وقوله: "والعرش والكرسي حق".
ش: كما بين تعالى في كتابه، قال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: (١٥)، ١٦]. ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥]. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، في غير ما آية من القرآن (^١): ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦]. ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [غافر: ٧]. ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾. ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٧٥]. وفي دعاء الكرب المروي في "الصحيح": "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا هو رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم" (^٢). وروى الإمام أحمد في حديث الأوعال عن العباس بن عبد المطلب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ "، قال: قلنا الله ورسوله أعلم، قال: "بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكِثَفُ كل سماء مسيرة خمسمائة، وفوق السماء السابعة بحر [بين] أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، [ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض]، ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله فوق ذلك، ليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء" (^٣). ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه. وروى أبو
_________________
(١) في سورة الأعراف: ٥٣، ويونس: ٣، والرعد: ٢، والفرقان: ٥٩، والم السجدة: ٤، والحديد: ٤.
(٢) متفق عليه من حديث عبد الله بن عباس ﵄، وهو مخرج في "الضعيفة" "٥٤٤٣" لزيادة منكرة وقعت في آخره عند الطبراني وغيره.
(٣) ضعيف الإسناد، وهو مخرج في "ظلال الجنة" "٥٧٧".
[ ٢٧٧ ]
داود وغيره، بسنده إلى رسول الله ﷺ، من حديث الأطِيط، أنه ﷺ قال: "إن عرشه على سمواته لهكذا"، وقال بأصابعه، مثل القبة (^١). الحديث، وفي صحيح البخاري عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وفوقه عرش الرحمن" (^٢). يروى "وفوقه" بالنصب على الظرفية، وبالرفع على الابتداء، أي: وسقفه.
وذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط بالعالم من كل جهة، وربما سموه: الفلك الأطلس، والفلك التاسع! وهذا ليس بصحيح، لأنه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، كما قال ﷺ: "فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جُوزي بصعقة الطور" (^٣). والعرش في اللغة: عبارة عن السرير الذي للملك، كما قال تعالى عن بلقيس: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]. وليس هو فلكا، ولا تفهم منه العرب ذلك، والقرآن إنما نزل بلغة العرب، فهو: سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم، وهو سقف المخلوقات، فمن شعر أمية ابن أبي الصلت:
مجدوا الله فهو للمجد أهل … ربنا في السماء أمسى كبيرا
بالناء العالي الذي بهر النا … س وسوى فوق السماء سريرا
شرجعًا لا يناله بصر العيـ … ـن ترى حوله الملائك صورا
الصور هنا: جمع: أصور، وهو: المائل العنق لنظره إلى العلو. والشرجع: هو العالي المنيف. والسرير: هو العرش في اللغة. ومن شعر عبد الله بن رواحة ﵁، الذي عرض به عن القراءة لامرأته حين اتهمته بجاريته:
_________________
(١) ضعيف الإسناد، ولا يصح في أطيط العرش حديث، وهو مخرج في "الظلال" "٥٧٥ و٥٧٦" وانظر فيه الحديث الذي قبله.
(٢) صحيح، وأخرجه الإمام أحمد أيضا، وهو مخرج في "الصحيحة" "٩٢١" و"الظلال" "٥٨١".
(٣) متفق عليه، وتقدم.
[ ٢٧٨ ]
شهدت بأن وعد الله حق … [وأن] النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف … وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة شداد … ملائكة الإله مسومينا
ذكره ابن عبد البر وغيره من الأئمة، وروى أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله ﷿ من حملة العرش، إن ما بين [شحمة] أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" (^١). ورواه ابن أبي حاتم ولفظه: "تخفق الطير سبعمائة عام".
وأما من حرف كلام الله، وجعل العرش عبارة عن الملك، كيف يصنع بقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]. وقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]. أيقول: ويحمل ملكه يومئذ ثمانية؟! وكان ملكه على الماء! ويكون موسى ﵇ آخذا من قوائم الملك؟! هل يقول هذا عاقل يدري ما يقول؟!
وأما الكرسي فقال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقد قيل: هو العرش، والصحيح أنه غيره، نقل ذلك عن ابن عباس ﵄ وغيره، روى ابن أبي شيبة في كتاب صفة العرش، والحاكم في مستدركه، وقال: إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أنه قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى (^٢). وقد روي مرفوعا، والصواب أنه موقوف على ابن عباس، وقال السدي: السماوات والأرض في جوف الكرسي بين يدي العرش. وقال ابن جرير: قال أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت
_________________
(١) صحيح، رواه أبو داود وغيره، وقد خرجته في "الصحيحة" "١٥١".
(٢) صحيح موقوفا، وأما المرفوع فضعيف، كما بينته في تخريج كتاب "ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان" للآلوسي، وقد طبعه المكتب الإسلامي. وراجه له "الظلال" "١٠٢/ ٣٦".
[ ٢٧٩ ]
بين ظهري فلاة من الأرض" (^١). وقيل: كرسيه علمه، وينسب إلى ابن عباس والمحفوظ عنه ما رواه ابن أبي شيبة، كما تقدم. ومن قال غير ذلك فليس له دليل إلا مجرد الظن، والظاهر أنه من جراب الكلام المذموم، كما قيل في العرش، وإنما هو كما قال غير واحد من السلف: بين يدي العرش كالمرقاة إليه.
قوله: "وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه".
ش: أما قوله: وهو مستغن عن العرش وما دونه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦]. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]. وإنما قال الشيخ ﵀ هذا الكلام هنا؛ لأنه لما ذكر العرش والكرسي، ذكر بعد ذلك غناه سبحانه عن العرش وما دون العرش، ليبين أن خلقه العرش لاستوائه عليه، ليس لحاجته إليه، بل له في ذلك حكمة اقتضته، وكون العالي فوق السافل، لا يلزم أن يكون السافل حاويا للعالي، محيطا به، حاملا له، [ولا] أن يكون الأعلى (^٢) مفتقرا إليه، فانظر إلى السماء، كيف هي فوق الأرض وليست مفتقرة إليها؟ فالرب تعالى أعظم شأنا وأجل من أن يلزم من علوه ذلك، بل لوازم علوه من خصائصه، وهي حمله بقدرته للسافل، وفقر السافل، وغناه هو سبحانه عن السافل، وإحاطته ﷿ به، فهو فوق العرش مع حمله بقدرته للعرش وحملته، وغناه عن العرش، وفقر العرش إليه، وإحاطته بالعرش، وعدم إحاطة العرش به، وحصره للعرش، وعدم حصر العرش له. وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق.
ونفاة العلو، [أهل التعطيل]، لو فصلوا بهذا التفصيل، لهدوا إلى سواء السبيل، وعلموا مطابقة العقل للتنزيل، ولسلكوا خلف الدليل، ولكن فارقوا الدليل، فضلوا عن سواء السبيل، والأمر في ذلك كما قال الإمام مالك ﵀، لما سئل عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٣] وغيرها: كيف
_________________
(١) صحيح كما بينته في المصدر السابق، وهو مخرج في "الصحيحة" "١٠٩".
(٢) في الأصل: للإعلاء.
[ ٢٨٠ ]
استوى؟ فقال الاستواء معلوم والكيف مجهول، ويروى هذا الجواب عن أم سلمة ﵂ موقوفا ومرفوعا إلى النبي ﷺ (^١).
وأما قوله: محيط بكل شيء وفوقه، وفي بعض النسخ: محيط بكل شيء فوقه، [بحذف الواو] من قوله: فوقه، والنسخة الأولى هي الصحيحة، ومعناها. أنه، تعالى محيط بكل شيء وفوق كل شيء. ومعنى الثانية: أنه محيط بكل شيء فوق العرش. وهذه -والله أعلم- إما أن يكون أسقطها بعض النساخ سهوا، ثم استنسخ بعض الناس من تلك النسخة، أو أن بعض المحرفين الضالين أسقطها قصدا للفساد، وإنكار لصفة الفوقية! وإلا فقد قام الدليل على أن العرش فوق المخلوقات وليس فوقه شيء من المخلوقات، فلا يبقى لقوله: محيط بمعنى: محيط بكل شيء فوق العرش، والحالة هذه: معنى! إذ ليس فوق العرش من المخلوقات ما يحيط به، فتعين ثبوت الواو، ويكون المعنى: أنه سبحانه محيط بكل شيء، وفوق كل شيء.
أما كونه محيطا بكل شيء، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠]. ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [حم السجدة: ٥٤]. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦]. وليس المراد من إحاطته بخلقه أنه كالفلك، وأن المخلوقات داخل ذاته المقدسة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وإنما المراد: إحاطة عظمته. وسعة علمه وقدرته (^٢)، وأنها بالنسبة إلى عظمته كخردلة. كما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم. ومن المعلوم -ولله المثل الأعلى- أن الواحد منا إذا كان عنده خردلة، إن شاء قبضها وأحاط قبضته بها، وإن شاء جعلها تحته، وهو في الحالين مباين لها، عال عليها فوقها من جميع الوجوه، فكيف بالعظيم الذي لا يحيط بعظمته وصف واصف، فلو شاء
_________________
(١) لا يصح، والصواب موقوف على مالك أو أم سلمة، والأول أشهر.
(٢) في الأصل: إحاطة عظمة وسعة وعلم وقدرة. وكلا العبارتين حسن، وهو من التأويل الذي ينقمه الشارح، مع أنه لا بد منه أحيانا.
[ ٢٨١ ]
لقبض السماوات والأرض اليوم، وفعل بها كما يفعل بها يوم القيامة، فإنه لا يتجدد به إذ ذاك قدرة ليس عليها الآن، فكيف يستبعد العقل مع ذلك أنه يدنو سبحانه من بعض أجزاء العالم وهو على عرشه فوق سماواته؟ أو يدني إليه من يشاء من خلقه؟ فمن نفى ذلك لم يقدره حق قدره. وفي حديث أبي رزين المشهور الذي رواه عن النبي ﷺ في رؤية الرب تعالى: فقال له أبو زرين: كيف يسعنا -يا رسول الله- وهو واحد ونحن جميع؟ فقال: "سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله: هذا القمر، آية من آيات الله، كلكم يراه مخليا به، والله أكبر من ذلك، وإذا أفل تبين أنه أعظم وأكبر من كل شيء" (^١). فهذا يزيل كل إشكال، ويبطل كل خيال.
وأما كونه فوق المخلوقات، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: (١٨) و٦١]. ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. وقال ﷺ في حديث الأوعال المتقدم ذكره: "والعرش فوق ذلك، والله فوق ذلك كله" (^٢). وقد أنشد عبد الله بن رواحة شعره المذكور بين يدي النبي ﷺ، وأقره على ما قال: وضحك منه (^٣). وكذا أنشده حسان بن ثابت ﵁ قوله:
شهدت بإذن الله أن محمدا … رسول الذي فوق السماوات من عل
وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما … له عمل من ربه متقبل
وأن الذي عادى اليهود ابن مريم … رسول أتى من عند ذي العرش مرسل
وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم … يجاهد في ذات الإله ويعدل
فقال النبي ﷺ: "وأنا أشهد" (^٤). وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، أنه قال: "لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: أن رحمتي سبقت غضبي" (^٥) وفي رواية: "تغلب غضبي" رواه البخاري
_________________
(١) ضعيف الإسناد، حسن المتن، كما هو مبين في "الظلال" "٤٥٩، ٤٦٠".
(٢) ضعيف وتقدم قريبا الحديث "برقم ٢٩٤".
(٣) ضعيف، وقول ابن عبد البر "رويناه من وجوه صحاح" فيه نظر، فقد قال الذهبي في "العلو" "ص ١٠٦" معقبا عليه: "روي من وجوه مرسلة … "، ثم ذكرها.
(٤) ضعيف، رواه ابن سعد في "الطبقات" بسند ضعيف ومنقطع.
(٥) متفق عليه، وهو مخرج في "الظلال" "٦٠٨، ٦٠٩".
[ ٢٨٢ ]
وغيره. وروى ابن ماجه عن جابر يرفعه، قال: "بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا إليه رءوسهم، فإذا الجبار ﷻ قد أشرف عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة، سلام عليكم، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. فينظر إليهم، وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه" (^١). وروى مسلم عن النبي ﷺ، في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] بقوله: "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء" (^٢). والمراد بالظهور هنا: العلو. ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧]، أي يعلوه. فهذه الأسماء الأربعة متقابلة: اسمان منها لأزلية الرب ﷾ وأبديته، واسمان لعلوه وقربه. وروى أبو داود عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده، قال: أتى رسول الله ﷺ أعرابي، فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس [وضاعت العيال] ونهكت الأموال، [وهلكت الأنعام]، فاستسق الله لنا، فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فقال رسول الله ﷺ: "ويحك! أتدري ما تقول؟ " وسبح رسول الله ﷺ، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: "ويحك! إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك! أتدري ما الله؟ إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته -وقال بأصابعه! مثل القبة [عليه]- وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب" (^٣). وفي قصة سعد بن معاذ يوم بني قريظة، لما حكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، فقال النبي ﷺ: "لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع سماوات" (^٤). وهو حديث صحيح، أخرجه الأموي في مغازيه، وأصله في
_________________
(١) ضعيف، وتقدم، وقول الشيخ أحمد شاكر ﵀: "وإسناده جيد" غير جيد، لما ذكرته هناك.
(٢) صحيح، وتقدم.
(٣) ضعيف، وتقدم.
(٤) صحيح بدون قوله: "فوق سبع سماوات" كذلك هو في "الصحيحين" و"المسند" وأما هذه الزيادة فتفرد بها محمد بن صالح التمار، كما في "العلو" "١٠٢" وقال: وهو صدوق" وفي "التقريب" "صدوق يخطئ"، قلت: فمثله لا يقبل تفرده، وإن صححه المؤلف وكذا الذهبي، وفي إثبات الفوقية أحاديث صحيحه تغني عن هذا، وسيذكر المؤلف بعضها. وانظر تخريج الحديث في "مختصر العلو" "٨٧/ ١١".
[ ٢٨٣ ]
"الصحيحين". وروى البخاري عن زينب ﵂، أنها كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ، وتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات (^١). وعن عمر ﵁: أنه مر بعجوز فاستوقفته، فوقف معها يحدثها، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، حبست الناس بسبب هذه العجوز؟ فقال: ويلك! أتدري من هذه؟ امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة التي أنزل الله فيها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ (^٢) [المجادلة: ١] أخرجه الدارمي. وروى عكرمة عن ابن عباس، في قوله: ﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧]، قال: ولم يستطع أن يقول من فوقهم؛ لأنه قد علم أن الله سبحانه من فوقهم.
ومن سمع أحاديث الرسول ﷺ وكلام السلف، وجد منه في إثبات الفوقية ما لا ينحصر، ولا ريب أن الله سبحانه لما خلق الخلق لم يخلقهم في ذاته المقدسة، تعالى الله عن ذلك، فإنه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، فتعين أنه خلقهم خارجا عن ذاته، ولو لم يتصف سبحانه بفوقية الذات، مع أنه قائم بنفسه غير مخالط للعالم، لكان متصفا بضد ذلك؛ لأن القابل للشيء لا يخلو منه أو من ضده، وضد الفوقية: السفول، وهو مذموم على الإطلاق؛ لأنه مستقر إبليس وأتباعه وجنوده.
فإن قيل: لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها. قيل: لو لم يكن قابلا للعلو والفوقية لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها، فمتى أقررتم بأنه
_________________
(١) صحيح وهو عند البخاري في "التوحيد" من حديث أنس قال: "فكانت زينب تفخر … إلخ. فليس هو من مسند زينب نفسها كما يفيده صنيع المصنف ﵀.
(٢) ضعيف، أخرجه أبو سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية" "ص ٢٦، طبع المكتب الإسلامي" من طريق أبي يزيد المدني عن عمر به. قال الذهبي: "١١٣" "وهذا إسناد صالح فيه انقطاع، أبو يزيد لم يلحق عمر".
[ ٢٨٤ ]
ذات قائم بنفسه، غير مخالط للعالم، وأنه موجود في الخارج، ليس وجوده ذهنيا فقط، بل وجوده خارج الأذهان قطعا، وقد علم العقلاء كلهم بالضرورة أن ما كان وجوده كذلك فهو: إما داخل العالم وإما خارج عنه، وإنكار ذلك إنكار ما هو أجلى وأظهر من الأمور البديهيات الضرورية بلا ريب، فلا يستدل على ذلك بدليل إلا كان العلم بالمباينة أظهر منه، وأوضح وأبين. وإذا كان صفة العلو والفوقية صفة كمال، لا نقص فيه، ولا يستلزم نقصا، ولا يوجب محذورا، ولا يخالف كتابا ولا سنة ولا إجماعا، فنفي حقيقته يكون عين الباطل والمحال الذي لا تأتي به شريعة أصلا. فكيف إذا كان لا يمكن الإقرار بوجوده وتصديق رسله، والإيمان بكتابه وبما جاء به رسوله، إلا بذلك؟ فكيف إذا انضم إلى ذلك شهادة العقول السليمة، والفطر [المستقيمة]، والنصوص الواردة المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه، وكونه فوق عباده، التي تقرب من عشرين نوعا: أحدها: التصريح بالفوقية مقرونا بأداة: من، المعينة للفوقية بالذات، كقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. الثاني: ذكرها مجردة عن الأداة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: (١٨) و٦١]. الثالث: التصريح بالعروج إليه نحو: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾. وقوله ﷺ: "يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم" (^١). الرابع: التصريح بالصعود إليه. كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]. الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه، كقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]. وقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]. السادس: التصريح بالعلو المطلق، الدال على جميع مراتب العلو، ذاتا وقدرا وشرفا، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]. ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]. السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر: ٢]. ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
_________________
(١) متفق عليه، وهو قطعة من حديث لأبي هريرة ﵁، أوله: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار … "، وهو مخرج في "الظلال" "٤٩١".
[ ٢٨٥ ]
الحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]. ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢]. ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]. ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان:١ - ٥]. الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ [الأنبياء: ١٩]. ففرق بين من له عموما وبين من عنده من ملائكته وعبيده خصوصا. وقول النبي ﷺ في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على نفسه: "أنه عنده فوق العرش" (^١). التاسع: التصريح بأنه تعالى في السماء، وهذا عند المفسرين من أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون "في" بمعنى "على"، وإما أن يراد بالسماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز الحمل على غيره. العاشر: التصريح بالاستواء مقرونا بأداة "على" مختصا بالعرش، الذي هو أعلى المخلوقات، مصاحبا في الأكثر لأداة "ثم" الدالة على الترتيب والمهلة. الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى، كقوله ﷺ: "إن الله يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا" (^٢). والقول بأن العلو قبلة الدعاء فقط باطل بالضرورة والفطرة، وهذا يجده من نفسه كل داع، كما يأتي إن شاء الله تعالى. الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى سفل. الثالث عشر: الإشارة إليه حسا إلى العلو، كما أشار إليه من هو أعلم بربه (^٣) وبما يجب له ويمتنع عليه من جميع البشر، لما كان بالمجمع الأعظم [الذي لم يجتمع لأحد مثله، في اليوم الأعظم، في المكان الأعظم، قال لهم: "أنتم
_________________
(١) متفق عليه، وتقدم.
(٢) صحيح، أخرجه الحاكم وغيره، وصححه هو والذهبي ومن قبلهما ابن حبان.
(٣) في الأصل: به.
[ ٢٨٦ ]
مسؤولون عني، فماذا أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت (^١)، فرفع أصبعه الكريمة إلى السماء رافعا لها إلى من هو فوقها وفوق كل شيء، قائلا: "اللهم اشهد". فكأنا نشاهد تلك الأصبع الكريمة وهي مرفوعة إلى الله، وذلك اللسان الكريم وهو يقول لمن رفع أصبعه إليه: "اللهم اشهد"، ونشهد أنه بلغ البلاغ المبين، وأدى رسالة ربه كما أمر، ونصح أمته غاية النصيحة، فلا يحتاج مع بيانه وتبليغه وكشفه وإيضاحه إلى تنطع المتنطعين، وحذلقة المتحذلقين! والحمد لله رب العالمين. الرابع عشر: التصريح بلفظ: "الأين" كقول أعلم الخلق به، وأنصحهم لأمته، وأفصحهم بيانا عن المعنى الصحيح، بلفظ لا يوهم باطلا بوجه: "أين الله" (^٢)، في غير موضع. الخامس عشر: شهادته ﷺ لمن قال إن ربه في السماء بالإيمان. السادس عشر: إخباره تعالى عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء، ليطلع إلى إله موسى فيكذبه فيما أخبره من أنه سبحانه فوق السماوات، فقال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [المؤمن: ٣٦]. فمن نفى العلو من الجهمية فهو فرعوني، ومن أثبته فهو موسوي محمدي. السابع عشر: إخباره ﷺ: أنه تردد بين موسى ﵇ وبين ربه ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة، فيصعد إلى ربه ثم يعود إلى موسى عدة مرار (^٣). الثامن عشر: النصوص الدالة على رؤية أهل الجنة له تعالى، من الكتاب والسنة، وإخبار النبي
_________________
(١) صحيح، وهو قطعة من حديث جابر الطويل في حجة النبي ﷺ. رواه مسلم وأبو داود والدارمي وابن ماجه وغيرهم وقد أفردته في جزء لطيف، وضممت إليه كل ما وقع لي من الروايات والزيادات الثابتة عن جابر ﵁ في سياق واحد، وعلقت عليه بتعليقات مفيدة. وقد طبع مرات في المكتب الإسلامي العامر.
(٢) صحيح، رواه مسلم "٢/ ٧١" وغيره عن معاوية بن الحكم السلمي أن النبي ﷺ قال للجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء، قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". وهو مخرج في "الظلال" "٤٨٩ و٤٩٠"، وفي "مختصر العلو" "ص ٨١"، وقال الذهبي فيه: "حديث صحيح أخرجه مسلم … ".
(٣) متفق عليه: انظر سياقه في "مختصر العلو" "رقم ١٧".
[ ٢٨٧ ]
ﷺ أنهم يرونه كرؤية الشمس والقمر ليلة البدر ليس دونه سحاب، فلا يرونه إلا من فوقهم، كما قال ﷺ: "بينا أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رءوسهم، فإذا الجبار ﷻ قد أشرف عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة، سلام عليكم، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. ثم يتوارى عنهم، وتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم" (^١) رواه الإمام أحمد في المسند، وغيره، من حديث جابر ﵁. ولا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية. ولهذا طرد الجهمية الشقين (^٢)، وصدق أهل السنة بالأمرين معا، وأقروا بهما، وصار من أثبت الرؤية ونفى العلو مذبذبا بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء! وهذه الأنواع من الأدلة لو بسطت أفرادها لبلغت نحو ألف دليل، فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله! وهيهات له بجواب صحيح عن بعض ذلك!
وكلام السلف في إثبات صفة العلو كثير جدا؛ فمنه: ما روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه الفاروق، بسنده إلى مطيع البلخي: أنه سأل أبا حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقال: قد كفر، لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وعرشه فوق سبع سماواته، قلت: فإن قال: إنه على العرش، ولكن يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر، لأنه أنكر أنه في السماء، فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر. وزاد غيره: لأن الله في أعلى عليين، وهو يدعى من أعلى، لا من أسفل. انتهى. ولا يلتفت إلى من أنكر ذلك ممن ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة، فقد انتسب إليه طوائف معتزلة وغيرهم، مخالفون له في كثير من اعتقاداته. وقد ينتسب إلى مالك والشافعي وأحمد من يخالفهم في [بعض] اعتقاداتهم. وقصة أبي يوسف في استتابة بشر المريسي، لما أنكر أن يكون الله ﷿ فوق العرش مشهورة. رواها عبد الرحمن بن أبي حاتم وغيره.
ومن تأول "فوق"، بأنه خير من عباده وأفضل منهم، وأنه خير من العرش
_________________
(١) ضعيف، وتقدم.
(٢) في الأصل: النفيين.
[ ٢٨٨ ]
وأفضل منه، كما يقال: الأمير فوق الوزير، والدينار فوق الدرهم. فذلك مما تنفر عنه العقول السليمة، وتشمئز منه القلوب الصحيحة! فإن قول القائل [ابتداء]: الله خير من عباده، وخير من عرشه. من جنس قوله: الثلج بارد، والنار حارة، والشمس أضوأ من السراج، والسماء أعلى من سقف الدار، والجبل أثقل من الحصى، ورسول الله أفضل من فلان اليهود [ي]، والسماء فوق الأرض!! وليس في ذلك تمجيد ولا تعظيم ولا مدح، بل هو من أرذل الكلام وأسمجه وأهجنه! فكيف يليق بكلام الله، الذي لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لما أتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا؟! بل في ذلك تنقص، كما قيل في المثل السائر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره … إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
ولو قال قائل: الجوهر فوق قشر البصل وقشر السمك! لضحك منه العقلاء، للتفاوت الذي بينهما، فإن التفاوت الذي بين الخالق والمخلوق أعظم وأعظم. بخلاف ما إذا كان المقام يقتضي ذلك، بأن كان احتجاجا على مبطل، كما في قول يوسف الصديق ﵇: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]. وقوله تعالى: ﴿آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]. ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧٣].
وإنما يثبت هذا المعنى من الفوقية في ضمن ثبوت الفوقية المطلقة من كل وجه، فله ﷾ فوقية القهر، وفوقية القدر، وفوقية الذات (^١). ومن أثبت البعض ونفى البعض فقد تنقص، وعلوه تعالى مطلق من كل الوجوه. فإن قالوا، بل علو المكانة لا المكان؟ فالمكانة: تأنيث المكان، والمنزلة: تأنيث المنزل، فلفظ المكانة والمنزلة تستعمل في المكانات النفسانية والروحانية (^٢)، كما يستعمل لفظ المكان والمنزل في الأمكنة الجسمانية، فإذا قيل: لك في قلوبنا منزلة، ومنزلة فلان في قلوبنا وفي نفوسنا أعظم من منزلة فلان، كما جاء في الأثر: "إذا
_________________
(١) في الأصل: الفضل.
(٢) في الأصل: والعرجانية.
[ ٢٨٩ ]
أحب أحدكم أن يعرف كيف منزلته عند الله، فلينظر كيف منزلة الله في قلبه، فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من قلبه" (^١). فقوله: "منزلة الله في قلبه". هو ما يكون في قلبه من معرفة الله ومحبته وتعظيمه وغير ذلك، فإذا عرف أن المكانة والمنزلة: تأنيث المكان والمنزل، والمؤنث فرع على المذكر في اللفظ والمعنى، وتابع له، فعلو المثل الذي يكون في الذهن يتبع علو (^٢) الحقيقة، إذا كان مطابقا كان حقا، وإلا باطلا. فإن قيل: المراد علوه في القلوب، وأنه أعلى في القلوب من كل شيء. قيل: وكذلك هو، وهذا العلو مطابق لعلوه في نفسه على كل شيء، فإن لم يكن عاليا بنفسه على كل شيء، كان علوه في القلوب غير مطابق، كمن جعل ما ليس بأعلى أعلى.
وعلوه ﷾ كما هو ثابت بالسمع، ثابت بالعقل والفطرة، أما ثبوته بالعقل فمن وجوه: أحدها: العلم البديهي القاطع بأن كل موجودَين، إما أن يكون أحدهما ساريا في الآخر قائما به كالصفات، وإما أن يكون قائما بنفسه بائنا من الآخر. الثاني: أنه لما خلق العالم، فإما أن يكون خلقه في ذاته أو خارجا عن ذاته، والأول باطل: أما أولا: فبالاتفاق، وأما ثانيا: فلأنه يلزم أن يكون محلا للخسائس (^٣) والقاذورات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. والثاني يقتضي كون العلم واقعا خارج ذاته، فيكون منفصلا، فتعينت المباينة، لأن القول بأنه غير متصل بالعالم وغير منفصل عنه غير معقول. الثالث: أن كونه تعالى لا داخل
_________________
(١) لا أعرفه. ثم وجدته بدلالة بعض الإخوان جزاه الله خيرا في "مستدرك الحاكم" "١/ ٤٩٤ - ٤٩٥" بنحوه وصححه، وتعقبه الذهبي بأن فيه عمر بن عبد الله مولى غفرة، ضعيف، ومن طريقه أخرجه أبو يعلى وغيره وهو مخرج في "الضعيفة" "٥٤٢٧" وهو من الأحاديث الكثيرة، من الضعيفة والموضوعة، التي سود بها المدعو عز الدين بليق "منهاجه" وهي قرابة أربعمائة حديث ما بين ضعيف وموضوع، ومع ذلك زعم في مقدمته أن أحاديث "منهاجه" كلها صحيحة! وعسى أن ييسر لي نشرها في رد عليه ومع ذلك أرجو أن أنتهي منه قريبا إن شاء الله تعالى.
(٢) في الأصل: يقع على.
(٣) في الأصل: للحشائش.
[ ٢٩٠ ]
العالم ولا خارجه يقتضي [نفي] وجوده بالكلية، لأنه غير معقول: فيكون موجودا إما داخله وإما خارجه. والأول باطل فتعين الثاني، فلزمت المباينة.
وأما ثبوته بالفطرة، فإن الخلق جميعا بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء، ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله تعالى، وذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين، وهو يتكلم في نفي صفة العلو، ويقول: كان الله ولا عرش وهو الآن على ما كان! فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؟ فإنه ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد في قلبه ضرورة طلب (^١) العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع بهذه الضرورة عن أنفسنا؟ قال: فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل! وأظنه قال: وبكى! وقال: حيرني الهمداني حيرني! أراد الشيخ: أن هذا أمر فطر الله عليه عباده، من غير أن يتلقوه من المرسلين، يجدون في قلوبهم طلبا ضروريا يتوجه إلى الله ويطلبه في العلو.
وقد اعترض على الدليل العقلي بإنكار بداهته، لأنه أنكره جمهور العقلاء، فلو كان بديهيا لما كان مختلفا فيه بين العقلاء، بل هو قضية وهمية خيالية؟ والجواب عن هذا الاعتراض مبسوط في موضعه، ولكن أشير إليه هنا إشارة مختصرة، وهو أن يقال: إن العقل إن قبل قولكم فهو لقولنا أقبل، وإن رد العقل قولنا فهو لقولكم أعظم فإن كان قولنا باطلا في العقل، فقولكم أبطل، وإن كان قولكم حقا مقبولا في العقل، فقولنا أولى أن يكون مقبولا في العقل. فإن دعوى الضرورة مشتركة، فإنا نقول: نعلم بالضرورة بطلان قولكم، وأنتم تقولون كذلك، فإذا قلتم: تلك الضرورة التي تحكم ببطلان قولنا هي من حكم الوهم لا من حكم العقل؟ قابلناكم بنظير قولكم، وعامة فطر الناس -ليسوا منكم ولا منا- موافقون لنا (^٢) على هذا، فإن كان حكم فطر بني آدم مقبولا ترجحنا عليكم، وإن كان
_________________
(١) في الأصل: بطلب.
(٢) في الأصل: يوافقونا.
[ ٢٩١ ]
مردودًا غير مقبول بطل قولكم بالكلية، فإنكم إنما بنيتم قولكم على ما تدعون أنه مقدمات معلومة بالفطرة الآدمية، وبطلت عقلياتنا أيضا، وكان السمع الذي جاءت به الأنبياء معنا لا معكم، فنحن مختصون بالسمع دونكم، والعقل مشترك بيننا وبينكم.
فإن قلتم: أكثر العقلاء يقولون بقولنا؟ قيل: ليس الأمر كذلك، فإن الذين يصرحون [بأن] صانع العالم شيء موجود ليس فوق العالم، وأنه لا مباين للعالم ولا حال في العالم؛ طائفة من النظار، وأول من عرف عنه ذلك في الإسلام جهم بن صفوان وأتباعه.
واعترض على الدليل الفطري: أن ذلك إنما لكون السماء قبلة للدعاء، كما أن الكعبة قبلة للصلاة (^١)، ثم هو منقوض بوضع الجبهة على الأرض مع أنه ليس في جهة الأرض؟ وأجيب على هذا الاعتراض من وجوه:
أحدها: أن قولكم: إن السماء قبلة للدعاء. لم يقله أحد من سلف الأمة، ولا أنزل الله به من سلطان، وهذا من الأمور الشرعية الدينية، فلا يجوز أن يخفى على جميع سلف الأمة وعلمائها.
الثاني: أن قبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، فإنه يستحث للداعي أن يستقبل القبلة، وكان النبي ﷺ يستقبل القبلة في دعائه في مواطن كثيرة (^٢)، فمن قال إن للدعاء قبلة غير قبلة الصلاة، أو أن له قبلتين: إحداهما الكعبة والأخرى السماء؛ فقد ابتدع في الدين، وخالف جماعة المسلمين.
الثالث: أن القبلة هي ما يستقبله العابد بوجهه، كما تستقبل الكعبة في الصلاة والدعاء، والذكر والذبح، وكما يوجه المحتضر والمدفون، ولذلك سميت وجهة. والاستقبال خلاف الاستدبار، فالاستقبال بالوجه، والاستدبار بالدبر،
_________________
(١) قال عفيفي: انظر ج ٢/ ٥١ من "مختصر الموصلي للصواعق المرسلة" لابن القيم.
(٢) صحيح، والأحاديث في ذلك كثيرة، منها حديث عبد الله بن زيد قال: "خرج النبي ﷺ إلى هذا المصلى يستسقي، فدعا واستسقى، ثم استقبل القبلة" متفق عليه، وترجم له البخاري في "الدعوات" بـ"باب الدعاء مستقبل القبلة".
[ ٢٩٢ ]
فأما ما حاذاه الإنسان برأسه أو يديه أو جنبه فهذا لا يسمى قبلة، لا حقيقة ولا مجازا، فلو كانت السماء قبلة الدعاء لكان المشروع أن يوجه الداعي وجهه إليها، وهذا لم يشرع، والموضع الذي ترفع اليد إليه لا يسمى قبلة، لا حقيقة ولا مجازا، ولأن القبلة في الدعاء أمر شرعي تنبع فيه الشرائع، ولم تأمر الرسل أن الداعي يستقل السماء بوجهه، بل نهوا [عن] ذلك، ومعلوم أن التوجه بالقلب، واللجأ والطلب الذي يجده الداعي من نفسه أمر فطري، يفعله المسلم والكافر والعالم والجاهل، وأكثر ما يفعله المضطر والمستغيث بالله، كما فطر على أنه إذا مسه الضر يدعو الله، مع أن أمر القبلة مما يقبل النسخ والتحويل، كما تحولت القبلة من الصخرة إلى الكعبة، وأمر التوجه في الدعاء إلى الجهة العلوية مركوز في الفطر، والمستقبل للكعبة يعلم أن الله تعالى ليس هناك، بخلاف الداعي، فإنه يتوجه إلى ربه وخالقه، ويرجو الرحمة أن تنزل من عنده، وأما النقض بوضع الجبهة فما أفسده من نقض، فإن واضع الجبهة إنما قصده الخضوع لمن فوقه بالذل له، لا أن يميل إليه إذ هو تحته! هذا لا يخطر في قلب ساجد. لكن يحكى عن بشر المريسي أنه سمع وهو يقول [في سجوده]: سبحان ربي الأسفل!! تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، وإن من أفضى به النفي إلى هذه الحال حري أن يتزندق، إن لم يتداركه الله برحمته، وبعيد من مثله الصلاح، قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]. فمن لم يطلب الاهتداء من مظانه يعاقب بالحرمان. نسأل الله العفو والعافية.
وقوله: وقد أعجز عن الإحاطة خلقه، أي لا يحيطون به علما ولا رؤية، ولا غير ذلك من وجوه الإحاطة، بل هو سبحانه محيط بكل شيء، ولا يحيط به شيء.
قوله: "ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلا، وكلم الله موسى تكليما، إيمانا وتصديقا وتسليما".
ش: قال [الله] تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]. الخلة: كمال المحبة.
[ ٢٩٣ ]
وأنكرت الجهمية حقيقة المحبة من الجانبين، زعما منهم أن المحبة لا تكون إلا لمناسبة بين المحب والمحبوب، وأنه لا مناسبة بين القديم والمحدث توجب المحبة! وكذلك أنكروا حقيقة التكليم، كما تقدم، وكان أول من ابتدع هذا في الإسلام هو الجعد بن درهم، في أوائل المائة الثانية فضحى به خالد بن عبد الله القسري أمير العراق والمشرق بواسط، خطب الناس يوم الأضحى فقال: أيها الناس ضحوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني (^١) مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، ثم نزل فذبحه، وكان ذلك بفتوى أهل زمانه من علماء التابعين ﵃، فجزاه الله عن الدين وأهله خيرا. وأخذ هذا المذهب [عن الجعد]، الجهم بن صفوان، فأظهره وناظر عليه، وإليه أضيف قول: الجهمية. فقتله مسلم بن أحوز أمير خراسان بها، ثم انتقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو بن عبيد، وظهر قولهم في أثناء خلافة المأمون، حتى امتحن أئمة الإسلام، ودعوهم إلى الموافقة لهم على ذلك. وأصل هذا مأخوذ عن المشركين والصابئة، وهم ينكرون أن يكون إبراهيم خليلا وموسى كليما، لأن الخلة هي كمال المحبة المستغرقة للمحب، كما قيل:
قد تخللت مسلك الروح مني … ولذا سمي الخليل خليلا
ولكن محبته وخلته كما يليق به تعالى، كسائر صفاته، ويشهد لما دلت عليه الآية الكريمة ما ثبت في الصحيح عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: "لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله" (^٢)، يعني نفسه، وفي رواية: "إني أبرأ إلى كل خليل من خلته، ولو كنت [متخذا] من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا". وفي رواية: "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا". فبين ﷺ أنه لا يصلح له أن يتخذ من المخلوقين خليلا، وأنه لو أمكن ذلك لكان أحق الناس به أبو بكر الصديق، مع أنه ﷺ قد وصف نفسه بأنه يحب أشخاصا، كقوله لمعاذ: "والله إني
_________________
(١) في الأصل: فإنه.
(٢) صحيح، وتقدم نحوه.
[ ٢٩٤ ]
لأحبك" (^١)، وكذلك قوله للأنصار (^٢). وكان زيد بن حارثة حب رسول الله ﷺ، وابنه أسامة حبه. وأمثال ذلك. وقال له عمرو بن العاص: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة"، قال: فمن الرجال؟ قال: "أبوها" (^٣). فعلم أن الخلة أخص من مطلق المحبة، والمحبوب بها لكمالها يكون محبا لذاته، لا لشيء آخر، إذ المحبوب لغيره هو مؤخر في الحب عن ذلك الغير، ومن كمالها لا تقبل الشركة [ولا] المزاحمة، لتخللها المحبة، ففيها كمال التوحيد وكمال الحب، ولذلك لما اتخذ الله إبراهيم خليلا، وكان إبراهيم قد سأل ربه أن يهب له ولدا صالحا، فوهب له إسماعيل، فأخذ هذا الولد شعبة من قلبه، فغار الخليل على قلب خليله أن يكون فيه مكان لغيره، فامتحنه به بذبحه، ليظهر سر الخلة في تقديمه محبة خليله على محبة ولده، فلما استسلم لأمر ربه، وعزم على فعله، فظهر سلطان الخلة في الإقدام على ذبح الولد إيثارا لمحبة خليله على محبته، نسخ الله ذلك عنه، وفداه بالذبح العظيم؛ لأن المصلحة في الذبح كانت ناشئة من العزم وتوطين النفس على ما أمر، فلما حصلت هذه المصلحة عاد الذبح نفسه مفسدة، فنسخ في حقه، وصارت الذبائح والقرابين من الهدايا والضحايا سنة في أتباعه إلى يوم القيامة. وكما أن منزلة الخلة الثابتة لإبراهيم صلوات الله عليه قد شاركه فيها نبينا ﷺ كما تقدم، كذلك منزلة التكليم الثابتة لموسى صلوات الله عليه قد شاركه فيها نبينا ﷺ، كما ثبت ذلك في حديث الإسراء.
وهنا سؤال مشهور، وهو: أن النبي ﷺ أفضل من إبراهيم ﷺ، فكيف طلب له من الصلاة مثل ما لإبراهيم، مع أن المشبه به أصله أن يكون فوق المشبه؟ وكيف
_________________
(١) صحيح، رواه أحمد وغيره، وصححه ابن خزيمة وابن حبان. وهو مخرج في "صحيح أبي داود" برقم ١٣٦٢".
(٢) يشير إلى حديث أنس قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله ﷺ ومعها صبي لها، فكلمها رسول الله ﷺ، فقال: "والذي نفسي بيده إنكم أحب الناس إليّ -مرتين "، أخرجه البخاري.
(٣) متفق عليه من حديث عمرو بن العاص.
[ ٢٩٥ ]
الجمع بين هذين الأمرين المتنافيين؟ وقد أجاب عنه العلماء بأجوبة عديدة، يضيق هذا المكان عن بسطها، وأحسنها: أن آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم، فإذا طلب للنبي ﷺ ولآله من الصلاة مثل ما لإبراهيم وآله وفيهم الأنبياء، حصل لآل محمد ما يليق بهم لأنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء وفيهم إبراهيم لمحمد ﷺ، فيحصل له من المزية ما لم يحصل لغيره. وأحسن من هذا: أن النبي ﷺ من آل ابراهيم، بل هو أفضل آل ابراهيم، فيكون قولنا: كما صليت على [آل] إبراهيم متناولا الصلاة عليه وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم وهو متناول لإبراهيم أيضا. كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] فإبراهيم وعمران دخلا في آل ابراهيم وآل عمران، وكما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]. فإن لوطا داخل في آل لوط، وكما في قوله تعالى: ﴿إِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] وقوله: ﴿أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [المؤمن: ٤٦] فإن فرعون داخل في آل فرعون. ولهذا والله أعلم، أكثر روايات حديث الصلاة على النبي ﷺ إنما فيها كما صليت على آل إبراهيم، وفي كثير منها: كما صليت على إبراهيم ولم يرد: كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إلا في قليل من الروايات (^١) وما ذلك إلا لأن في قوله: كما صليت على إبراهيم، يدخل آله تبعا. وفي قوله: كما صليت على آل إبراهيم، هو داخل آل إبراهيم، وكذلك لما جاء أبو أوفى ﵁ بصدقة إلى النبي ﷺ دعا له النبي ﷺ وقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى" (^٢). ولما كان بيت إبراهيم ﵇ أشرف بيوت العالم على الإطلاق، خصهم الله بخصائص، منها: أنه جعل فيه النبوة والكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم نبي إلا من أهل بيته. ومنها: أنه سبحانه جعلهم أئمة يهدون بأمره إلى يوم القيامة، فكل من دخل الجنة من أولياء الله بعدهم فإنما دخل من طريقهم وبدعوتهم، ومنها: أنه سبحانه اتخذ منهم الخليلين، كما تقدم ذكره. ومنها: أنه جعل صاحب هذا البيت إماما للناس. قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. ومنها: أنه أجرى على يديه بناء بيته الذي جعله قياما للناس ومثابة للناس وأمنا، وجعله قبلة لهم وحجا، فكان ظهور هذا البيت في الأكرمين، ومنها: أنه أمر عباده أن يصلوا على أهل البيت، إلى غير ذلك من الخصائص.
_________________
(١) قلت: وذلك لا يمنع صحتها، لا سيما وبعضها في "صحيح البخاري" انظر كتابي "صفة الصلاة" ص ١٤٧ الطبعة الحادية عشر طبع المكتب الإسلامي.
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" عن عبد الله بن أبي أوفى.
[ ٢٩٦ ]