وقوله: والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب. قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ، وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٥ - ١٨] إلى آخر السورة. ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ، فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا، وَيَصْلَى سَعِيرًا، إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا، إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ، بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الانشقاق: ٦ - ١٥]. ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف: ٤٨]. ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ [وَالسَّمَوَاتُ] وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، إلى آخر السورة. ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ [ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ]﴾ [غافر: ١٥]، إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧]. ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١]. وروى البخاري ﵀ في صحيحه، عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: "ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك"، فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: (٧)، ٨]، فقال رسول الله ﷺ: "إنما ذلك العرض (^١)، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب" (^٢). يعني أنه لو ناقش في حسابه لعبيده لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولكنه تعالى يعفو ويصفح. وسيأتي لذلك زيادة "بيان"، إن شاء الله تعالى، وفي الصحيح عن النبي ﷺ، أنه قال: "إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أم جوزي بصعقة يوم الطور؟ " (^٣)، وهذا صعق في موقف القيامة، إذا جاء الله لفصل القضاء، وأشرقت الأرض بنوره، فحينئذ يصعق الخلائق كلهم، فإن قيل: كيف
_________________
(١) في الأصل: للعرض.
(٢) صحيح.
(٣) متفق عليه، وقد تقدم الحديث "برقم ٢٩٧".
[ ٤١٢ ]
تصنعون بقوله في الحديث: "إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فأجد موسى باطشا بقائمة العرش؟ " (^١)، قيل: لا ريب أن هذا اللفظ قد ورد هكذا، ومنه نشأ الإشكال، ولكنه دخل فيه على الراوي حديثا في حديث، فركب بين اللفظين، فجاء هذان الحديثان هكذا: أحدهما: "أن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق"، كما تقدم، والثاني: "أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة" (^٢)، فدخل على الراوي هذا الحديث في الآخر. وممن نبه على هذا أبو الحجاج المزي، وبعده الشيخ شمس الدين بن القيم، وشيخنا الشيخ عماد بن كثير، ﵏. وكذلك اشتبه على بعض الرواة، فقال: "فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله ﷿؟ " (^٣)، والمحفوظ
_________________
(١) صحيح، أخرجه البخاري في أول كتاب "الخصومات" من حديث وهيب، حدثنا عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري مرفوعا في قصة ضرب الصحابي لليهودي بلفظ: "لا تخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض فإذا أنا بموسى أخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق أم حوسب بصعقته الأولى". وأخرجه مسلم رقم "٢٣٧٤" من طريق سفيان عن عمرو بن يحيى به، لكنه لم يسق لفظه بتمامه، وقد ساقه أحمد "٣/ ٣٣" من هذه الطريق بلفظ: "وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة فأفيق، فأجد موسى … " الحديث. ويشهد لهذه الرواية حديث أبي هريرة عند مسلم "٢٣٧٣" بلفظ: "لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله"، قال: "ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث، أو في أول من بعث، فإذا موسى ﵇ آخذ بالعرش، فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور، أو بعث قبلي". ومن هذين الحديثين يتبين أن هذه الصعقة الثانية إنما هي صعقة البعث، المذكورة في الآية، وليست صعقة تقع لفصل القضاء كما ذكر الشارح تبعا للإمام ابن القيم. وعلى ذلك فلا إشكال في الحديث، والله أعلم.
(٢) رواه مسلم رقم "٢٢٧٨" باب تفضيل نبينا ﷺ بلفظ: "وأول من ينشق عنه القبر" وأبو داود والترمذي وأحمد.
(٣) صحيح وهو آخر حديث أبي هريرة المذكور قبله في رواية عنه عند البخاري، والمراد بقوله: "ممن استثنى الله" أي لا تصيبه النفخة، كما صرحت به رواية ابن أبي الدنيا في كتاب "البعث" عن الحسن مرسلا. كما في "الفتح".
[ ٤١٣ ]
الذي تواطأت عليه الروايات الصحيحة هو الأول، وعليه المعنى الصحيح، فإن الصعق يوم القيامة لتجلي الله لعباده إذا لفصل القضاء، فموسى ﵇ إن كان لم يصعق معهم، فيكون قد جوزي بصعقة يوم تجلي ربه للجبل فجعله دكا، فجعلت صعقة هذا التجلي عوضا عن صعقة الخلائق لتجلي ربه يوم القيامة، فتأمل هذا المعنى العظيم ولا تهمله، وروى الإمام أحمد، والترمذي، وأبو بكر بن أبي الدنيا، عن الحسن، قال: سمعت أبا موسى الأشعري يقول: قال رسول الله ﷺ: "يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فعرضتان جدال ومعاذير، وعرضة تطاير الصحف، فمن أوتي كتابه بيمينه، وحوسب حسابا يسيرا، دخل الجنة، ومن أوتي كتابه بشماله، دخل النار" (^١). وقد روى ابن أبي الدنيا [عن ابن المبارك] أنه أنشد في ذلك شعرا:
وطارت الصحف في الأيدي منشرة … فيها السرائر والأخبار تطلع (^٢)
فكيف سهوك والأنباء واقعة … عما قليل ولا تدري بما تقع
أفي الجنان وفوز لا انقطاع له … أم الجحيم فلا تبقي ولا تدع
تهوي بساكنها طورا وترفعهم … إذا رجوا مخرجا من غمها قمعوا
طال البكاء (^٣) فلم يرحم تضرعهم … فيها ولا رقية (^٤) تغني ولا جزع
لينفع العلم قبل الموت عالمه … قد سال قوم بها الرجعى فما رجعوا
_________________
(١) ضعيف، لأن الحسن البصري مدلس وقد عنعنه، وهذه علة، وإن ثبت سماعه من أبي هريرة وأبي موسى، فإن ثبوت مطلق السماع لا يغني في رواية المدلس حتى يصرح بالتحديث كما هو مقرر في "المصطلح"، إلا إذا ثبتت رواية الكتاب التي فيها التصريح بسماع الحسن من أبي موسى.
(٢) قال عفيفي: انظر المسألة الرابعة من كتاب "الروح" لابن القيم.
(٣) في الأصل: الكلام.
(٤) في الأصل: رقة.
[ ٤١٤ ]
قوله: والصراط، أي: وتؤمن بالصراط، وهو جسر على جهنم، إذا انتهى الناس بعد مفارقتهم مكان الموقف إلى الظلمة التي دون الصراط، كما قالت عائشة ﵂: إن رسول الله ﷺ سئل: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال: "هم في الظلمة دون الجسر" (^١). وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين، ويتخلفون عنهم، ويسبقهم المؤمنون، ويحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم، وروى البيهقي بسنده، عن مسروق، عن عبد الله، قال: "يجمع الله الناس يوم القيامة"، إلى أن [قال]: "فيعطون نورهم على قدر أعمالهم، وقال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر من يعطى نوره على إبهام قدمه، يضيء مرة ويطفأ مرة، إذا أضاء قدم قدمه، وإذا طفئ قام، قال: فيمر ويمرون على الصراط، والصراط كحد السيف، دحض، مزلة، فيقال لهم: امضوا على قدر نوركم، فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يمر كشد الرجل، يرمل رملا، فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه، تخر يد، وتعلق يد، وتخر (^٢) رجل، وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، فيخلصون، فإذا خلصوا قالوا: الحمد الله الذي نجانا منك بعد أن أراناك، لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد" (^٣) … الحديث.
_________________
(١) رواه مسلم "١/ ١٧٣".
(٢) في الأصل: تجر.
(٣) صحيح: وأخرجه الحاكم "٢/ ٣٧٦"، وأظن أن البيهقي من طريقه رواه، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي! قلت، وفيه يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الدالاتي، ولم يخرج له الشيخان شيئا، ثم هو وإن كان صدوقا، فقد كان يخطئ كثيرا، وكان يدلس، كما في "التقريب". وقد صرح في هذا الأثر بالتحديث، فأمنا بذلك تدليسه، فإنما يخشى منه الخطأ فيه، لكنه قد توبع كما يأتي، فأمنا بذلك خطأه أيضا، وقد أخرجه الحاكم أيضا "٤/ ٥٩٠ - ٥٩٢" بتمامه مطولا، وكذلك الطبراني في "المعجم الكبير" " ٣/ ٤٦/ ٢ - ٤٧/ ٢" من طريق أبي خالد هذا عن ابن مسعود مرفوعا وقد تابعه زيد بن أبي أنيسة مرفوعا أيضا =
[ ٤١٥ ]
واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]، وفي الصحيح أنه ﷺ قال: والذي نفسي بيده، لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة، قالت حفصة: فقلت: يا رسول الله، أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، فقال: ألم تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢] (^١)، أشار ﷺ إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله، بل تستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه، يقال: نجاه الله منهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا﴾ [هود: ٥٨]، ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا﴾ [هود: ٦٦]. ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا﴾ [هود: ٩٤] ولم يكن العذاب أصابهم، ولكن أصاب غيرهم، ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة لأصابهم ما أصاب أولئك، وكذلك حال الوارد في النار، يمرون فوقها على الصراط، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا، فقد بين ﷺ في حديث جابر المذكور: أن الورود هو الورود على الصراط، وروى الحافظ أبو نصر الوائلي (^٢)، عن أبي هريرة رضي الله
_________________
(١) = بتمامه عند الطبراني، وزيد ثقة، فصح بذلك الحديث والحمد لله.
(٢) كذا في الرواية الموقوفة عند الحاكم، وفي المرفوعة عنده: "دون" وعند الطبراني "أصغر" ولعل هذه الرواية أولى لأن السياق يدل عليها.
(٣) كذا في "الموقوفة" وفي المرفوعة عند الحاكم والطبراني: "فيمرون".
(٤) وكذا في "المستدرك" و"المعجم" وأما الرواية التي علقها هنا الشيخ أحمد شاكر ﵀ بلفظ: "ثم كشد الرجال، ثم كمشيهم" فهي رواية أخرى للحاكم "٢/ ٢٧٥" من طريق غير الدالاتي، وهذه الطريق لم يقع بصر الشيخ عليها، مع أنها في الصفحة التي تلي صفحة الرواية الأخرى، والموفق الله ﵎.
(٥) صحيح، رواه مسلم، وأحمد نحوه من حديث أم مبشر.
(٦) هو الحافظ الوائلي البكري، أبو نصر السجزي، المتوفى سنة ٤٤٤. ترجمة الذهبي في "تذكرة الحفاظ" ٣: ٢٧٩ - ٢٩٨.
[ ٤١٦ ]
عنه، قال: قال ﷺ: "علم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت أن لا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة، فلا تحدثن في دين الله حدثا برأيك" (^١)، أورد القرطبي، وروى أبو بكر بن أحمد بن سليمان النجار، عن يعلى بن منية، عن رسول الله ﷺ، قال: "تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جز يا مؤمن، فقد أطفأ نورك لهبي" (^٢).
وقوله: والميزان، أي: ونؤمن بالميزان. قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣]. قال القرطبي: قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها. قال: وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، يحتمل أن يكون ثم موازين متعددة توزن فيها الأعمال، ويحتمل أن يكون المراد الموزونات، فجمع باعتبار تنوع الأعمال الموزونة، والله أعلم.
والذي دلت عليه السنة: أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان، روى الإمام أحمد، من حديث أبي عبد الرحمن الحبلي، قال سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﷺ: "إن الله سيختص رجلا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئا أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا، يا رب، فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم اليوم عليك، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقول أحضروه، فيقول: يا رب، وما
_________________
(١) موضوع: وهو قطعة من حديث رواه أبو نعيم والخطيب عن أبي هريرة مرفوعا، وذكره ابن الجوزي في "الموضوعات"، وتكلمت عليه في "الأحاديث الضعيفة" "٢٦٥".
(٢) ضعيف: رواه الطبراني وابن عدي وأبو نعيم وغيرهم بسند فيه ضعف وانقطاع.
[ ٤١٧ ]
هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، [والبطاقة في كفة]، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم" (^١). وهكذا روى الترمذي، وابن ماجه، وابن أبي الدنيا، من حديث الليث، زاد الترمذي: "ولا يثقل مع اسم الله شيء". وفي سياق آخر: "توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة" (^٢) وفي هذا السياق فائدة جليلة، وهي أن العامل يوزن مع عمله، ويشهد له ما روى البخاري عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "أنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٦] " (^٣). وروى الإمام أحمد، عن ابن مسعود: أنه كان يجني (^٤) سواكا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ: "مم تضحكون؟ " قالوا: يا نبي الله! من دقة ساقية، فقال: "والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من أحد" (^٥). وقد وردت الأحاديث أيضا بوزن الأعمال أنفسها، كما في صحيح مسلم، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان" (^٦). وفي الصحيح، وهو خاتمة كتاب البخاري، قوله ﷺ: "كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان
_________________
(١) صحيح، وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وحسنه الترمذي وفي روايتهما: "فلا يثقل مع اسم شيء" وأما رواية الكتاب فهي رواية لأحمد "٢/ ٢١٣" وهي شاذة. وقد تكلمت على إسناد الحديث في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" "١٣٥".
(٢) هو الحديث المتقدم. وهذا لفظ آخر له، ولا يصح من قبل سنده، لأن فيه ابن لهيعة وهو سيئ الحفظ فلا يحتج بما تفرد، أخرجه أحمد "٢/ ٢٢١".
(٣) صحيح، ورواه مسلم أيضا "٨/ ١٢٥".
(٤) في "المسند": يجتني.
(٥) حسن، رواه أحمد في "المسند" "١/ ٤٥٠" بسند حسن.
(٦) صحيح، وهو مخرج في "تخريج مشكلة الفقر" برقم "٥٩".
[ ٤١٨ ]
الله العظيم" (^١). وروى الحافظ أبو بكر البيهقي، عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ، قال: "يؤتى بابن آدم يوم القيامة، فيوقف بين كفتي الميزان، ويوكل به ملك، فإن ثقل ميزانه، نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا" (^٢)، وإن خف ميزانه، نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا. فلا يلتفت إلى ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزن الأجسام!! فإن الله يقلب الأعراض أجسامًا، كما تقدم، وكما روى الإمام أحمد، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "يؤتى بالموت كبشًا أغر (^٣)، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال، يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، ويقال: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، ويرون أن قد جاء الفرج، فيذبح، ويقال: خلود لا موت" (^٤). ورواه البخاري بمعناه. فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان. والله تعالى أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات.
فعلينا الإيمان بالغيب، كما أخبرنا الصادق ﷺ، من غير زيادة ولا نقصان، ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة كما أخبر الشارع (^٥)، لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفوَّال!! وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله لهم يوم القيامة وزنًا. ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه لجميع عباده، [فإنه] لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين. فكيف ووراء ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه. فتأمل قول الملائكة، لما قال
_________________
(١) متفق عليه، وتقدم.
(٢) موضوع، ورواه أبو نعيم أيضًا في "الحلية" "٦/ ١٧٤" وقال "تفرد به داود بن المحبر" قلت: وهو متروك متهم بالوضع.
(٣) في الأصل: أغير.
(٤) صحيح، أخرجه في "المسند" "٢/ ٤٢٣" بسند صحيح.
(٥) قال عفيفي: انظر أحاديث الوعيد في ص ٣٩٥ - ٣٩٧ ج ١ من "مدارج السالكين".
[ ٤١٩ ]
"الله" لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. وقد تقدم عند ذكر الحوض كلام القرطبي ﵀، أن الحوض قبل الميزان، والصراط بعد الميزان، ففي "الصحيحين": أن المؤمنين إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة (^١). وجعل القرطبي في "التذكرة" هذه القنطرة صراطا ثانيا للمؤمنين خاصة، وليس يسقط منه أحد في النار، والله تعالى أعلم.
وقوله: "والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبدا ولا تبيدان، فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه، وكل يعمل لما "قد" فرغ له، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد".
ش: أما قوله: إن الجنة والنار مخلوقتان، فاتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل أهل السنة على ذلك، حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية، فأنكرت ذلك، وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة!! وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا!! وقاسوه على خلقه في أفعالهم، فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلة! وقالوا: خلق الجنة قبل الجراء عبث! لأنها تصير معطلة مددا متطاولة!! فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب تعالى، وحرفوا النصوص عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالف شريعتهم.
فمن نصوص الكتاب: قوله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣].
_________________
(١) أخرجه "البخاري" في أول المظالم" وأحمد "٣/ ١٣/ ٦٣/ ٧٤" من حديث أبي سعيد الخدري، ولم أره في "مسلم".
[ ٤٢٠ ]
﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١]. وعن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]. ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا، لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبأ: ٢١ - ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥]، وقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى، ورأى عندها جنة المأوى، كما في "الصحيحين"، من حديث أنس ﵁، في قصة الإسراء، وفي آخره: "ثم انطلق بي جبرائيل، حتى أتى سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، قال: ثم دخلت الجنة، فإذا هي جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك" (^١)، وفي "الصحيحين" من حديث عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة" (^٢). وتقدم حديث البراء بن عازب، وفيه: "ينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها" (^٣). وتقدم حديث أنس بمعنى حديث البراء. وفي "صحيح مسلم"، عن عائشة ﵂، قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ، فذكرت الحديث، وفيه: وقال رسول الله ﷺ: "رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به، حتى لقد رأيتني آخذ قطفا من الجنة حين رأيتموني تقدمت ولقد رأيت النار يحطم بعضها بعضا حين رأيتموني تأخرت" (^٤). وفي "الصحيحين"، واللفظ للبخاري، عن عبد الله بن عباس، قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ، فذكر الحديث، وفيه: فقالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت؟ فقال: "إني رأيت الجنة، وتناولت عنقودا،
_________________
(١) صحيح.
(٢) صحيح، وأخرجه أحمد أيضا "١/ ١٦ و٥١ و١١٣ و١٢٣".
(٣) صحيح، وتقدم الحديث بطوله "رقم ٥٢٥".
(٤) صحيح وهو طرف من حديث طويل في صلاة الكسوف وهو مخرج عندي في الجزء الخاص بهذه الصلاة.
[ ٤٢١ ]
ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء"، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: "بكفرهن"، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئا، قالت: ما رأيت خيرا قط" (^١)، وفي "صحيح مسلم" من حديث أنس: وايم الذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت، لضحكتم قليلا وبكيتم كثيرا. قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: "رأيت الجنة والنار" (^٢) وفي الموطأ والسنن، من حديث كعب بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "إنما نسمة المؤمن طير (^٣) تعلق في شجر الجنة، حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة" (^٤). وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة. وفي "صحيح مسلم" و"السنن" و"المسند". من حديث أبي هريرة ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبرائيل إلى الجنة، فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، فرجع فقال: وعزتك، لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بالجنة، فحفت بالمكاره، فقال: ارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، ثم رجع فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا يدخلها أحد، قال: ثم أرسله إلى النار، قال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فنظر إليها، فإذا هي يركب (^٥) بعضها بعضا، ثم رجع فقال: وعزتك، لا يدخلها أحد سمع بها، فأمر بها فحفت بالشهوات، ثم قال: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، فذهب فنظر إليها، فرجع فقال: وعزتك، لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها" (^٦).
_________________
(١) صحيح، وهو مخرج هناك.
(٢) صحيح.
(٣) قال عفيفي: هذا المبحث في كتاب "حادي الأرواح" لابن القيم.
(٤) صحيح، وهو مخرج في "الصحيحة" "٩٩٥".
(٥) في الأصل: تركب.
(٦) صحيح، وصححه الترمذي والحاكم ١/ ٢٦" ووافقه الذهبي، وعزو المؤلف لمسلم خطأ انظر "صحيح الجامع" "٥٠٨٦" و"المشكاة" "٥٦٩٦". وإنما له منه … "حفت الجنة … وحفت النار بالشهوات" وهذا رواه البخاري أيضا.
[ ٤٢٢ ]
ونظائر ذلك في السنة كثيرة.
وأما على قول من قال: إن الجنة الموعود بها هي الجنة التي كان فيها آدم ثم أخرج منها، فالقول بوجودها الآن ظاهر، والخلاف في ذلك معروف.
وأما شبهة من قال: إنها لم تخلق بعد، وهي: أنها لو كانت مخلوقة الآن لوجب اضطرارا أن تفنى يوم القيامة وأن يهلك كل من فيها ويموت، لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقد روى الترمذي في جامعه، من حديث ابن مسعود ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" (^١)، قال: هذا حديث حسن غريب. وفيه أيضا من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ، أنه قال: "من قال سبحان الله وبحمده، غرست له نخلة في الجنة" (^٢)، قال: هذا حديث حسن صحيح، قالوا: فلو كانت مخلوقة مفروغا منها لم تكن قيعانا، ولم يكن لهذا الغراس معنى. قالوا: وكذا قوله تعالى عن امرأة فرعون أنها قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١] فالجواب: إنكم إن أردتم بقولكم إنها الآن معدومة بمنزلة النفخ في الصور وقيام الناس من القبور، فهذا باطل، يرده ما تقدم من الأدلة وأمثالها مما لم يذكر، وإن أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنها لا يزال الله يحدث فيها شيئا بعد شيء، وإذا دخلها المؤمنون أحدث الله فيها عند دخولهم أمورا أخر، فهذا حق لا يمكن رده، وأدلتكم هذه إنما تدل على هذا القدر، وأما احتجاجكم بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، فأتيتم من سوء فهمكم
_________________
(١) وهو مخرج في "الصحيحة" "١٠٥".
(٢) صحيح، وهو مخرج في المصدر السابق "٦٤".
[ ٤٢٣ ]
معنى الآية، واحتجاجكم بها على عدم وجود الجنة والنار الآن، نظير احتجاج إخوانكم على فنائهما وخرابهما وموت أهلهما!! فلم توفقوا أنتم لا إخوانكم لفهم معنى الآية، وإنما وفق لذلك أئمة الإسلام، فمن كلامهم: أن المراد كل شيء مما كتب [الله] عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء، وكذلك العرش، فإنه سقف الجنة، وقيل: المراد إلا ملكه، وقيل: إلا ما أريد به وجهه، وقيل: إن الله تعالى أنزل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض، وطمعوا في البقاء، فأخبر تعالى عن أهل السماء والأرض أنهم يموتون، فقال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، لأنه حي لا يموت، فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت، وإنما قالوا ذلك توفيقا بينها وبين النصوص المحكمة، الدالة على بقاء الجنة، وعلى بقاء النار أيضا، على ما يذكر عن قريب، إن شاء الله تعالى.
وقوله: لا تفنيان أبدا ولا تبيدان هذا قول جمهور الأئمة من السلف والخلف. وقال ببقاء الجنة وبفناء النار جماعة من السلف والخلف (^١)، والقولان مذكوران في كثير من كتب التفسير وغيرها. قال بفناء الجنة والنار الجهم بن صفوان إمام المعطلة، وليس له سلف قط (^٢)، لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين، ولا من أهل السنة. وأنكره عليه عامة أهل السنة، وكفروه به، وصاحوا به وبأتباعه من أقطار الأرض، وهذا قاله لأصله الفاسد الذي اعتقده، وهو امتناع وجود [ما] لا يتناهى من الحوادث! وهو عمدة أهل الكلام
_________________
(١) قلت: لم يثبت القول بفناء النار عن أحد من السلف، وإنما هي آثار واهية لا تقوم بها حجة، وبعض أحاديثه موضوعة، لو صحت لم تدل على الفناء المزعوم، وإنما على بقاء النار، وخروج الموحدين منها، وقد كنت خرجت بعض ذلك في "الضعيفة" برقم "٦٠٦ و٧٠٧". ثم وقفت على رسالة مخطوطة في مكتبة المكتب الإسلامي للعلامة الأمير الصنعاني في هذه المسألة الخطيرة رد فيها على ابن القيم ﵀، فعلقت عليها وخرجت أحاديثها وقدمت لها بمقدمة ضافية، وقد طبعت بعناية المكتب الإسلامي.
(٢) يعني قوله بفناء الجنة، ونحن نزيد على المؤلف فنقول: وليس له سلفا أيضا في قوله بفناء الدار كما سبقت الإشارة إلى ذلك آنفا.
[ ٤٢٤ ]
المذموم، التي استدلوا بها على حدوث الأجسام، وحدوث ما لم يخل من الحوادث، وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم، فرأى جهم أن ما يمنع من حوادث لا أول لها في الماضي، يمنعه في المستقبل!! فدوام الفعل عنده على الرب في المستقبل ممتنع، كما هو ممتنع عنده عليه في الماضي!! وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة، وافقه على هذا الأصل، لكن قال: إن هذا يقتضي فناء الحركات، فقال بفناء حركات أهل الجنة والنار، حتى يصيروا في سكون دائم، لا يقدر أحد منهم على حركة!! وقد تقدم الإشارة إلى اختلاف النار في تسلسل الحوادث في الماضي والمستقبل، وهي مسألة دوام فاعلية الرب تعالى، وهو لم يزل ربا قادرا فعالا لما يريد، فإنه لم يزل حيا عليما قديرا. ومن المحال أن يكون الفعل ممتنعا عليه لذاته، ثم ينقلب فيصير ممكنا لذاته، من غير تجدد "شيء"، وليس للأول حد محدود حتى يصير الفعل ممكنا له عند ذلك الحد، ويكون قبله ممتنعًا عليه. فهذا القول تصوره كاف في الجزم بفساده.
فأما أبدية الجنة، وأنها لا تفنى ولا تبيد، فهذا مما يعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ أخبر به، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]، أي غير مقطوع، ولا ينافي "ذلك" قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّك﴾. واختلف السلف في هذا الإستثناء: فقيل: معناه إلا مدة مكثهم في النار، وهذا يكون لمن دخل منهم إلى النار ثم أخرج منها، لا لكلهم. وقيل: إلا مده مقامهم في الموقف. وقيل: إلا مدة مقامهم في القبور والموقف. وقيل: هو استثناء الرب ولا يفعله، كما تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وأنت لا تراه، بل تجزم بضربه. وقيل: إلا بمعنى الواو، وهذا على قول بعض النحاة، وهو ضعيف. وسيبويه يجعل إلا بمعنى لكن، فيكون الاستثناء منقطعا، ورجحه ابن جرير وقال: إن الله تعالى لا خلف لوعده، وقد وصل الاستثناء بقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ﴾ [هود: ١٠٨]. قالوا: ونظيره أن تقول: أسكنتك داري حولا إلا ما شئت، أي سوى ما شئت، ولكن ما شئت من الزيادة عليه. وقيل: الاستثناء لإعلامهم، بأنهم مع
[ ٤٢٥ ]
خلودهم في مشيئة الله، لأنهم يخرجون (^١) عن مشيئته، ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود (^٢)، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٦]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤]، وقوله: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس: ١٦]، ونظائره كثيرة، يخبر عباده سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وقيل: إن "ما" بمعنى "من" أي: إلا من شاء الله دخوله النار بذنوبه من السعداء (^٣). وقيل غير ذلك. وعلى كل تقدير، فهذا الاستثناء من المتشابه، وقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]، محكم. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤]. وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥] (^٤). وقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]. وقد أكد الله خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن، وأخبر أنهم: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]، وهذا الاستثناء منقطع، وإذا ضممته إلى الإستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّ﴾ [هود: ١٠٨] تبين أن المراد من الآيتين استثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود، كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت، فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية، وذلك مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم فيها.
والأدلة من السنة على أبدية الجنة ودوامها كثيره: كقوله ﷺ: "من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت" (^٥). وقوله: "ينادي مناد: يا أهل الجنة، إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وأن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وأن تحيوا
_________________
(١) في الأصل: لا أنهم يخرجون. الجنة الصواب فليراجع "رفع الأستار".
(٢) قال عفيفي: انظر "مجموع الفتاوى" ص ٤٨ ج ٢.
(٣) في الأصل: الشعراء.
(٤) قال عفيفي: انظر ص ٢٥١ من "حادي الأرواح".
(٥) مسلم، وهو مخرج في "الصحيحة" "١٠٨٦".
[ ٤٢٦ ]
فلا تموتوا أبدا" (^١). وتقدم ذكر ذبح الموت بين الجنة والنار، ويقال: "يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت" (^٢).
وأما أبدية النار ودوامها، فللناس في ذلك ثمانية أقوال: أحدها: أن من دخلها لا يخرج منها أبد الآباد، وهذا قول الخوارج والمعتزلة. والثاني: أن أهلها يعذبون فيها، ثم تنقلب طبيعتهم وتبقى طبيعة النارية يتلذذون بها لموافقتها لطبعهم! وهذا قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي!! الثالث: أن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود، ثم يخرجون منها، ويخلفهم فيها قوم آخرون (^٣)، وهذا القول حكاه اليهود للنبي ﷺ، وأكذبهم فيه، وقد أكذبهم الله تعالى، فقال عز من قائل: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٠ - ٨١]. الرابع: يخرجون منها، وتبقى على حالها ليس فيها أحد. الخامس: أنها تفنى بنفسها، لأنها حادثة وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه!! وهذا قول الجهم وشيعته، ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار، كما تقدم. السادس: تفنى حركات أهلها ويصيرون جمادا، لا يحسون بألم، وهذا قول أبي الهذيل العلاف كما تقدم. السابع: أن الله يخرج منها من يشاء، كما ورد في الحديث، ثم يبقيها شيئا، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمدا تنتهي إليه. الثامن: أن الله تعالى يخرج منها من شاء، كما ورد في السنة، ويبقى فيها الكفار، بقاء لا انقضاء له، كما قال الشيخ ﵀. وما عدا هذين القولين الأخيرين ظاهر البطلان.
وهذان القولان لأهل السنة ينظر في أدلتهما.
_________________
(١) أخرجه مسلم "٨/ ١٤٨" عن أبي سعيد وأبي هريرة معا بتقديم الجملة الأخيرة على التي قبلها، وزاد: "وإن لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبدا، فذلك قوله ﷿: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ".
(٢) متفق عليه.
(٣) قال عفيفي: انظر الباب السابع والستين من "حادي الأرواح" ص"٢٩٨".
[ ٤٢٧ ]
فمن أدلة القول الأول منهما: قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. [الأنعام: ١٢٨] وقوله تعالى. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٦ - ١٠٧]. ولم يأت بعد هذين الاستثناءين ما أتى بعد الاستثناء المذكور لأهل الجنة، وهو قوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]. وقوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢٣]. وهذا القول، أعني القول بفناء النار دون الجنة منقول عن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وغيرهم. وقد روى عبد بن حميد في تفسيره المشهور، بسنده إلى عمر ﵁، أنه قال: "لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج، لكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه" (^١)، ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى:
_________________
(١) ضعيف لأنه من رواية الحسن قال: قال عمر: والحسن لم يدرك عمر ﵁. وقال ابن القيم في "حادي الأرواح" "٢/ ٧١ طبع الكردي" عقبه. والحسن لم يسمع من عمر. ومع ذلك فقد حاول تقويته بكلام خطابي، لا غناء فيه. "وحسبك بهذا الإسناد جلالة "! " والحسن وإن لم يسمع من عمر فإنما رواه عن بعض التابعين، ولو لم يصح عنده ذلك عن عمر لما جزم به، وقال: عمر بن الخطاب"! قلت: وهذا كلام عجيب من مثل ابن القيم ﵀، لأن معناه الاحتجاج بحديث التابعي المجهول العين! لأنه إذا كان الحسن قد أخذه من بعض التابعين، فمن هو؟ وما حاله في الحديث حفظا وضبطا؟ أليس منطق ابن القيم هذا يؤدي إلى قلب القواعد الأصولية الحديثية التي تجعل حديث المجهول ضعيفا، والحديث المرسل والمنقطع ضعيفا كذلك، لأنهما يرجعان إلى راو لم يذكر ولم يسم؟! ويؤدي كذلك إلى قبول أحاديث الحسن البصري المعنعنة، فضلا عن المنقطعة والمرسلة، مثل حديثه عن سمرة "لما حملت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث، فسمته عبد الحارث، فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره". وهو حديث ضعيف، بل باطل، ولا علة فيه سوى عنعنة الحسن البصري، وقد فسر هو الآية التي يفسرها بعض المفسرين بهذا الحديث، فسرها الحسن نفسه بغير ما دل عليه حديثه، وتبعه على ذلك بعض المحققين، منهم ابن القيم نفسه، كما بينت ذلك في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" "رقم الحديث ٣٤٢". =
[ ٤٢٨ ]
﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢٣]. قالوا: والنار موجب غضبه، والجنة موجب رحمته. وقد قال ﷺ: "لما قضى الله الخلق، كتب كتابا، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي" (^١). وفي رواية: "تغلب غضبي". رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁. قالوا: والله سبحانه يخبر عن العذاب أنه: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥]. و﴿أَلِيمٌ﴾ [هود: ٢٦]. و﴿عَقِيمٌ﴾ [الحج: ٥٥]. [ولم يخبر] ولا في موضع واحد عن النعيم أنه نعيم يوم. وقد قال تعالى: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ (^٢) وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. وقال تعالى حكاية عن الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين، فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته، وقد ثبت في "الصحيح" تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة (^٣)، والمعذبون فيها متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم،
_________________
(١) = ومثل حديثه المرسل في إبطال الوضوء بالقهقهة، وهو ضعيف باتفاق المحدثين!. سامح الله ابن القيم وغفر له، فإنه بتصحيحه لمثل هذا الأثر عن عمر ﵁ يفتح بابا كبيرا لبعض الفرق الضالة يلجون فيه إلى تأييد ضلالهم، كالقاديانية، فإن من خلالهم القول بفناء النار، وانتهاء عذاب الكفار، كما بينته في "السلسلة" المشار إليها، عند الكلام على الحديث الذي في معنى هذا الأثر، وكنت أشرت إليه في الكلام على هذا الأثر، فلما وقفت على إسناده تكلمت عليه بتفصيل، وألحقته بالحديث المشار إليه. وجملة القول: أن هذا الأثر لا يصح عن عمر، كما لا يصح عن غيره مرفوعا، والله ولي التوفيق. وراجع هذا البحث كتاب "رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار". للعلامة الصنعاني بتقديمي وتعليقي. وقد روي نحوه عن عبد الله بن عمرو موقوفا بسنده ضعيف، وأبي أمامة مرفوعا بسند فيه تالف، وقد تكلمت عليه في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة" كما تقدم قريبا.
(٢) متفق عليه وقد تقدم الحديث "رقم ٣٠٨".
(٣) قال عفيفي: انظر "٢٥٤ - ٢٧٩" من "حديث الأرواح".
(٤) صحيح أخرجه مسلم في حديث لأبي هريرة في عقوبة مانع الزكاة يوم القيامة. وفي الباب عن ابن عمرو عند الحاكم "٤/ ٥٧٢" وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٤٢٩ ]
وليس في حكمة أحكم الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين أن يخلق خلقا يعذبهم أبد الآباد عذابا سرمدا لا نهاية له. وأما أنه يخلق خلقا ينعم عليهم ويحسن إليهم نعيما سرمدا، فمن مقتضى الحكمة. والإحسان مراد لذاته، والانتقام مراد بالعرض. قالوا: وما ورد من الخلود فيها، والتأبيد، وعدم الخروج، وأن عذابها مقيم، وأنه غرام، كله حق مسلم، لا نزاع فيه، وذلك يقتضي الخلود في دار العذاب ما دامت باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد. ففرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله، وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه.
ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها: قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧]. ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥]. ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠]. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [البينة: ٨]. ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِين﴾ [الحجر: ٤٨] (^١). ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّار﴾ [البقرة: ١٦٧]. ﴿لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]. ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾، [الفرقان: ٦٥] أي مقيما لازما. وقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله: وأحاديث الشفاعة (^٢) صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان. وبقاء الجنة والنار ليس لذاتهما، بل بإبقاء الله لهما (^٣).
وقوله: وخلق لهما أهلا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ
_________________
(١) هذه الآية في أهل الجنة كما تقدم "ص ٤٢٦" فلعله أراد آية المائدة ٣٧ ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ وقد وقع هذا الوهم لابن القيم وغيره فانظر تعليقي على "رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار" "ص".
(٢) آخر الجزء الأول من "مختصر الموصلي للصواعق المرسلة".
(٣) قلت: وهذه الأدلة قاطعة في بقاء النار وأهلها فيها من الكفار، بخلاف أدلة القول الذي قبله، فليس فيها شيء صريح، كما بسطه الإمام الصنعاني في "رفع الأستار"، فكن رجلا يعرف الحق بدليله وليس بالرجال، فكل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي ﷺ.
[ ٤٣٠ ]
وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] الآية. وعن عائشة ﵂، قالت: دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل سوءا ولم يدركه، فقال: أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم" (^١). رواه مسلم وأبو داود والنسائي، وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الدهر: ٢، ٣]. والمراد الهداية العامة، وأعم منها الهداية المذكورة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]. فالموجودات نوعان: أحدهما مسخر بطبعه، والثاني متحرك بإرادته فهدى الأول لما سخره له طبيعة، وهدى الثاني هداية إرادية تابعة لشعوره وعلمه بما ينفعه ويضره، ثم قسم هذا النوع إلى ثلاثة أنواع: نوع لا يريد إلا الخير ولا يتأتى منه إرادة سواه، كالملائكة، ونوع لا يريد إلا الشر ولا يتأتى منه إرادة سواه، كالشياطين، ونوع يتأتى منه إرادة القسمين، كالإنسان، ثم جعله ثلاثة أصناف: صنفا يغلب إيمانه ومعرفته وعقله هواه وشهوته، فيلتحق بالملائكة. وصنفا عكسه، فيلتحق بالشياطين، وصنفا تغلب شهوته البهيمية عقله، فيلتحق بالبهائم. والمقصود: أنه سبحانه أعطى الوجودين: العيني والعلمي، فكما أنه لا موجود إلا بإيجاده، فلا هداية إلا بتعليمه، وذلك كله من الأدلة على كمال قدرته، وثبوت وحدانيته، وتحقيق ربوبيته، ﷾.
وقوله: فمن شاء منهم إلى الجنة فضلا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلا منه … إلخ، مما يجب أن يعلم: أن الله تعالى لا يمنع الثواب إلا إذا منع سببه، وهو العمل الصالح، فإنه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]. وكذلك لا يعاقب أحدا إلا بعد حصول سبب العقاب، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. وهو سبحانه المعطي المانع، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
_________________
(١) صحيح، وهو مخرج في "ظلال الجنة تخريج السنة" لابن أبي عاصم "٢٥١".
[ ٤٣١ ]
لكن إذا من على الإنسان بالإيمان [والعمل] الصالح، فلا (^١) يمنعه موجب ذلك أصلا، بل يعطيه من الثواب والقرب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وحيث منعه ذلك فلانتفاء سببه، وهو العمل الصالح، ولا ريب أنه يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، لكن ذلك كله حكمة منه وعدل، فمنعه للأسباب التي هي الأعمال الصالحة من حكمته وعدله، وأما المسببات بعد وجود أسبابها، فلا يمنعها بحال، إذا لم تكن أسبابا غير صالحة، إما لفساد في العمل، وإما لسبب يعارض موجبه ومقتضاه، فيكون ذلك لعدم المقتضي، أو لوجود المانع. وإذا كان منعه وعقوبته من عدم الإيمان والعمل الصالح، وهو لم يعط ذلك "ابتلاء" وابتداء "إلا" حكمة منه وعدلا، فله الحمد في الحالين، وهو المحمود على كل حال، كل عطاء منه فضل، وكل عقوبة منه عدل، فإن الله تعالى حكيم يضع الأشياء في مواضعها التي تصلح لها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وكما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]، ونحو ذلك. وسيأتي "لذلك" زيادة، إن شاء الله تعالى.
قوله: "والاستطاعة التي يجب بها الفعل، من نحو التوفيق الذي لا [يجوز أن] يوصف المخلوق به [تكون] مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع، والتمكن (^٢) وسلامة الآلات، فهي قبل الفعل، وبما يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ش: الاستطاعة والطاقة والقدرة والوسع، ألفاظ متقاربة، وتنقسم الاستطاعة إلى قسمين، كما ذكره الشيخ ﵀، وهو قول عامة أهل السنة، وهو الوسط. وقالت القدرية والمعتزلة: لا تكون القدرة إلا قبل الفعل، وقابلهم طائفة من أهل السنة [فقالوا لا تكون إلا مع الفعل.
_________________
(١) في الأصل: لا.
(٢) في الأصل: والتمكين.
[ ٤٣٢ ]
والذي قاله عامة أهل السنة]: أن للعبد قدرة هي مناط الأمر والنهي، وهذه قد تكون قبله، لا يجب أن تكون معه، والقدرة التي بها الفعل لا بد أن تكون مع الفعل، لا يجوز أن يوجد الفعل بقدرة معدومة.
وأما القدرة التي من جهة الصحة والوسع، والتمكن وسلامة الآلات، فقد تتقدم الأفعال، وهذه القدرة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. فأوجب الحج على المستطيع، فلو لم يستطع إلا من حج لم يكن الحج قد وجب إلا على من حج، ولم يعاقب أحدا على ترك الحج! وهذا خلاف المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، فأوجب التقوى بحسب الاستطاعة، فلو كان من لم يتق الله لم يستطع التقوى، لم يكن قد أوجب التقوى إلا على من اتقى، ولم يعاقب من لم يتق! وهذا معلوم الفساد، وكذا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، والمراد منه استطاعة الأسباب والآلات وكذا ما حكاه سبحانه من قول المنافقين: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، وكذبهم في ذلك القول، ولو كانوا أرادوا الاستطاعة التي هي حقيقة قدرة الفعل، ما كانوا بنفيهم عن أنفسهم كاذبين، وحيث كذبهم دل "على" أنهم أرادوا بذلك المرض أو فقد المال، على ما بين تعالى بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [التوبة: ٩١]، إلى أن قال: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ [التوبة: ٩٣]. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥]. والمراد: استطاعة الآلات والأسباب. ومن ذلك قوله ﷺ لعمران بن حصين: "صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب" (^١). إنما نفى استطاعة الفعل معها.
وأما ثبوت الاستطاعة التي هي حقيقة القدرة، فقد ذكروا فيها قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]. والمراد نفي حقيقة
_________________
(١) البخاري وغيره "صفة الصلاة" "ص ٥٨، الطبعة الحادية عشرة".
[ ٤٣٣ ]
القدرة، لا نفي الأسباب والآلات، لأنها كانت ثابتة، وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قوله: ولا يطيقون إلا ما كلفهم، إن شاء الله تعالى، وكذا قول صاحب موسى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]. وقوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، والمراد منه حقيقة قدرة الصبر، لا أسباب [الصبر] وآلاته، فإن تلك كانت ثابتة له، ألا ترى أنه عاتبه على ذلك؟ ولا يلام من عدم آلات الفعل وأسبابه على عدم الفعل، وإنما يلام من امتنع من الفعل لتضييع قدرة الفعل، لاشتغاله بغير ما أمر به، أو [لعدم] شغله إياها بفعل ما أمر به، ومن قال: إن القدرة لا تكون إلا حين الفعل، يقولون: إن القدرة لا تصلح للضدين، فإن القدرة المقارنة للفعل لا تصلح إلا لذلك الفعل، وهي مستلزمة له، لا توجد بدونه، وما قالته القدرية، بناء على أصلهم الفاسد، وهو إقدار (^١) الله للمؤمن والكافر والبر والفاجر سواء، فلا يقولون إن الله خص المؤمن المطيع بإعانة حصل بها الإيمان، بل هذا بنفسه رجح الطاعة، وهذا بنفسه رجح المعصية! كالوالد الذي أعطى كل واحد من بنيه سيفا، فهذا جاهد به في سبيل الله، وهذا قطع به الطريق: وهذا القول فاسد باتفاق أهل السنة والجماعة المثبتين للقدر، فإنهم متفقون على أن لله على عبده المطيع نعمة دينية، خصه بها دون الكافر، وأنه أعانه على الطاعة إعانة لم يعن بها الكافر. كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]، فالقدرية يقولون: إن هذا التحبيب والتزيين عام في كل الخلق، وهو بمعنى البيان وإظهار دلائل الحق. والآية تقتضي أن هذا خاص بالمؤمن، ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]. والكفار ليسوا راشدين، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وأمثال هذه الآية في القرآن كثير، يبين أن سبحانه هدى هذا وأضل هذا. قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ
_________________
(١) في الأصل: إقرار.
[ ٤٣٤ ]
فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان، إن شاء الله تعالى.
وأيضا فقول القائل: يرجح بلا مرجح، إن كان لقوله: يرجح، معنى زائد على الفعل، فذاك هو السبب المرجح، وإن لم يكن له معنى زائد كان حال الفاعل قبل وجود الفعل كحاله عند الفعل، ثم الفعل حصل في إحدى الحالتين دون الأخرى بلا مرجح! وهذا مكابرة للعقل!! فلما كان أصل قول القدرية أن فاعل الطاعات وتاركها كلاهما في الإعانة والإقدار سواء، امتنع على أصلهم أن يكون مع الفعل قدرة تخصه؛ لأن القدرة التي تخص الفعل لا تكون للتارك، وإنما تكون للفاعل، ولا تكون القدرة إلا من الله تعالى، وهم لما رأوا أن القدرة لا بد أن تكون قبل الفعل، قالوا: لا تكون مع الفعل، لأن القدرة هي التي يكون بها الفعل والترك، وحال وجود الفعل يمتنع الترك، فلهذا قالوا: القدرة لا تكون إلا قبل الفعل! وهذا باطل مطلقا، فإن وجود الأمر مع عدم بعض شروطه الوجودية ممتنع، بل لا بد أن يكون جميع ما يتوقف عليه الفعل من الأمور الوجودية موجودا عند الفعل. فنقيض قولهم حق، وهو: أن الفعل لا بد أن يكون معه قدرة.
لكن صار أهل الإثبات هنا حزبين: حزب قالوا: لا تكون القدرة إلا معه، ظنا منهم أن القدرة نوع واحد لا يصلح للضدين، وظنا من بعضهم أن القدرة عرض، فلا تبقى زمانين، فيمتنع وجودها قبل الفعل. والصواب: أن القدرة نوعان كما تقدم: نوع مصحح للفعل، يمكن معه الفعل والترك، وهذه هي التي يتعلق بها الأمر والنهي، وهذه تحصل للمطيع والعاصي، وتكون قبل الفعل، وهذه تبقى إلى حين الفعل، إما بنفسها عند من يقول ببقاء الأعراض، وإما بتجدد أمثالها عند من يقول: إن الأعراض لا تبقى زمانين، وهذه قد تصلح للضدين، وأمر الله مشروط بهذه الطاقة، فلا يكلف الله من ليس معه هذه الطاقة، وضد هذه العجز، كما تقدم. وأيضا: فالاستطاعة المشروطة في الشرع أخص من الاستطاعة التي يمتنع الفعل مع عدمها، فإن الاستطاعة الشرعية قد تكون ما يتصور الفعل مع عدمها وإن لم يعجز عنه، فالشارع ييسر على عباده، ويريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، وما جعل عليكم في الدين من حرج، والمريض قد يستطيع القيام مع زيادة
[ ٤٣٥ ]
المرض وتأخر برئه، فهذا في الشرع غير مستطيع؛ لأجل حصول الضرر عليه، وإن كان قد يسمى مستطيعا، فالشارع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل، بل ينظر إلى لوازم ذلك، فإن كان الفعل ممكنا بالمفسدة الراجحة لم تكن هذه استطاعة شرعية، كالذي يقدر على الحج مع ضرر يلحقه في بدنه أو ماله، أو يصلي قائما مع زيادة مرضه، أو يصوم الشهرين مع انقطاعه عن معيشته، ونحو ذلك. فإذا كان الشارع قد اعتبر في المكنة عدم المفسدة الراجحة، فكيف يكلف مع العجز؟ ولكن هذه الاستطاعة مع بقائها إلى حين الفعل لا تكفي في وجود الفعل، ولو كانت كافية لكان التارك كالفاعل، بل لا بد من إحداث إعانة أخرى تقارن، مثل جعل الفاعل مريدا، فإن الفعل لا يتم إلا بقدرة واردة، والاستطاعة المقارنة تدخل فيها الإرادة الجازمة، بخلاف المشروطة في التكليف، فإنه لا يشترط فيها الإرادة، فالله تعالى يأمر بالفعل من لا يريده، لكن لا يأمر به من لو أراده لعجز عنه، وهكذا أمر الناس بعضهم لبعض، فالإنسان يأمر عبده بما لا يريده العبد، لكن لا يأمره بما يعجز عنه العبد، وإذا اجتمعت الإرادة الجازمة والقوة التامة، لزم وجود الفعل، وعلى هذا ينبني تكليف ما لا يطاق، فإن من قال: القدرة لا تكون إلا مع الفعل، يقول: كل كافر وفاسق قد كلف ما لا يطيق. وما لا يطاق يفسر بشيئين: بما لا يطاق للعجز عنه، فهذا لم يكلفه الله أحدا، ويفسر بما لا يطاق للاشتغال بضده، فهذا هو الذي وقع فيه التكليف، كما في أمر العباد بعضهم بعضا، فإنهم يفرقون بين هذا وهذا، فلا يأمر السيد عبده الأعمى بنقط المصاحف! ويأمره إذا كان قاعدا أن يقوم، ويعلم الفرق بين الأمرين بالضرورة.
[ ٤٣٦ ]