والمحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة قدرية كونية خلقية، وإرادة دينية أمرية شرعية، فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضى، والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات.
وهذا كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة الأنعام: ١٢٥]. وقوله تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [سورة هود: ٣٤]. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٣].
وأما الإرادة الدينية الشرعية الأمرية، فكقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة النساء: ٢٦]. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [سورة النساء: ٢٧، ٢٨]. وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة المائدة: ٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [سورة الأحزاء: ٣٣].
فهذه الإرادة هي المذكورة في مثل قول الناس لمن يفعل القبائح: هذا يفعل ما لا يريده الله، أي: لا يحبه ولا يرضاه ولا يأمر به.
وأما الإرادة الكونية فهي الإرادة المذكورة في قول المسلمين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
والفرق ثابت بين إرادة المريد أن يفعل، وبين إرادته من غيره أن يفعل، فإذا أراد الفاعل أن يفعل فعلا فهذه الإرادة معلقة بفعله، وإذا أراد من غيره أن يفعل فعلا
[ ١١٤ ]
فهذه الإرادة لفعل الغير، وكلا النوعين معقول للناس، والأمر يستلزم الإرادة الثانية دون الأولى، فالله تعالى إذا أمر العباد بأمر فقد يريد إعانة المأمور على [ما] أمر به وقد لا يريد ذلك، وإن كان مريدا منه فعله.
وتحقيق هذا مما يبين فصل النزاع في أمر الله تعالى: هل هو مستلزم لإرادته أم لا؟ فهو سبحانه أمر الخلق على ألسن رسله ﵈ بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم، ولكن منهم من أراد أن يخلق فعله، فأراد سبحانه أن يخلق ذلك الفعل ويجعله فاعلا له، ومنهم من لم يرد أن يخلق فعله، فجهة خلقه سبحانه لأفعال العباد وغيرها من المخلوقات، غير جهة أمره للعبد على وجه البيان لما هو مصلحة للعبد أو مفسدة، وهو سبحانه -إذ أمر فرعون وأبا لهب وغيرهما بالإيمان- كان قد بين لهم ما ينفعهم ويصلحهم إذا فعلوه، ولا يلزم إذا أمرهم أن يعينهم، بل قد يكون في خلقه لهم ذلك الفعل وإعانتهم عليه وجه مفسدة من حيث هو فعل له، فإنه يخلق ما يخلق لحكمة، ولا يلزم إذا كان الفعل المأمور به مصلحة للمأمور، إذا فعله أن يكون مصلحة للأمر إذا فعله هو أو جعل المأمور فاعلا له، فأين جهة الخلق من جهة الأمر؟ فالواحد من الناس يأمر غيره وينهاه مريدا النصيحة ومبينا لما ينفعه، وإن كان مع ذلك لا يريد أن يعينه على ذلك الفعل، إذ ليس كل ما كان مصلحتي في أن آمر به غيري وأنصحه يكون مصلحتي في أن أعاونه أنا عليه، بل قد تكون مصلحتي إرادة ما يضاده، فجهة أمره لغيره نصحا غير جهة فعله لنفسه، وإذا أمكن الفرق في حق المخلوقين فهو في حق الله أولى بالإمكان.
والقدرية تضرب مثلا بمن أمر غيره بأمره، فإنه لا بد أن يفعل ما يكون المأمور أقرب إلى فعله، كالبشر والطلاقة وتهيئة المساند والمقاعد ونحو ذلك.
فيقال لهم: هذا يكون على وجهين: أحدهما: أن تكون مصلحة الأمر تعود الى الآمر، كأمر الملك جنده بما يؤيد ملكه، وأمر السيد عبده بما يصلح ملكه، وأمر الإنسان شريكه بما يصلح الأمر المشترك بينهما، ونحو ذلك.
الثاني: أن يكون الآمر يرى الإعانة للمأمور مصلحة له، كالأمر بالمعروف، وإذا أعان المأمور على البر والتقوى فإنه قد علم أن الله يثيبه على إعانته على الطاعة، وأنه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. فأما إذا قدر أن الآمر إنما أمر المأمور
[ ١١٥ ]
لمصلحة المأمور، لا لنفع يعود على الآمر من فعل المأمور، كالناصح المشير، وقدر أنه إذا أعانه لم يكن ذلك مصلحة للآمر، وأن في حصول مصلحة المأمور مضرة على الآمر، مثل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى وقال لموسى ﵇: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [سورة القصص: ٢٠]. فهذا مصلحته في أن يأمر موسى ﵇ بالخروج، لا [في] أن يعينه على ذلك، إذ لو أعانه لضره قومه، ومثل هذا كثير.
وإذا قيل: إن الله أمر العباد بما يصلحهم، لم يلزم من ذلك أن يعينهم على [ما] أمرهم به، لا سيما وعند القدرية لا يقدر أن يعين أحدا على ما به يصير فاعلا. وإذا عللت أفعاله بالحكمة، فهي ثابتة في نفس الأمر، وإن كنا نحن لا نعلمها. فلا يلزم إذا كان نفس الآمر له حكمة في الأمر أن يكون في الإعانة على فعل المأمور به حكمة، بل قد تكون الحكمة تقتضي أن لا يعينه على ذلك، فإنه إذا أمكن في المخلوق أن يكون مقتضى الحكمة والمصلحة أن يأمر لمصلحة المأمور، وأن تكون الحكمة والمصلحة للآمر أن لا يعينه على ذلك، فإمكان ذلك في حق الرب أولى وأحرى.
والمقصود: أنه يمكن في حق المخلوق الحكيم أن يأمر غيره بأمر ولا يعينه عليه، فالخالق أولى بإمكان ذلك في حقه مع حكمته، فمن أمره وأعانه على فعل المأمور كان ذلك المأمور به قد تعلق به خلقه وأمره إنشاء وخلقًا ومحبة، فكان مرادا بجهة الخلق ومرادا بجهة الأمر، ومن لم يعنه على فعل المأمور كان ذلك المأمور قد تعلق به أمره ولم يتعلق به خلقه، لعدم الحكمة المقتضية لتعلق الخلق به، ولحصول الحكمة المقتضية لخلق ضده. وخلق أحد الضدين ينافي خلق الضد الآخر، فإن خلق المرض الذي يحصل به ذل العبد لربه ودعاؤه وتوبته وتكفير خطاياه ويرق به قلبه ويذهب عنه الكبرياء والعظمة والعدوان، يضاد خلق الصحة التي لا تحصل معها هذه المصالح، ولذلك [كان] خلق ظلم الظالم الذي يحصل به للمظلوم من جنس ما يحصل بالمرض - يضاد خلق عدله الذي لا يحصل به هذه المصالح، وإن كانت مصلحته هو في أن يعدل.
وتفصيل حكمة الله ﷿ في خلقه وأمره، يعجز عن معرفته عقول البشر
[ ١١٦ ]
والقدرية دخلوا في التعليل (^١) على طريقة فاسدة: مثلوا الله فيها يخلقه، ولم يثبتوا حكمة تعود إليه.
قوله: "لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام".
ش: قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [سورة طه: ١١٠]. قال في الصحاح: توهمت الشيء: ظننته، وفهمت الشيء: علمته. فمراد الشيخ ﵀: أنه لا ينتهي إليه وهم، ولا يحيط به علم. قيل: الوهم ما يرجى كونه، أي: يظن أنه على صفة كذا، والفهم: هو ما يحصله العقل ويحيط به. والله تعالى لا يعلم كيف هو إلا هو ﷾، وإنما نعرفه سبحانه بصفاته، وهو أنه أحد، صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٥]. ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة الحشر: (٢٣)، ٢٤].
قوله: "ولا يشبهه الأنام".
ش: هذا رد لقول المشبهة، الذين يشبهون الخالق بالمخلوق، ﷾، قال ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: ١١]. وليس المراد نفي الصفات كما يقول أهل البدع فمن كلام أبي حنيفة ﵀ في "الفقه الأكبر": لا يشبه شيئا من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه، ثم قال بعد ذلك: وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا. انتهى. وقال نعيم بن حماد (^٢): من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر،
_________________
(١) في المطبوعة: التعطيل وهو خطأ لأن السياق يأباه.
(٢) هو نعيم بن حماد المروزي أبو عبد الله أول من جمع المسند في الحديث، كان من أعلم الناس بالفرائض، أقام مدة في العراق والحجاز يطلب الحديث ثم سكن مصر. قال الحافظ في "التقريب": صدوق يخطئ كثيرا. مات سنة ثمان وعشرين ومائتين.
[ ١١٧ ]
ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه. وقال إسحاق بن راهويه (^١): من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم. وقال: علامة جهم وأصحابه، دعواهم على أهل السنة والجماعة ما أولعوا به من الكذب: أنهم مشبهة، بل هم المعطلة. وكذلك قال خلق كثير من أئمة السلف: علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة، فإنه ما من أحد من نفاة شيء من الأسماء والصفات إلا يسمي المثبت لها مشبها، فمن أنكر أسماء الله بالكلية من غالية الزنادقة؛ القرامطة والفلاسفة، وقال: أن الله لا يقال له: عالم ولا قادر، يزعم أن من سماه بذلك فهو مشبه، لأن الاشتراك في الاسم يوجب الاشتباه في معناه، ومن أثبت الاسم وقال: هو مجاز، كغالية الجهمية، يزعم أن من قال: إن الله عالم حقيقة، قادر حقيقة؛ فهو مشبه، ومن أنكر الصفات وقال: إن الله ليس له علم ولا قدرة ولا كلام ولا محبة ولا إرادة، قال لمن أثبت الصفات: إنه مشبه، وإنه مجسم. ولهذا كتب نفاة الصفات، من الجهمية والمعتزلة والرافضة ونحوهم كلها مشحونة بتسمية مثبتة الصفات مشبهة ومجسمة، ويقولون في كتبهم: إن من جملة المجسمة قوما يقال لهم: المالكية، ينسبون إلى رجل يقال له: مالك بن أنس، وقوما يقال لهم الشافعية، ينسبون إلى رجل يقال له: محمد بن إدريس!! حتى الذين يفسرون القرآن منهم، كعبد الجبار، والزمخشري، وغيرهما، يسمون كل من أثبت شيئا من الصفات وقال بالرؤية مشبها، وهذا الاستعمال قد غلب عند المتأخرين من غالب الطوائف.
ولكن المشهور من استعمال هذا اللفظ عند علماء السنة المشهورين: أنهم لا يريدون بنفي التشبيه نفي الصفات، ولا يصفون به كل من أثبت الصفات، بل
_________________
(١) هو إسحاق بن إبراهيم التميمي المروزي أبو يعقوب عالم خراسان في عصره قال فيه الخطيب البغدادي: اجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد. روى عنه البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم.
[ ١١٨ ]
مرادهم أنه لا يشبه المخلوق في أسمائه وصفاته وأفعاله، كما تقدم من كلام أبي حنيفة ﵀ أنه تعالى يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: ١١]. فنفى المثل وأثبت الصفة.
وسيأتي في كلام الشيخ إثبات الصفات، تنبيهًا على أنه ليس نفي التشبيه مستلزمًا لنفي الصفات.
ومما يوضح هذا: أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمولي يستوي أفراده، فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يمثل بغيره، ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية يستوي أفرادها، ولهذا لما سلكت طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية، لم يصلوا بها إلى اليقين، بل تناقضت أدلتهم، وغلب عليهم بعد التناهي الحيرة والاضطراب، لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافيها (^١).
ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولى، سواء كان تمثيلًا أو شمولًا، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [سورة النحل: ٦٠]. مثل أن يعلم أن كل كمال للممكن أو للمحدث، لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وهو ما كان كمالًا للوجود غير مستلزم للعدم بوجه؛ فالواجب القديم أولى به. وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه، ثبت نوعه للمخلوق والمربوب المدبر؛ فإنما استفاده من خالقه وربه ومدبره، وهو أحق به منه، وأن كل نقص وعيب في نفسه، وهو ما تضمن سلب هذا الكمال، إذا وجب نفيه عن شيء من أنواع المخلوقات والممكنات والمحدثات؛ فإنه يجب نفيه عن الرب تعالى بطريق الأولى.
ومن أعجب العجب: أن من غلاة نفاة الصفات الذين يستدلون بهذه الآية الكريمة على نفي الصفات والأسماء، ويقولون: واجب الوجود لا يكون كذا ولا يكون كذا، ثم يقولون: أصل الفلسفة هي التشبيه بالإله على قدر الطاقة،
_________________
(١) أصل هذه الكلمة تكافئها، وتسهيل الهمزة حولها إلى ما ترى ومعناها: تساويها.
[ ١١٩ ]
ويجعلون هذا غاية الحكمة ونهاية الكمال الإنساني، ويوافقهم على ذلك بعض من يطلق هذه العبارة، ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: "تخلقوا بأخلاق الله" (^١)، فإذا كانوا ينفون الصفات، فبأي شيء يتخلق العبد على زعمهم؟! وكما أنه لا يشبه شيئا من مخلوقاته تعالى، لا يشبهه شيء من مخلوقاته، لكن المخالف في هذا النصارى والحلولية والاتحادية لعنهم الله تعالى، ونفي مشابهة شيء من مخلوقاته له، مستلزم لنفي مشابهته لشيء من مخلوقاته. فلذلك اكتفى الشيخ ﵀ بقوله ولا يشبهه الأنام، والأنام: الناس، وقيل، كل ذي روح، وقيل: الثقلان. وظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [سورة الرحمن: ١٠]، يشهد للأول أكثر من الباقي. والله أعلم.
قوله: "حي لا يموت قيوم لا ينام".
ش: قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٥]، فنفي السِّنَة والنوم دليل على كمال حياته وقيوميته. وقال تعالى: ﴿الم، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾. وقال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [سورة طه: ١١١]. وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [سورة غافر: ٦٥]، وقال ﷺ: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام" (^٢)، الحديث.
لما نفى الشيخ ﵀ التشبيه، أشار إلى ما تقع به التفرقة بينه وبين خلقه، بما يتصف به تعالى دون خلقه، فمن ذلك أنه حي لا يموت؛ لأن صفة الحياة الباقية مختصة به تعالى، دون خلقه، فإنهم يموتون، ومنه: أنه قيوم لا ينام، إذ هو مختص
_________________
(١) لا نعرف له أصلا في شيء من كتب السنة، ولا في "الجامع الكبير" للسيوطي، نعم أورده في كتابه "تأييد الحقيقة العلية" "ق ٨٩/ ١"، لكنه لم يعزه لأحد!
(٢) رواه مسلم وابن ماجه وأبو سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية" وقد قام بطبعه المكتب الإسلامي، وهو طرف من حديث أبي موسى الأشعري، وسيأتي بتمامه "رقم ١٧١".
[ ١٢٠ ]
بعدم النوم والسنة، دون خلقه، فإنهم ينامون، وفي ذلك إشارة إلى [أن] نفي التشبيه ليس المراد منه نفي الصفات، بل هو سبحانه موصوف بصفات الكمال، لكمال ذاته، فالحي بحياة باقية لا يشبه الحي بحياة زائلة، ولهذا كانت الحياة الدنيا متاعا ولهوا ولعبا، وأن الدار الآخرة لهي الحيوان، فالحياة الدنيا كالمنام، والحياة الآخرة كاليقظة، ولا يقال: فهذه الحياة الآخرة كاملة، وهي للمخلوق؛ لأنا نقول: الحي الذي الحياة من صفات ذاته اللازمة لها، هو الذي وهب المخلوق تلك الحياة الدائمة، فهي دائمة بإدامة الله لها، لا أن الدوام وصف لزم لها لذاتها، بخلاف حياة الرب تعالى، وكذلك سائر صفاته، فصفات الخالق كما يليق به، وصفات المخلوق كما يليق به.
واعلم أن هذين الاسمين، أعني: الحي القيوم مذكوران في القرآن معا في ثلاث سور كما تقدم، وهما من أعظم أسماء الله الحسنى، حتى قيل: أنهما الاسم الأعظم، فإنهما يتضمنان إثبات صفات الكمال أكمل تضمن وأصدقه، ويدل القيوم على معنى الأزلية والأبدية ما لا يدل عليه لفظ القديم، ويدل أيضا على كونه موجودا بنفسه، وهو معنى كونه واجب الوجود، والقيوم أبلغ من "القيام" لأن الواو أقوى من الألف، ويفيد قيامه بنفسه، باتفاق المفسرين وأهل اللغة، وهو معلوم بالضرورة، وهل تفيد إقامته لغيره وقيامه عليه؟ فيه قولان، أصحهما: أنه يفيد ذلك، وهو يفيد دوام قيامه [وكل (^١) قيامه]، لما فيه من المبالغة، فهو سبحانه لا يزول [و] لا يأفل، فإن الآفل قد زال قطعا، أي: لا يغيب ولا ينقص ولا يفنى ولا يعدم، بل هو الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزال، موصوفا بصفات الكمال. واقترانه بالحي يستلزم سائر صفات الكمال، ويدل على دوامها وبقائها، وانتفاء النقص والعدم عنها أزلا وأبدا، ولهذا كان قوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أعظم آية في القرآن، كما ثبت ذلك في "الصحيح" عن النبي ﷺ (^٢)، فعلى هذين الاسمين مدار الأسماء الحسنى كلها، وإليهما ترجع معانيها.
_________________
(١) كذا في النسخ المطبوعة ولعل الأجود، وكمال قيامه.
(٢) رواه مسلم "٢/ ١٩٩" عن أبي بن كعب.
[ ١٢١ ]
فإن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال، فلا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة، فإذا كانت حياته تعالى أكمل حياة وأتمها، استلزم إثباتها إثبات كل كمال يضاد نفيه كمال الحياة، وأما القيوم فهو متضمن كمال غناه وكمال قدرته، فإنه القائم بنفسه، فلا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه، المقيم لغيره، فلا قيام لغيره إلا بإقامته، فانتظم هذان الاسمان صفات الكمال أتم انتظام.
قوله: "خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة".
ش: قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [سورة فاطر: ١٥]. ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [سورة محمد: ٣٨]. ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [سورة الأنعام: ١٤]. وقال ﷺ، من حديث أبي ذر ﵁: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، [يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئا]، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص (^١) المخيط اذا أدخل البحر". الحديث. رواه مسلم (^٢). وقوله: بلا مؤنة. بلا ثقل ولا كلفة.
قوله: "مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة".
ش: الموت صفة وجودية، خلافا للفلاسفة ومن وافقهم، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [سورة الملك: ٢]، والعدم لا
_________________
(١) نقص يأتي لازما مثل نقص المال، ومتعديا كما هو هنا، والمفعول به محذوف، وتقديره: ينقص المخيط ماء البحر.
(٢) "صحيح مسلم" "٨/ ١٧"، ورواه أحمد أيضا "٥/ ١٦٠".
[ ١٢٢ ]
يوصف بكونه مخلوقا، وفي الحديث: أنه "يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار" (^١). وهو وإن كان عرضا فالله تعالى يقلبه عينا، كما ورد في العمل الصالح: "أنه يأتي صاحبه في صورة الشاب الحسن، والعمل القبيح على أقبح صورة" (^٢). وورد في القرآن: "أنه يأتي على صورة الشاب الشاحب اللون" (^٣)، الحديث. أي قراءة القارئ، وورد في الأعمال: "أنها توضع في الميزان" (^٤)، والأعيان هي التي تقبل الوزن دون الأعراض، وورد في سورة البقرة وآل عمران: أنهما يوم القيامة "يظلان صاحبهما كأنهما غمامتان أو غيايتان (^٥) أو فرقان (^٦) من طير صواف (^٧) " (^٨)، وفي الصحيح: أن أعمال العباد تصعد إلى السماء (^٩) وسيأتي الكلام على البعث والنشور، إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري وغيره.
(٢) يشير إلى حديث البراء في عذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين، وهو حديث طويل سيأتي في آخر الكتاب بتمامه في بحث عذاب القبر ص ٣٩٦.
(٣) رواه الدارمي "٢/ ٤٥٠ - ٤٥١"، وابن ماجه "٣٧٨١"، وأحمد "٥/ ٣٤٨، ٣٥٢"، وابن عدي في "الكامل" "٣٥/ ١"، والحاكم "١/ ٢٥٦" من حديث بريدة بن الحصيب مرفوعا بلفظ: "يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب فيقول لصاحبه: أنا الذي أسهرت ليلك، وأظمأت هواجرك". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" وبيض له الذهبي. وقال البوصيري في "الزوائد": "إسناده صحيح". قلت: لا، فإن فيه بشير من المهاجر، وهو صدوق لين الحديث، كما قال الحافظ في "التقريب" فمثله يحتمل حديثه التحسين، أما التصحيح فهو بعيد.
(٤) فيه أحاديث كثيرة، سيذكرها المؤلف في آخر الكتاب.
(٥) الغيايتان: أدون من الغمامتان في الكثافة، وأقرب إلى رأس صاحبهما.
(٦) الفرقان بكسر الفاء: طائفتان.
(٧) أي: باسطات أجنحتها متصلا بعضها ببعض.
(٨) رواه مسلم عن أبي أمامة، والحاكم عن بريدة.
(٩) روى البخاري "١/ ٢٠٥ - طبع أوروبا" عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: كنا نصلى يوما وراء النبي ﷺ فلما رفع رأسه من الركعة قال: "سمع الله لمن حمده"، قال رجل وراءه: ربنا =
[ ١٢٣ ]
قوله: "ما زال بصفاته قديما قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزليا، كذلك لا يزال عليها أبديا".
ش: أي: أن الله ﷾ لم يزل متصفا بصفات الكمال: صفات الذات وصفات الفعل، ولا يجوز أن يعتقد أن الله وصف بصفة بعد أن لم يكن متصفا بها، لأن صفاته سبحانه صفات كمال، وفقدها صفة نقص، ولا يجوز أن يكون قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفا بضده، ولا يرد على هذه صفات الفعل والصفات الاختيارية ونحوها، كالخلق والتصوير، والإماتة والإحياء، والقبض والبسط والطي، والاستواء والإتيان والمجيء، والنزول، والغضب والرضى، ونحو ذلك مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، وإن كنا لا ندرك كنهه وحقيقته التي هي تأويله، ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، ولكن أصل معناه معلوم لنا، كما قال الإمام مالك ﵁، لما سئل عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [سورة الأعراف: ٥٤] وغيرها: كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول (^١). وإن كانت هذه الأحوال تحدث في وقت دون وقت، كما في حديث الشفاعة: "إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله" (^٢)؛ لأن هذا الحدوث بهذا
_________________
(١) = لك الحمد، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فلما انصرف قال: "من المتكلم؟ " قال: أنا، قال: "رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول". ورواه الترمذي "٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥"، والنسائي "١/ ١٤٧" من طريق أخرى عن رفاعة به نحوه بلفظ: "لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكا أيهم يصعد بها"، وقال الترمذي: حديث حسن. قلت: وإسناده جيد، وله شاهد من حديث عبد الله بن أبي أوفى نحوه وفيه: "والله قد رأيت كلامك يصعد في السماء حتى فتح باب فدخل فيه"، أخرجه أحمد "٤/ ٣٥٥، ٣٥٦" وابنه في زوائده، ورجاله ثقات غير عبد الله بن سعيد، ذكره ابن حبان في "الثقات" "١/ ١٠٤ - ١٠٥".
(٢) اقتصر المؤلف من جواب الإمام مالك على هذا، وتتمته: "والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" يعني السؤال عن كيفية الاستواء، وقوله: "معلوم" هذا هو الثابت في جواب مالك ﵀، وأما ما يلهج به بعض المبتدعة أنه بلفظ: "مذكور" فلا أصل له، كما بينته في "مختصر العلو" "ص ١٤٢ - طبع المكتب الإسلامي".
(٣) هو في "الصحيحين" وغيرهما وسيأتي بتمامه ص ٢٢٩.
[ ١٢٤ ]
الاعتبار غير ممتنع، ولا يطلق [عليه] أنه حدث بعد أن لم يكن، ألا ترى أن من تكلم اليوم وكان متكلمًا بالأمس لا يقال: إنه حدث له الكلام، ولو كان غير متكلم؛ لأنه لآفة كالصغر (^١)، والخرس، ثم تكلم يقال: حدث له الكلام، فالساكت لغير آفة يسمى متكلما بالقوة، بمعنى أنه يتكلم إذا شاء، وفي حال تكلمه يسمى متكلما بالفعل، وكذلك الكاتب في حال الكتابة هو كاتب بالفعل، ولا يخرج عن كونه كاتبا في حال عدم مباشرته الكتابة.
وحول الحوادث بالرب تعالى، المنفي في علم الكلام المذموم، لم يرد نفيه ولا إثباته في كتاب ولا سنة، وفيه إجمال: فإن أريد بالنفي أنه سبحانه لا يحل في ذاته المقدسة لشيء من مخلوقاته المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن، فهذا نفي صحيح، وإن أريد [به] نفي الصفات الاختيارية، من أنه لا يفعل ما يريد، ولا يتكلم بما شاء إذا شاء، ولا أنه يغضب ويرضى لا كأحد من الورى، ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول والاستواء والإتيان كما يليق بجلاله وعظمته، فهذا نفي باطل.
وأهل الكلام المذموم يطلقون نفي حلول الحوادث، فيسلم السني للمتكلم ذلك، على ظن أنه نفى عنه سبحانه ما لا يليق بجلاله، فإذا سلم له هذا النفي ألزمه نفي الصفات الاختيارية وصفات الفعل، وهو [غير] لازم له، وإنما أتي السني من تسليم هذا النفي المجمل، وإلا فلو استفسر واستفصل لم ينقطع معه.
وكذلك مسألة الصفة: هل هي زائدة على الذات أم لا؟ لفظها مجمل، وكذلك لفظ الغير، فيه إجمال، فقد يراد [به] ما ليس هو إياه، وقد يراد به ما جاز مفارقته له.
ولهذا كان أئمة السنة رحمهم الله تعالى لا يطلقون على صفات الله وكلامه أنه غيره، ولا أنه ليس غيره؛ لإن إطلاق الإثبات قد يشعر أن ذلك مباين له، وإطلاق النفي قد يشعر بأنه هو هو، إذا كان لفظ الغير فيه إجمال، فلا يطلق إلا مع البيان والتفصيل: فإن أريد به أن هناك ذاتا مجردة قائمة بنفسها منفصلة عن الصفات الزائدة عليها، فهذا غير صحيح، وإن أريد به أن الصفات زائدة على الذات التي
_________________
(١) في المطبوعة كالصغير.
[ ١٢٥ ]
يفهم من معناها غير ما يفهم من معنى الصفة، فهذا حق، ولكن ليس في الخارج ذات مجردة عن الصفات، بل الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها لا تنفصل عنها، وإنما يفرض الذهن (^١) ذاتا وصفة، كلا وحده، ولكن ليس في الخارج ذات غير موصوفة، فإن هذا محال، ولو لم يكن إلا صفة الوجود، فإنها لا تنفك عن الموجود، وإن كان الذهن يفرض ذاتا ووجودا، يتصور هذا وحده، وهذا وحده، لكن لا ينفك أحدهما عن الآخر في الخارج.
وقد يقول بعضهم: الصفة لا عين الموصوف ولا غيره، هذا له معنى صحيح، وهو: أن الصفة ليست عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن مجردة بل هي غيرها، وليست غير الموصوف، بل الموصوف بصفاته شيء واحد غير متعدد، فإذا قلت: أعوذ بالله فقد عذت بالذات المقدسة الموصوفة بصفات الكمال المقدسة الثابتة التي لا تقبل الانفصال بوجه من الوجوه.
وإذا قلت: أعوذ بعزة الله، فقد عذت بصفة من صفات الله تعالى، ولم أعذ بغير الله، وهذا المعنى يفهم من لفظ الذات، فإن ذات في أصل معناها لا تستعمل إلا مضافة، أي: ذات وجود، ذات قدرة، ذات عز، ذات علم، ذات كرم، إلى غير ذلك من الصفات، فذات كذا بمعنى صاحبة كذا: تأنيث ذو، هذا أصل معنى الكلمة، فعلم أن الذات لا يتصور انفصال الصفات عنها بوجه من الوجوه، وإن كان الذهن قد يفرض ذاتا مجردة عن الصفات، كما يفرض المحال، و[قد] قال ﷺ: "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" (^٢). وقال ﷺ: "أعوذ
_________________
(١) في المطبوعة وإنما يعرض للذهن ذات وهو خطأ.
(٢) صحيح، أخرجه مسلم رقم "٢٢٠٢"، ونصه بتمامه: عن عثمان ابن أبي العاص الثقفي أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعا في جسده منذ أسلم. فقال رسول الله ﷺ: "ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم الله ثلاثا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر"، ورواه مالك في "الموطأ" "٢/ ٩٤٢/ ٩"، وعنه أبو داود رقم "٣٨٩١" والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. بلفظ: "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد"، دون لفظة: "وأحاذر"، وكذلك رواه أحمد "٤/ ٢١٧ و٦/ ٣٩٠"، والحاكم "١/ ٣٤٣"، وزاد "في كل مسحة"، وقال: "صحيح الإسناد"، وهو كما قال.
[ ١٢٦ ]
بكلمات الله التامات من شر ما خلق" (^١). ولا يعوذ ﷺ بغير الله. وكذا قال ﷺ: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك" (^٢). وقال ﷺ: "ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا" (^٣). وقال ﷺ: "أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات" (^٤).
وكذلك قولهم: الاسم عين المسمى أو غيره؟ وطالما غلط كثير من الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه؛ فالاسم يراد به المسمى تارة، [و] يراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحيم من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم ها هنا [هو المراد لا] المسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال. فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى.
والشيخ ﵀ أشار بقوله: ما زال بصفاته قديما قبل خلقه إلى آخر كلامه إلى الرد على المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الشيعة، فإنهم قالوا: إنه تعالى صار قادرا على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادرا عليه؛ لكونه صار الفعل والكلام ممكنا بعد أن كان ممتنعا، وأنه انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي! وعليّ بن كلاب والأشعري ومن وافقهما، فإنهم قالوا: إن الفعل صار ممكنا له بعد أن
_________________
(١) صحيح: أخرجه مسلم "٢٧٠٨"، وأبو داود "٣٨٩٨ و٣٨٩٩" وغيره، وسنده صحيح.
(٢) رواه مسلم وغيره، وهو من أدعية السجود.
(٣) صحيح، أخرجه أبو داود "٥٠٧٤" وأحمد "٢/ ٥٢" بسند صحيح، وهو من أدعية الصباح والمساء.
(٤) ضعيف، رواه ابن إسحاق بسند ضعيف معضل، وقد رواه بعضهم عنه بإسناده موصولا، لكن فيه عنعنته، وهو مخرج في "تخريج فقه السيرة" "ص ١٣٢"، وفي "الضعيفة" "٢٩٣٣".
[ ١٢٧ ]
كان ممتنعا منه، وأما الكلام عندهم فلا يدخل تحت المشيئة والقدرة، بل هو شيء واحد لازم لذاته.
وأصل هذا الكلام من الجهمية، فإنهم قالوا: إن دوام الحوادث ممتنع، وإنه يجب أن يكون للحوادث مبدأ، لامتناع حوادث لا أول لها، فيمتنع أن يكون الباري ﷿ لم يزل فاعلا متكلما بمشيئة، بل يمتنع أن يكون قادرا على ذلك؛ لأن القدرة على الممتنع ممتنعة! وهذا فاسد، فإنه يدل على امتناع حدوث العالم وهو حادث، والحادث إذا حدث بعد أن لم يكن محدثا فلا بد أن يكون ممكنا، والإمكان ليس له وقت محدود، وما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت فيه، وليس لإمكان الفعل وجوازه وصحته مبدأ ينتهي إليه، فيجب أنه لم يزل الفعل ممكنا جائزا صحيحا، فيلزم أنه لم يزل الرب قادرا عليه، فيلزم جواز حوادث لا نهاية لأولها.
قالت الجهمية ومن وافقهم: نحن لا نسلم أن إمكان الحوادث لا بداية له، لكن نقول، إمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا بداية له، وذلك لأن الحوادث عندنا تمتنع أن تكون قديمة النوع، [بل] يجب حدوث نوعها ويمتنع قدم نوعها، لكن لا يجب الحدوث في وقت بعينه، فإمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا أول له، بخلاف جنس الحوادث.
فيقال لهم: هب أنكم تقولون ذلك، لكن يقال: إمكان جنس الحوادث عندكم له بداية، فإنه صار جنس الحدوث عندكم ممكنا بعد أن لم يكن ممكنا، وليس لهذا الإمكان وقت معين، بل ما من وقت يفرض إلا والإمكان ثابت قبله، فيلزم دوام الإمكان، وإلا لزم انقلاب الجنس من الامتناع إلى الإمكان من غير حدوث شيء. ومعلوم أن انقلاب حقيقة جنس الحدوث أو جنس الحوادث، أو جنس الفعل، أو جنس الأحداث، أو ما أشبه هذا من العبارات من الامتناع إلى الإمكان، وهو مصير ذلك ممكنا جائزا بعد أن كان ممتنعا من غير سبب تجدد، وهذا ممتنع في صريح العقل، وهو أيضا انقلاب الجنس من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، فإن ذات جنس الحوادث عندهم تصير ممكنة بعد أن كانت ممتنعة، وهذا الانقلاب لا يختص بوقت معين، فإنه ما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت قبله، فيلزم أنه لم يزل هذا الانقلاب ممكنا، فيلزم أنه لم يزل الممتنع ممكنا! وهذا أبلغ في
[ ١٢٨ ]
الامتناع من قولنا: لم يزل الحادث ممكنًا، فقد لزمهم فيما فروا إليه أبلغ مما لزمهم فيما فروا منه! فإنه يعقل كون الحادث ممكنًا، ويعقل أن هذا الإمكان لم يزل، وأما كون الممتنع ممكنًا فهو ممتنع في نفسه، فكيف إذا قيل: لم يزل إمكان هذا الممتنع؟! وهذا مبسوط في موضعه.
فالحاصل: أن نوع الحوادث هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أم لا؟ أو في المستقبل فقط؟ أو الماضي فقط؟
فيه ثلاثة أقوال معروفة لأهل النظر من المسلمين وغيرهم:
أضعفها: قول من يقول، لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل، كقول جهم بن صفوان وأبي الهديل العلاف.
وثانيها قول من يقول: يمكن دوامها في المستقبل دون الماضي، كقول كثير من أهل الكلام ومن وافقهم من الفقهاء وغيرهم.
والثالث: قول من يقول: يمكن دوامها في الماضي والمستقبل، كما يقوله أئمة الحديث، هي [من] المسائل الكبار، ولم يقل أحد يمكن دوامها في الماضي دون المستقبل.
ولا شك أن جمهور العالم من جميع الطوائف يقولون: إن كل ما سوى الله تعالى مخلوق كائن بعد أن لم يكن، وهذا قول الرسل وأتباعهم من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم.
ومن المعلوم بالفطرة أن كون المفعول مقارنًا لفاعله لم يزل ولا يزال معه ممتنع [محال]، ولما كان تسلسل الحوادث في المستقبل لا يمنع أن يكون الرب سبحانه هو الآخر الذي ليس بعده شيء، فكذا تسلسل الحوادث في الماضي لا يمنع أن يكون ﷾ هو الأول الذي ليس قبله شيء، فإن الرب ﷾ لم يزل ولا يزال، يفعل ما يشاء ويتكلم إذا يشاء، قال تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [سورة آل عمران: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٣]. وقال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [سورة البروج: ١٥، ١٦]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [سورة لقمان: ٢٧]. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي
[ ١٢٩ ]
لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩].
والمثبت إنما هو الكمال (^١) الممكن الوجود، وحينئذ فإذا كان النوع دائما فالممكن والأكمل هو التقدم (^٢) على كل فرد من الأفراد بحيث لا يكون في أجزاء العالم شيء يقارنه بوجه من الوجوه.
وأما دوام الفعل فهو أيضا من الكمال، فإن الفعل إذا كان صفة كمال فدوامه دوام كمال.
قالوا: والتسلسل لفظ مجمل، لم يرد بنفيه ولا إثباته كتاب ولا سنة، ليجب مراعاة لفظه، وهو ينقسم إلى واجب وممتنع وممكن، فالتسلسل في المؤثرين محال ممتنع لذاته، وهو أن يكون مؤثرون كل واحد منهم استفاد تأثيره مما قبله لا إلى غاية.
والتسلسل الواجب: ما دل عليه العقل والشرع، من دوام أفعال الرب تعالى في الأبد، وأنه كلما انقضى لأهل الجنة نعيم أحدث لهم نعيما آخر لا نفاد له، وكذلك التسلسل في أفعاله سبحانه من طرف الأزل، وأن كل فعل مسبوق بفعل آخر، فهذا واجب في كلامه، فإنه لم يزل متكلما إذا شاء، ولم تحدث له صفة الكلام في وقت، وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته، فإن كل حي فعال، والفرق بين الحي والميت: الفعل، ولهذا قال غير واحد من السلف: الحي الفعال، وقال عثمان بن سعيد: كل حي فعال، ولم يكن ربنا تعالى قط في وقت من الأوقات معطلا عن كماله، من الكلام والإرادة والفعل.
وأما التسلسل الممكن: فالتسلسل في مفعولاته من هذا الطرف، كما تتسلسل في طرف الأبد، فإنه إذا لم يزل حيا قادرا مريدا متكلما، وذلك من لوازم ذاته، فالفعل ممكن له بموجب هذه الصفات له، وأن يفعل أكمل من أن لا يفعل، ولا يلزم من هذا أنه لم يزل الخلق معه، فإنه سبحانه متقدم على كل فرد من مخلوقاته تقدما لا أول له، فلكل مخلوق أول، والخالق سبحانه لا أول له، فهو وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن.
_________________
(١) في المطبوعة: الكلام وهو خطأ.
(٢) في المطبوعة: هو القديم وهو خطأ.
[ ١٣٠ ]
قالوا: وكل قول سوى هذا فصريح العقل يرده ويقضي ببطلانه، وكل من اعترف بأن الرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل لزمه أحد أمرين، لا بد له منهما: إما أن يقول بأن الفعل لم يزل ممكنا، وإما أن يقول لم يزل واقعا، وإلا تناقض تناقضا بينا، حيث زعم أن الرب تعالى لم يزل قادرا على الفعل، والفعل محال ممتنع لذاته، لو أراده لم يمكن وجوده، بل فرض إرادته عنده محال وهو مقدور له، وهذا قول ينقض بعضه بعضا.
والمقصود: أن الذي دل عليه الشرع والعقل، أن كل ما سوى الله تعالى محدث كائن بعد أن لم يكن، أما كون الرب تعالى لم يزل معطلا عن الفعل ثم فعل، فليس في الشرع ولا في العقل ما يثبته، بل كلاهما يدل على نقيضه.
وقد أورد أبو المعالي في إرشاده وغيره من النظار على التسلسل في الماضي، فقالوا: إنك لو قلت: لا أعطيك درهما إلا أعطيك بعده درهما، كان هذا ممكنا، ولو قلت: لا أعطيك درهما حتى أعطيك قبله درهما، كان هذا ممتنعا.
وهذا التمثيل والموازنة غير صحيحة، بل الموازنة الصحيحة أن تقول: ما أعطيتك درهما إلا أعطيتك قبله درهما، فتجعل ماضيا قبل ماض، كما جعلت هناك مستقبلا بعد مستقبل، وأما قول القائل: لا أعطيك حتى أعطيك قبله، فهو نفي للمستقبل حتى يحصل في المستقبل ويكون قبله، فقد نفى المستقبل حتى يوجد المستقبل، وهذا ممتنع، أما نفي الماضي حتى يكون قبله ماض، فإن هذا ممكن، والعطاء المستقبل ابتداؤه من المستقبل (^١)، والمعطى (^٢) الذي له ابتداء وانتهاء لا يكون قبله ما لا نهاية له، فإن ما لا نهاية له فيما يتناهى ممتنع.
قوله: "ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم "الخالق" ولا بأحداثه البرية استفاد اسم "الباري"".
ش: ظاهر كلام الشيخ ﵀ أنه يمنع تسلسل الحوادث في الماضي، ويأتي في
_________________
(١) في المطبوعة: إيتاؤه من المعطي.
(٢) في المطبوعة: والمستقبل.
[ ١٣١ ]
كلامه ما يدل على أنه لا يمنعه في المستقبل، وهو قوله والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان، وهذا مذهب الجمهور كما تقدم، ولا شك في فساد قول من منع ذلك في الماضي والمستقبل، كما ذهب إليه الجهم وأتباعه، وقال بفناء الجنة والنار، لما يأتي من الأدلة إن شاء الله تعالى.
وأما قول من قال بجواز حوادث لا أول لها، من القائلين بحوادث لا آخر لها، فأظهر في الصحة من قول من فرق بينهما، فإنه سبحانه لم يزل حيا، والفعل من لوازم الحياة، فلم يزل فاعلا لما يريد، كما وصف بذلك نفسه، حيث يقول: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [سورة البروج: ١٥، ١٦].
والآية تدل على أمور:
أحدها: أنه تعالى يفعل بإرادته ومشيئته.
الثاني: أنه لم يزل كذلك، لأنه ساق ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه، [و] أن ذلك من كماله سبحانه، ولا يجوز أن يكون عادما لهذا الكمال في وقت من الأوقات. وقد قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل: ١٧]. ولما كان من أوصاف كماله ونعوت جلاله لم يكن حادثا بعد أن لم يكن.
الثالث: أنه إذا أراد شيئا فعله، فإن ما موصولة عامة، أي: يفعل كل ما يريد أن يفعله، وهذا في إرادته المتعلقة بفعله، وأما إرادته المتعلقة بفعل العبد فتلك لها شأن آخر، فإن أراد فعل العبد ولم يرد من نفسه أن يعينه عليه ويجعله فاعلا لم يوجد الفعل وإن أراده حتى يريد من نفسه أن يجعله فاعلا، وهذه هي النكتة التي خفيت على القدرية والجبرية، وخبطوا في مسألة القدر، لغفلتهم عنها، وفرق بين إرادته أن يفعل العبد وإرادة أن يجعله فاعلا، وسيأتي الكلام على مسألة القدر في موضعه إن شاء الله تعالى.
الرابع: أن فعله وإرادته متلازمان، فما أراد أن يفعل فعل، وما فعله فقد أراده. بخلاف المخلوق، فإنه يريد ما لا يفعل، [وقد يفعل] ما لا يريده، فما ثم فعال لما يريد إلا الله وحده.
الخامس: إثبات إرادات متعددة بحسب الأفعال، وأن كل فعل له إرادة
[ ١٣٢ ]
تخصه، هذا هو المعقول في الفطر، فشأنه سبحانه أنه يريد على الدوام ويفعل ما يريد.
السادس: أن كل ما صح أن تتعلق به إرادته جاز فعله، فإذا أراد أن ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وأن يجيء يوم القيامة لفصل القضاء، وأن يري عباده نفسه، وأن يتجلى لهم كيف شاء، ويخاطبهم، ويضحك إليهم، وغير ذلك مما يريد سبحانه، لم يمتنع عليه فعله، فإنه تعالى فعال لما يريد. وإنما يتوقف صحة ذلك على إخبار الصادق به، فإذا أخبر وجب التصديق، وكذلك محو ما يشاء، وإثبات ما يشاء، كل يوم هو في شأن، ﷾.
والقول بأن الحوادث لها أول، يلزم منه التعطيل قبل ذلك، وأن الله ﷾ لم يزل غير فاعل ثم صار فاعلا، ولا يلزم من ذلك قدم العالم؛ لأن كل ما سوى الله تعالى محدث ممكن الوجود، موجود بإيجاد الله تعالى له، ليس له من نفسه إلا العدم، والفقر والاحتياج وصف ذاتي لازم لكل ما سوى الله تعالى، والله تعالى واجب الوجود لذاته، غني لذاته، والغنى وصف ذاتي لازم له ﷾.
والناس قولان في هذا العالم: هل هو مخلوق من مادة أم لا؟ واختلفوا في أول هذا العالم ما هو؟ وقد قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [سورة هود: ٧].
وروى البخاري وغيره عن عمران بن حصين ﵁، قال: قال أهل اليمن لرسول الله ﷺ: جئناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن [أول] هذا الأمر، فقال: "كان الله ولم يكن شيء قبله" (^١)، وفي رواية: "ولم يكن شيء معه"،
_________________
(١) صحيح: ورواية "معه" لم أجدها عند البخاري، وقد أخرج الحديث في موضعين من "صحيحه": "بدء الخلق" و"التوحيد" بالروايتين الأخيرتين: "قبله" و"غيره"، وبالأخرى منهما أخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" "٦ و٢٧٠"، ورواه أحمد "٤/ ٤٣١" بالرواية الأولى منهما، لكن بلفظ "كان الله ﵎ قبل كل شيء"، وعزاه الذهبي في "مختصر العلو" "٩٨/ ٤٠" للبخاري وقال "حديث صحيح"! انظر المقدمة "ص ٢٧"، وكلام الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث يشعر بأن هذه الرواية معه" لم يقف عليها، فقد قال "٦/ ٢٠٦": "تنبيه": وقع في بعض الكتب في هذا الحديث: "كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان" وهي زيادة ليست في شيء من كتاب الحديث، نبه على ذلك العلامة تقي الدين ابن تيمية، وهو مسلم في قوله: "وهو الآن إلى آخره"، وأما لفظ: "ولا شيء معه"، فرواية الباب بلفظ: "ولا شيء غيره بمعناها". قلت: فلو كان عند الحافظ علم بهذه الرواية لذكرها، واستغنى بذلك عن الاحتجاج عليها بمعنى الرواية التي ذكرها، كما هو ظاهر، والله أعلم.
[ ١٣٣ ]
وفي رواية غيره: وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض، وفي لفظ: ثم خلق السماوات والأرض، فقوله: "كتب في الذكر"، [يعني اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] من بعد الذكر يسمى ما يكتب في الذكر ذكرا]، كما يسمى ما يكتب في الكتاب كتابا.
والناس في هذا الحديث على قولين: منهم من قال: إن المقصود إخباره بأن الله كان موجودا وحده ولم يزل كذلك دائما، ثم ابتدأ أحداث جميع الحوادث، فجنسها وأعيانها مسبوقة بالعدم، وأن جنس الزمان حادث لا في زمان، وأن الله صار فاعلا بعد أن لم يكن يفعل شيئا من الأزل إلى حين ابتداء الفعل كان الفعل ممكنا، والقول الثاني: المراد إخباره عن مبدأ خلق هذا العالم المشهود الذي خلقه الله في ستة أيام ثم استوى على العرش، كما أخبر القرآن بذلك في غير موضع، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "قدر الله تعالى مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء" (^١). فأخبر ﷺ "أن تقدير هذا العالم المخلوق في ستة أيام كان قبل خلقه السماوات بخمسين ألف سنة، وأن عرش الرب تعالى كان حينئذ على الماء".
دليل صحة هذا القول الثاني من وجوه: أحدها: أن قول أهل اليمن
_________________
(١) صحيح. وأخرجه أيضا أحمد "٢/ ١٦٩" والترمذي، وصححه دون قوله: "وكان عرشه … "، وهو رواية لمسلم، ورواه البيهقي في "الأسماء" "٢٦٩"، وفي رواية له: "فرغ الله ﷿ من المقادير وأمور الدنيا قبل أن يخلق السموات والأرض وعرشه على الماء بخمسين ألف سنة".
[ ١٣٤ ]
"جئناك لنسألك عن أول هذا الأمر"، وهو إشارة إلى حاضر مشهود موجود، والأمر هنا بمعنى المأمور، أي الذي كونه الله بأمره، وقد أجابهم النبي ﷺ عن بدء هذا العالم الموجود، لا عن جنس المخلوقات، لأنهم لم يسألوه عنه، وقد أخبرهم عن خلق السماوات والأرض حال كون عرشه على الماء، ولم يخبرهم عن خلق العرش، وهو مخلوق قبل خلق السماوات والأرض، وأيضا فإنه قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله"، وقد روي معه، وروي غيره، والمجلس كان واحدا، فعلم أنه قال أحد الألفاظ والآخران رؤيا بالمعنى، ولفظ "القبل" ثبت عنه في غير هذا الحديث، ففي حديث مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: أنه كان يقول في دعائه: "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء" (^١)، الحديث. واللفظان الآخران لم يثبت واحد منهما في موضع آخر، ولهذا كان كثير من أهل الحديث إنما يرويه بلفظ القبل، كالحميدي والبغوي وابن الأثير. وإذا كان كذلك لم يكن في هذا اللفظ تعرض لابتداء الحوادث، ولا لأول مخلوق. وأيضا فإنه يقال: "كان الله ولم يكن شيء قبله أو معه أو غيره، وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء". فأخبر عن هذه الثلاثة بالواو، و"خلق السماوات والأرض" روي بالواو وبثم، فظهر أن مقصوده إخباره إياهم ببدء خلق السماوات والأرض وما بينهما، وهي المخلوقات التي خلقت في ستة أيام، لا ابتداء خلق ما خلقه الله قبل ذلك، وذكر السماوات والأرض بما يدل على خلقهما، وذكر ما قبلهما بما يدل على كونه ووجوده، ولم يتعرض لابتداء خلقه له، وأيضا فإنه إذا كان الحديث قد ورد بهذا وهذا، فلا يجزم بأحدهما إلا بدليل، فإذا رجح أحدهما فمن جزم بأن الرسول أراد المعنى الآخر فهو مخطئ قطعا، ولم يأت في الكتاب ولا في السنة ما يدل على المعنى الآخر، فلا يجوز إثباته بما يظن أنه معنى الحديث، ولم يرد كان الله ولا شيء معه مجردا، وإنما ورد على السياق المذكور، فلا يظن أن معناه الإخبار بتعطيل الرب تعالى دائما عن الفعل حتى خلق السماوات والأرض، وأيضا فقوله ﷺ: "كان الله ولا شيء قبله - أو معه، أو غيره - وكان عرشه على
_________________
(١) صحيح، وتقدم.
[ ١٣٥ ]
الماء"، لا يصح أن يكون المعنى أنه تعالى موجود وحده لا مخلوق معه أصلا؛ لأن قوله: "وكان عرشه على الماء". يرد ذلك، فإن هذه الجملة وهي وكان عرشه على الماء إما حالية، أو معطوفة، وعلى كلا التقديرين هو مخلوق موجود في ذلك الوقت، فعلم أن المراد ولم يكن شيء من هذا العالم المشهود.
قوله: "له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق".
ش: يعني أن الله تعالى موصوف بأنه الرب قبل أن يوجد مربوب، وموصوف بأنه "خالق" قبل أن يوجد مخلوق، قال بعض المشايخ الشارحين: وإنما قال: "له معنى الربوبية ومعنى الخالق" دون الخالقية، لأن الخالق هو المخرج للشيء من العدم إلى الوجود لا غير، والرب يقتضي معاني كثيرة، وهي: الملك والحفظ والتدبير والتربية وهي تبليغ الشيء كماله بالتدريج، فلا جرم أتى بلفظ يشمل هذه المعاني، وهي الربوبية. انتهى. وفيه نظر؛ لأن الخلق يكون بمعنى التقدير أيضا.
قوله: "وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم".
ش: يعني: أنه ﷾ موصوف بأنه محيي الموتى قبل إحيائهم، فكذلك يوصف بأنه خالق قبل خلقهم، إلزاما للمعتزلة ومن قال بقولهم، كما حكينا عنهم فيما تقدم، وتقدم تقرير أنه تعالى لم يزل يفعل ما يشاء.
قوله: "ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شئ إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير".
ش: ذلك إشارة إلى ثبوت صفاته في الأزل قبل خلقه، والكلام على كل وشمولها وشمول كل [في كل] مقام بحسب ما يحتف به من القرائن، يأتي في مسألة الكلام إن شاء الله تعالى.
وقد حرفت المعتزلة المعنى المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٤]، فقالوا: إنه قادر على كل ما هو مقدور له، وأما نفس أفعال العباد
[ ١٣٦ ]
فلا يقدر عليها عندهم، وتنازعوا: هل يقدر على مثلها أم لا؟! ولو كان المعنى على ما قالوا لكان هذا بمنزلة أن يقال: هو عالم بكل ما يعلمه وخالق لكل ما يخلقه ونحو ذلك من العبارات التي لا فائدة فيها، فسلبوا صفة كمال قدرته على كل شيء.
وأما أهل السنة، فعندهم أن الله على كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في هذا، وأما المحال لذاته، مثل كون الشيء الواحد موجودا معدوما في حال واحدة، فهذا لا حقيقة له، ولا يتصور وجوده، ولا يسمى شيئا باتفاق العقلاء، ومن هذا الباب: خلق مثل نفسه، وإعدام نفسه وأمثال ذلك من المحال.
وهذا الأصل هو الإيمان بربوبيته العامة التامة، فإنه لا يؤمن بأنه رب كل شيء إلا من آمن أنه قادر على تلك الأشياء، ولا يؤمن بتمام ربوبيته وكمالها إلا من آمن بأنه على كل شيء قدير، وإنما تنازعوا في المعدوم الممكن: هل هو شيء أم لا؟ والتحقيق: أن المعدوم ليس بشيء في الخارج، ولكن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون، ويكتبه، وقد يذكره ويخبر به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة الحج: ١]، فيكون شيئا في العلم والذكر والكتاب، لا في الخارج، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة يس: ٨٢]، قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [سورة مريم: ٩]، أي: لم تكن شيئا في الخارج وإن كان شيئا في علمه تعالى. وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [سورة الدهر: ١].
وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، رد على المشبهة. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: ١١]، رد على المعطلة، فهو ﷾ موصوف بصفات الكمال، وليس له فيها شبيه، فالمخلوق وإن كان يوصف بأنه سميع بصير، فليس سمعه وبصره كسمع الرب وبصره، ولا يلزم من إثبات الصفة تشبيه، إذ صفات المخلوق كما يليق به، وصفات الخالق كما يليق به.
ولا تنف (^١) "عن الله ما وصف به نفسه وما وصفه به أعرف الخلق بربه وما يجب
_________________
(١) في المطبوعة: تنفي.
[ ١٣٧ ]
له وما يمتنع عليه، وأنصحهم لأمته، وأفصحهم وأقدرهم على البيان، فإنك إن نفيت شيئا من ذلك كنت كافرا بما أنزل [على] محمد ﷺ، وإذا وصفته بما وصف به نفسه فلا تشبهه بخلقه، فليس كمثله شيء، فإذا شبهته بخلقه كنت كافرا به. قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه الله [بخلقه] فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا ما وصفه به رسوله تشبيها. وسيأتي في كلام الشيخ الطحاوي ﵀ ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه".
وقد وصف الله تعالى نفسه بأن له المثل الأعلى، فقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة الروم: ٢٧]. فجعل سبحانه مثل السوء -المتضمن للعيوب والنقائص وسلب الكمال- لأعدائه المشركين وأوثانهم، وأخبر أن المثل الأعلى -المتضمن لإثبات الكمال كله- لله وحده. فمن سلب صفة الكمال عن الله تعالى فقد جعل له مثل السوء، ونفى عنه ما وصف به نفسه من المثل الأعلى، [و] هو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية، والمعاني الثبوتية، التي كلما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.
ولما كانت صفات الرب [سبحانه] وتعالى أكثر وأكمل، كان له المثل الأعلى، وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان؛ لأنهما إن تكافآ من كل وجه، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ، فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير.
واختلفت عبارات المفسرين في المثل الأعلى، ووفق بين أقوالهم من وفقه الله وهداه، فقال: المثل الأعلى يتضمن: الصفة العليا، وعلم العالمين بها، ووجودها العلمي، والخبر عنها وذكرها، وعبادة الرب تعالى بواسطة العلم والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه.
[ ١٣٨ ]
فها هنا أمور أربعة:
الأول (^١): ثبوت الصفات العليا لله ﷾، سواء علمها العباد أو لا، وهذا معنى قول من فسرها بالصفة.
الثاني: وجودها في العلم والشعور، وهذا معنى قول من قال من السلف والخلف: إنه ما في قلوب عابديه وذاكريه، من معرفته، وذكره، ومحبته، وجلاله، وتعظيمه، وخوفه ورجائه، والتوكل عليه والإنابة إليه، وهذا الذي في قلوبهم من المثل الأعلى لا يشركه فيه غيره أصلًا، بل يختص به في قلوبهم، كما اختص به في ذاته، وهذا معنى قول من قال من المفسرين: أن معناه: أهل السموات يعظمونه ويحبونه ويعبدونه، وأهل الأرض كذلك، وإن أشرك [به من أشرك]، وعصاه من عصاه، وجحد صفاته من جحدها، فأهل الأرض معظمون له، مجلون، خاضعون لعظمته، مستكينون لعزته وجبروته. قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [سورة الروم: ٢٦].
الثالث: ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها من العيوب والنقائص والتمثيل.
الرابع: محبة الموصوف بها وتوحيده، والإخلاص له، والتوكل عليه، والإنابة إليه. وكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان هذا الحب والإخلاص [أقوى].
فعبارات السلف كلها تدور على هذه المعاني الأربعة، فمن أضل ممن يعارض بين قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [سورة الروم: ٢٧] وبين قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى: ١١]؟ ويستدل بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ على نفي الصفات ويعمى عن تمام الآية وهو قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]! حتى أفضى هذا الضلال ببعضهم، وهو أحمد بن أبي دؤاد القاضي، إلى أن أشار على الخليفة المأمون أن يكتب على ستر الكعبة: ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم، حرف كلام الله لينفي (^٢) وصفه تعالى بأنه السميع البصير كما قال الضال الآخر، جهم بن صفوان: وددت أني أحك من المصحف قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] فنسأل الله العظيم السميع البصير أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، بمنه وكرمه.
_________________
(١) هذه الزيادة غير موجودة في الأصل ولا المطبوعة، ونظم الكلام يقتضيها.
(٢) في المطبوعة: بنفي.
[ ١٣٩ ]
وفي إعراب "كمثله" وجوه: أحدها: [أن] الكاف صلة زيدت للتأكيد، قال أوس بن حجر:
ليس كمثل الفتى زهير … خلق يوازيه في الفضائل
وقال آخر: ما أن كمثلهم في الناس من بشر
وقال آخر: وقتلى كمثل جذوع النخيل
فيكون "مثله" خبر "ليس" واسمها "شيء"، وهذا وجه قوي حسن، تعرف العرب معناه في لغتها، ولا يخفى عنها إذا خوطبت به، وقد جاء عن العرب أيضا زيادة الكاف للتأكيد في قول بعضهم:
وصاليات ككما يؤثفين (^١)
وقول الآخر: فأصبحت مثلَ كعصف مأكول
الوجه الثاني: أن الزائد مثل أي: ليس كهو شيء، وهذا القول بعيد؛ لأن مثل اسم والقول بزيادة الحرف للتأكيد أولى من القول بزيادة الاسم.
الثالث: أنه ليس ثم زيادة أصلا، بل هذا من باب قولهم: مثلك لا يفعل كذا، أي: أنت لا تفعله، وأتى بمثل للمبالغة، وقالوا في معنى المبالغة هنا: أي: ليس كمثله مثل لو فرض المثل، فكيف ولا مثل له، وقيل غير ذلك، والأول أظهر.
_________________
(١) رجز لخطام المجاشعي، كما في "اللسان" ثفا. والصاليات: الحجارة المحترقة. و"يؤثفين": بضم الياء وسكون الهمزة وفتح الثاء المثلثة والفاء وسكون الياء والنون. قال "في اللسان": جاء به على الأصل ضرورة، ولولا ذلك لقال: يثفين. قال الأزهري: أراد يثفين، من أثفى يثفي، فلما اضطره بناء الشعر رده إلى الأصل، فقال: يؤثفين؛ لأنك إذا قلت: افعل يفعل، علمت أنه كان في الأصل: يؤفعل، فحذفت الهمزة لثقلها، كما حذفوا ألف رأيت من: أرى، وكان في الأصل: أرأى، فكذلك من: يرى، وترى، ونرى. الأصل فيها: يرأى، وترأى، ونرأى. فإذا جاز طرح همزتها وهي أصلية، كان همزة يؤفعل أولى بجواز الطرح، لأنها ليست من بناء الكلمة في الأصل، وأثفى القدر: جعلها على الأثافي، وهي الحجارة التي تنصب وتجعل القدر عليها.
[ ١٤٠ ]
قوله: "خلق الخلق بعلمه".
ش: خلق: أي: أوجد وأنشأ وأبدع. ويأتي خلق أيضا بمعنى: قدر. والخلق: مصدر، وهو هنا بمعنى المخلوق. وقوله: بعلمه في محل نصب على الحال، أي: خلقهم عالما بهم، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الملك: ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [سورة الأنعام: (٥٩)، ٦٠]. وفي ذلك رد على المعتزلة.
قال الإمام عبد العزيز المكي صاحب الإمام الشافعي ﵀ وجليسه، في كتاب "الحيدة" (^١)، الذي حكى فيه مناظرته بشرا المريسي عند المأمون حين سأله عن علمه تعالى: فقال بشر: أقول: لا يجهل، فجعل يكرر السؤال عن صفة العلم، تقريرا له، وبشر يقول: لا يجهل، ولا يعترف له أنه عالم بعلم، فقال الإمام عبد العزيز: نفي الجهل لا يكون صفة مدح، فإن هذه الأسطوانة لا تجهل، وقد مدح الله تعالى الأنبياء والملائكة والمؤمنين بالعلم، لا بنفي الجهل، فمن أثبت العلم فقد نفى الجهل، ومن نفى الجهل لم يثبت العلم، وعلى الخلق أن يثبتوا ما أثبته الله تعالى لنفسه، وينفوا ما نفاه، ويمسكوا عما أمسك عنه.
والدليل العقلي على علمه تعالى: أنه يستحيل إيجاده الأشياء بالجهل، ولأن إيجاده الأشياء بإرادته، والإرادة تستلزم تصور المراد، وتصور المراد: هو العلم بالمراد، فكان الإيجاد مستلزما للإرادة، والإرادة مستلزمة للعلم، فالإيجاد مستلزم للعلم. ولأن المخلوقات فيها من الإحكام والإتقان ما يستلزم علم الفاعل لها؛ لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير علم (^٢)؛ ولأن من المخلوقات ما هو عالم، والعلم صفة كمال، ويمتنع أن لا يكون الخالق عالما. وهذا له طريقان: أحدهما: أن يقال: نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوق، وأن
_________________
(١) قلت: في ثبوت نسبة الكتاب للمكي نظر، راجع "الحاشية: ١٤٢".
(٢) في الأصل: العالم.
[ ١٤١ ]
الواجب أكمل من الممكن، ونعلم ضرورة أنا لو فرضنا شيئين، أحدهما عالم والآخر غير عالم، كان العالم أكمل، فلو لم يكن الخالق عالما لزم أن يكون الممكن أكمل منه، وهو ممتنع. الثاني: أن يقال: كل علم في الممكنات، التي هي المخلوقات، فهو منه، ومن الممتنع أن يكون فاعل الكمال ومبدعه عاريا منه بل هو أحق به، والله تعالى له المثل الأعلى، ولا يستوي هو والمخلوقات، لا في قياس تمثيلي، ولا في قياس شمولي، بل كل ما ثبت للمخلوق من كمال فالخالق به أحق، وكل نقص تنزه عنه مخلوق ما فتنزيه الخالق عنه أولى.
قوله: "وقدر لهم أقدارا".
ش: قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر: ٤٩]. وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [سورة الأحزاب: ٣٨]. وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [سورة الأعلى: (٢)، ٣]. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء" (^١).
قوله: "وضرب لهم آجالا".
ش: يعني: أن الله ﷾ قدر آجال الخلائق، بحيث إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سورة النحل: ٦١]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [سورة آل عمران: ١٤٥]. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: "قالت أم حبيبة زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله، وبأبي سفيان، وبأخي معاوية، قال: فقال النبي ﷺ: "قد سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئا قبل أجله، ولن يؤخر شيئا عن أجله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار
_________________
(١) صحيح، وتقدم بالحديث "رقم ٨٠".
[ ١٤٢ ]
وعذاب في القبر كان خيرا وأفضل" (^١)، فالمقتول ميت بأجله، فعلم الله تعالى وقدر وقضى أن هذا يموت بسبب المرض، وهذا بسبب القتل، وهذا بسبب الهدم، وهذا بسبب الحرق، وهذا بالغرق، إلى غير ذلك من الأسباب، والله سبحانه خلق الموت والحياة، وخلق سبب الموت والحياة. وعند المعتزلة: المقتول مقطوع عليه أجله، ولو لم يقتل لعاش إلى أجله فكأن له أجلان وهذا باطل؛ لأنه لا يليق أن ينسب إلى الله تعالى أنه جعل له أجلا يعلم أنه لا يعيش إليه البتة، أو يجعل أجله أحد الأمرين، كفعل الجاهل بالعواقب، ووجوب القصاص والضمان على القاتل، لارتكابه المنهي عنه ومباشرته السبب المحظور، وعلى هذا يخرج قوله ﷺ: "صلة الرحم تزيد في العمر" (^٢) أي: سبب طول العمر، وقد قدر الله أن هذا يصل رحمه فيعيش بهذا السبب إلى هذه الغاية، ولولا ذلك السبب لم يصل إلى هذه الغاية، ولكن قدر هذا السبب وقضاه، وكذلك قدر أن هذا يقطع رحمه فيعيش إلى كذا، كما قلنا في القتل وعدمه.
فإن قيل: هل يلزم من تأثير صلة الرحم في زيادة العمر ونقصانه تأثير الدعاء في ذلك أم لا؟
فالجواب: أن ذلك غير لازم، لقوله ﷺ لأم حبيبة ﵂: "قد سألت الله تعالى لآجال مضروبة … " الحديث، كما تقدم. فعلم أن الأعمار مقدرة، لم يشرع الدعاء بتغيرها، بخلاف النجاة من عذاب الآخرة، فإن الدعاء مشروع له نافع فيه، ألا ترى أن الدعاء بتغيير العمر لما تضمن النفع الأخروي، شرع كما في الدعاء رواه النسائي من حديث عمار بن ياسر عن النبي ﷺ أنه قال: "اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت
_________________
(١) صحيح، وهو عند مسلم في "القدر"، وأحمد في المسند "١/ ٣٩٠، ٤١٣، ٤٣٣، ٤٤٥، ٤٤٦"، وابن أبي عاصم في "السنة" رقم "٢٦٢ - ٢٦٣".
(٢) صحيح، وهو قطعة من حديث رواه أبو يعلى عن أنس بسند ضعيف، لكن معناه صحيح، يشهد له أحاديث كثيرة منها حديث أنس أيضا مرفوعا: "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره، فليصل رحمه". متفق عليه.
[ ١٤٣ ]
الوفاة خيرا لي" (^١)، إلى آخر الدعاء. ويؤيد هذا ما رواه الحاكم في صحيحه (^٢) من حديث ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ: "لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" (^٣). وفي الحديث رد على من يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ: أنه نهى عن النذر، وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل" (^٤).
واعلم أن الدعاء يكون مشروعا نافعا في بعض الأشياء دون بعض، وكذلك هو. وكذلك لا يجيب الله المعتدين في الدعاء. وكان الإمام أحمد ﵀ يكره أن يدعى له بطول العمر، ويقول: هذا أمر قد فرغ منه.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [سورة فاطر: ١١]، فقد قيل في الضمير المذكور في قوله تعالى: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ إنه بمنزلة قولهم: عندي درهم ونصفه، أي: ونصف درهم آخر، فيكون المعنى: ولا ينقص من عمر معمر آخر، وقيل: الزيادة والنقصان في الصحف التي في أيدي الملائكة، وحمل قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [سورة الرعد: (٣٨)، ٣٩]، [على أن المحو والإثبات من الصحف التي في أيدي الملائكة، وأن قوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾]. اللوح المحفوظ. ويدل على هذا
_________________
(١) صحيح، وقد تقدم بتمامه "برقم ٣٨".
(٢) إطلاق لفظة الصحيح على المستدرك فيه تسامح ظاهر، لكثرة الأحاديث الضعيفة والمنكرة الواقعة فيه، بل وبعض الموضوعات، ولذلك تجد الحذاق من المحدثين يقولون: رواه الحاكم في "المستدرك".
(٣) حسن، دون قوله: "وإن الرجل ليحرم … " وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وفيه راو مجهول، لكن له شاهد دون الزيادة المذكورة فالحديث حسن بدونها، وقد تكلمت على الحديث في "الأحاديث الصحيحة" رقم "١٥٤" طبع المكتب الإسلامي.
(٤) أخرجاه من حديث ابن عمر، ورواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: "لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئا وإنما يستخرج به من البخيل". وقد خرجته في "كتاب السنة" لابن أبي عاصم برقم "٣١٢ - ٣١٤" و"الإرواء" "٢٥٨٥".
[ ١٤٤ ]
الوجه سياق الآية، وهو قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾، ثم قال: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [سورة الرعد: ٣٩]، أي: من ذلك الكتاب، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، أي: أصله، وهو اللوح المحفوظ، وقيل: يمحو الله ما يشاء من الشرائع وينسخه ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، والسياق أدل على هذا الوجه من الوجه الأول، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. فأخبر تعالى أن الرسول لا يأتي بالآيات من قبل نفسه، بل من عند الله، ثم قال: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [سورة الرعد: ٣٨، ٣٩]، أي: أن الشرائع لها أجل وغاية تنتهي إليها، ثم تنسخ بالشريعة الأخرى، فينسخ الله ما يشاء من الشرائع عند انقضاء الأجل، ويثبت ما يشاء. وفي الآية أقوال أخرى، والله أعلم بالصواب.
قوله: "ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم".
ش: فإنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون [و] ما لم يكن أن لو كان كيف يكون، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [سورة الأنعام: ٢٨]. وإن كان يعلم أنهم لا يردون، ولكن أخبر أنهم لو ردوا لعادوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة الأنفال: ٢٣]. وفي ذلك رد على الرافضة والقدرية، والذين قالوا: إنه لا يعلم الشيء قبل أن يخلقه ويوجده، وهي من فروع مسألة القدر، وسيأتي لها زيادة بيان، إن شاء الله تعالى.
قوله: "وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته".
ش: ذكر الشيخ الأمر والنهي، بعد ذكره الخلق والقدر، إشارة إلى أن الله تعالى خلق الخلق لعبادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [سورة الملك: ٢].
قوله: "وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ، لا مشيئة للعباد، إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن".
ش: قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الدهر: ٣١].
[ ١٤٥ ]
وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة التكوير: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة الأنعام: ١١١]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [سورة الأنعام: ١١٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [سورة يونس: ٩٩]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة الأنعام: ١٢٥]. وقال تعالى حكاية [عن] نوح ﵇ إذ قال لقومه: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [سورة هود: ٣٤]. وقال تعالى: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة الأنعام: ٣٩]. إلى غير ذلك من الأدلة على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وكيف [يكون] في ملكه ما لا يشاء! ومن أضل سبيلا وأكفر ممن يزعم أن الله شاء الإيمان من الكافر والكافر شاء الكفر فغلبت مشيئة الكافر مشيئة الله!! تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
فإن قيل: يشكل على هذا قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا﴾ [سورة الأنعام: ١٤٨] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة النحل: ٣٥]، الآية. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٢٠]. فقد ذمهم الله تعالى حيث جعلوا الشرك كائنا منهم بمشيئة الله، وكذلك ذم إبليس حيث أضاف الإغواء إلى الله تعالى، إذ قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة الحجر: ٣٩].
قيل: قد أجيب على هذا بأجوبة، من أحسنها: أنه أنكر عليهم ذلك لأنهم احتجوا بمشيئته على رضاه ومحبته، وقالوا: لو [كره] ذلك وسخطه لما شاءه، فجعلوا مشيئته دليل رضاه، فرد الله عليهم ذلك، أو أنه أنكر عليهم اعتقادهم أن مشيئة الله دليل على أمره به، أو أنه أنكر عليهم معارضته شرعه وأمره الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه بقضائه وقدره، فجعلوا المشيئة العامة دافعة للأمر، فلم يذكروا المشيئة على جهة التوحيد، وإنما ذكروها معارضين بها لأمره، دافعين بها لشرعه،
[ ١٤٦ ]
كفعل الزنادقة، والجهال إذا أمروا أو نهوا احتجوا بالقدر. وقد احتج سارق على عمر ﵁ بالقدر، فقال: وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره. يشهد لذلك قوله تعالى في الآية: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [سورة الأنعام: ١٤٨]. فعلم أن مرادهم التكذيب، فهو من قبل الفعل، من أين له أن الله لم يقدره؟ أطلع الغيب؟ فإن قيل: فما يقولون في احتجاج آدم على موسى ﵉ بالقدر، إذ قال له: أتلومني على أمر قد كتبه الله عليّ قبل أن أخلق بأربعين عاما؟ وشهد النبي ﷺ أن آدم حج موسى، أي: غلب عليه بالحجة؟
قيل.: تتلقاه بالقبول والسمع والطاعة، لصحته عن رسول الله ﷺ، ولا تتلقاه بالرد والتكذيب لراوية، كما فعلت القدرية، ولا بالتأويلات الباردة، بل الصحيح أن آدم لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، وهو كان أعلم بربه وذنبه، بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر، فإنه باطل. وموسى ﵇ كان أعلم بأبيه وبذنبه [من] أن يلوم آدم على ذنب قد تاب منه وتاب الله عليه واجتباه وهداه، وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة، لا على الخطيئة، فإن القدر يحتج به عند المصائب، لا عند المعائب، وهذا المعنى أحسن ما قيل في الحديث، فما قدر من المصائب يجب الاستسلام له، فإنه من تمام الرضى بالله ربا، وأما الذنوب فليس للعبد أن يذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب، فيتوب من المعائب، ويصبر على المصائب. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [سورة المؤمن: ٥٥]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [سورة آل عمران: ١٢٠].
وأما قول إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾، إنما ذم على احتجاجه بالقدر، لا على اعترافه بالمقدر وإثباته له. ألم تسمع قول نوح ﵇: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. ولقد أحسن القائل:
فما شئتَ كان [و] إن لم أشأ … وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن
وعن وهب بن منبه، أنه قال: نظرت في القدر فتحيرت، ثم نظرت فيه
[ ١٤٧ ]
فتحيرت، ووجدت أعلم الناس بالقدر أكفهم عنه، وأجهل الناس بالقدر أنطقهم به.
قوله: "يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي، فضلا، ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي، عدلا".
ش: هذا رد على المعتزلة في قولهم بوجوب فعل الأصلح للعبد على الله، وهي مسألة الهدى والضلال. قالت المعتزلة: الهدى من الله: بيان طريق الصواب، والإضلال: تسمية العبد ضالا، وحكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه، وهذا مبني على أصلهم الفاسد؛ أن أفعال العباد مخلوقة لهم. والدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة القصص: ٥٦]، ولو كان الهدى بيان الطريق، لما صح هذا النفي عن نبيه، لأنه ﷺ بين الطريق لمن أحب وأبغض. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [سورة السجدة: ١٣]، ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة المدثر: ٣١]. ولو كان الهدى من الله البيان، وهو عام في كل نفس لما صح التقييد بالمشيئة. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِين﴾ [الصافات: ٥٧]. وقوله ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة الأنعام: ٣٩]
قوله: "وكلهم يتقلبون في مشيئته، بين فضله وعدله".
ش: فإنهم كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [سورة التغابن: ٢]، فمن هداه إلى الإيمان فبفضله، وله الحمد، ومن أضله فبعدله، وله الحمد، وسيأتي لهذا المعنى زيادة إيضاح، إن شاء الله تعالى، فإن الشيخ ﵀ لم يجمع الكلام في القدر في مكان واحد، بل فرقه، فأتيت به على ترتيبه.
قوله: "وهو متعال عن الأضداد والأنداد".
ش: الضد: المخالف، والند: المثل. فهو سبحانه لا معارض له، بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا مثل له، كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص: ٤]. ويشير الشيخ ﵀ -بنفي الضد والند- إلى الرد على المعتزلة، في زعمهم أن العبد يخلق فعله.
[ ١٤٨ ]
قوله: "لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره".
ش: أي: لا يرد قضاء الله راد، ولا يعقب، أي لا يؤخر حكمه مؤخر، ولا يغلب أمره غالب، بل هو الله الواحد القهار.
قوله: "آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلًّا من عنده".
ش: أما الإيمان فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. والإيقان: الاستقرار، من قر الماء في الحوض إذا استقر، والتنوين في "كلا" بدل الإضافة (^١)، أي: كل كائن محدث من عند الله، أي: بقضائه وقدره [وإرادته] ومشيئته وتكوينه، وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) في المطبوعة: إضافي.
[ ١٤٩ ]