في ذلك صفات الله تعالى، فإنها داخلة في مسمى اسمه، فالله تعالى هو الإله الموصوف بصفات الكمال، فعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره وجميع صفاته داخل في مسمى اسمه فهو سبحانه بذاته وصفاته الخالق، وما سواه مخلوق، ومعلوم قطعا أن الروح ليس هي الله، ولا صفة من صفاته، وإنما هي من مصنوعاته، ومنها قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الدهر: ١]، وقوله تعالى لزكريا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩]. والإنسان اسم لروحه وجسده، والخطاب
[ ٣٩١ ]
لزكريا، لروحه وبدنه، والروح توصف بالوفاة والقبض [والإمساك] والإرسال، وهذا شأن المخلوق المحدث، وأما احتجاجهم بقوله: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، فليس المراد هنا بالأمر الطلب، بل المراد به المأمور، والمصدر يذكر ويراد به اسم المفعول، وهذا معلوم مشهور، وأما استدلالهم بإضافتها إليه بقوله: ﴿مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، فينبغي أن يعلم أن المضاف إلى الله نوعان: صفات لا تقوم بأنفسها، كالعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر، فهذه إضافة صفة إلى الموصوف بها، فعلمه وكلامه وقدرته وحياته صفات له، وكذا وجهه ويده سبحانه. والثاني: إضافة أعيان منفصلة عنه، كالبيت والناقة والعبد والرسول والروح، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، لكن إضافة تقتضي تخصيصا وتشريفا، يتميز بها المضاف عن غيره.
واختلف في الروح: هل هي مخلوقة قبل الجسد أم بعده؟ وقد تقدم عند ذكر الميثاق الإشارة إلى ذلك.
واختلف في الروح: ما هي؟ قيل: هي جسم، وقيل: عرض، وقيل: لا ندري ما الروح، أجوهر أم عرض؟ وقيل: ليس الروح شيئا أكثر من اعتدال الطبائع الأربع، وقيل: هي الدم الصافي الخالص من الكدرة والعفونات (^١)، وقيل: هي الحرارة الغريزية، وهي الحياة، وقيل: [هو] جوهر بسيط منبث في العالم كله من الحيوان، على جهة الإعمال له والتدبير، [وهي] على ما وصفت من الانبساط في العالم، غير منقسمة الذات والبنية، وأنها في كل حيوان العالم بمعنى واحد لا غير، وقيل: النفس هي النسيم الداخل والخارج بالتنفس، وقيل غير ذلك. وللناس في مسمى الإنسان: هل هو الروح فقط، أو البدن فقط، أو مجموعهما، أو كل منهما؟ وهذه الأقوال الأربعة لهم في كلامه: هل هو اللفظ، أو المعنى فقط، أو هما، أو كل منهما؟ (^٢) فالخلاف بينهم في الناطق ونطقه. والحق: أن الإنسان اسم لهما، وقد يطلق على أحدهما بقرينه، وكذا الكلام.
_________________
(١) في الأصل: الكدر.
(٢) قال عفيفي: انظر مباحث الروح من الصفحة ٢١٦ ج ٤ من "مجموع الفتاوى".
[ ٣٩٢ ]
والذي يدل عليه الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل: أن النفس جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي، خفيف حي متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدهن في الزيتون، والنار في الفحم. فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي ذلك الجسم اللطيف ساريا في هذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار، من الحس والحركة الإرادية، وإذا فسدت هذه، بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار، فارق الروح البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، الآية. ففيها الإخبار بتوفيها وإمساكها وإرسالها. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ففيها بسط الملائكة أيديهم لتناولها، ووصفها بالإخراج والخروج، والإخبار بعذابها ذلك اليوم، والإخبار عن مجيئها إلى ربها. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠] الآية. ففيها الإخبار بتوفي النفس بالليل، وبعثها إلى أجسادها بالنهار، وتوفي الملائكة لها عند الموت. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]، ففيها وصفها بالرجوع والدخول والرضى. وقال ﷺ: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر" (^١). ففيه وصفه بالقبض، وأن البصر يراه. وقال ﷺ في حديث بلال: "قبض أرواحكم وردها عليكم" (^٢). وقال ﷺ: "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة" (^٣). وسيأتي في الكلام على عذاب القبر أدلة كثيرة من خطاب ملك الموت لها، وأنها تخرج تسيل كما تسيل القطرة من في
_________________
(١) مسلم عن أم مسلمة "أحكام الجنائز" "ص ٢٥".
(٢) صحيح أخرجه البخاري من حديث أبي قتادة وليس من حديث بلال كما هو ظاهر كلام المؤلف، وكذلك أخرجه أحمد وغيره. "صحيح أبي داود" "٤٦٥".
(٣) "الصحيحة" "٩٩٥".
[ ٣٩٣ ]
السقاء وأنها تصعد ويوجد منها [من المؤمن] كأطيب ريح، ومن الكافر كأنتن ريح، إلى غير ذلك، من الصفات، وعلى ذلك أجمع السلف ودل العقل، وليس مع من خالف سوى الظنون الكاذبة، والشبه الفاسدة، التي لا يعارض بها ما دل عليه نصوص الوحي والأدلة العقلية.
وأما اختلاف الناس في مسمى النفس والروح: هل هما متغايران، أو مسماهما واحد؟ فالتحقيق: أن النفس تطلق على أمور، وكذلك الروح، فيتحد مدلولهما تارة، ويختلف تارة. فالنفس تطلق على الروح، ولكن غالب ما يسمى نفسًا إذا كانت متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة فتسمية الروح أغلب عليها. ويطلق على الدم، ففي الحديث: "ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه" (^١). والنفس: العين، يقال: أصابت فلانا نفس، أي عين. والنفس: الذات، ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] ﴿لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، ونحو ذلك. وأما الروح فلا يطلق على البدن، لا بانفراده، ولا مع النفس، وتطلق الروح على القرآن، وعلى جبرائيل، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]. ويطلق الروح على الهواء المتردد في بدن الإنسان أيضا، وأما ما يؤيد الله به أولياءه، فهي روح أخرى، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وكذلك القوى التي في البدن، فإنها أيضا تسمى أرواحا، فيقال: الروح الباصر، والروح السامع، والروح الشام (^٢). ويطلق الروح على أخص من هذا كله، وهو: قوة المعرفة بالله والإنابة إليه ومحبته وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته. ونسبة هذا الروح إلى الروح، كنسبة الروح إلى البدن، فالعلم روح، والإحسان روح، والمحبة روح، والتوكل روح، والصدق روح، والناس متفاوتون في هذه الروح: فمن الناس من تغلب عليه هذه الأرواح فيصير روحانيا، ومنهم من يفقدها أو أكثرها فيصير أرضيا بهميا، وقد وقع في كلام كثير من الناس أن لابن آدم
_________________
(١) لا أعرف له أصلا، وإنما هو من كلام الفقهاء.
(٢) قال عفيفي: انظر "العقل والنقل" لابن تيمية ص ١٧٧ ج ٢.
[ ٣٩٤ ]
ثلاثة أنفس: مطمئنة، ولوامة، وأمارة، قالوا: وإن منهم من تغلب عليه هذه، ومنهم من تغلب عليه هذه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]. ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢]. ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]. والتحقيق: أنها نفس واحدة، لها صفات، فهي أمارة بالسوء، فإذا عارضها الإيمان صارت لوامة، تفعل الذنب ثم تلوم صاحبها، وتلوم بين الفعل والترك، فإذا قوي الإيمان صارت مطمئنة. ولهذا قال ﷺ: "من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن" (^١). مع قوله: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (^٢)، الحديث.
واختلف الناس: هل تموت الروح أم لا؟ فقالت طائفة: تموت؛ لأنها نفس، وكل نفس ذائقة الموت، وقد قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: (٢٦)، ٢٧]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه﴾ [القصص: ٨٨]. قالوا: وإذا كانت الملائكة تموت، فالنفوس البشرية أولى بالموت. وقال آخرون: لا تموت الأرواح، فإنها خلقت للبقاء، وإنما تموت الأبدان. قالوا: وقد دل على ذلك الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله في أجسادها، والصواب أن يقال: موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر، فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتفنى بالكلية، فهي لا تموت بهذا الاعتبار، بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو في عذاب، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وقد أخبر سبحانه أن أهل الجنة ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]، وتلك الموتة هي مفارقة الروح للجسد. وأما قول أهل النار: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [المؤمن: ١١]، وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ (^٣) ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] فالمراد: أنهم كانوا أمواتا
_________________
(١) "الصحيحة" "٥٥٠".
(٢) متفق عليه، وقد مضى الحديث برقم ٣٧٣".
(٣) قال عفيفي: انظر ص ٢٦٤ من كتاب "الروح".
[ ٣٩٥ ]
وهم نطف في أصلاب آبائهم وفي أرحام أمهاتهم، ثم أحياهم بعد ذلك، ثم أماتهم، ثم يحييهم يوم النشور، وليس في ذلك إماتة أرواحهم قبل يوم القيامة، وإلا كانت ثلاث موتات، وصعق الأرواح عند النفخ في الصور لا يلزم منه موتها، فإن الناس يصعقون يوم القيامة إذا جاء الله لفصل القضاء، وأشرقت الأرض بنوره، وليس ذلك بموت، وسيأتي ذكر ذلك، إن شاء الله تعالى، وكذلك صعق موسى ﵇ لم يكن موتا، والذي يدل عليه أن نفخة الصعق -والله أعلم- موت كل من لم يذق الموت قبلها من الخلائق، وأما من ذاق الموت، أو لم يكتب عليه الموت من الحور والولدان وغيرهم، فلا تدل الآية على أنه يموت موتة ثانية، والله أعلم.
[ ٣٩٦ ]