…
فينبغي أن يعرف هذه الدرجات: أولها: إدراك الإنسان المعاني الحسية المشاهدة. وثانيها: عقله لمعانيها الكلية. وثالثها: تعريف الألفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية والعقلية. فهذه المراتب الثلاث لا بد منها في كل خطاب، فإذا أخبرنا عن الأمور الغائبة فلا بد من تعريفنا المعاني المشتركة بينها وبين الحقائق المشهودة والاشتباه الذي بينهما، وذلك بتعريفنا الأمور المشهودة، ثم إن كانت مثلها لم يحتج إلى ذكر الفارق، كما تقدم في قصص الأمم، وإن لم يكن مثلها بين ذلك بذكر الفارق، بأن يقال: ليس ذلك مثل هذا، ونحو ذلك. وإذا تقرر انتفاء المماثلة كانت الإضافة وحدها كافية في بيان الفارق، وانتفاء التساوي لا يمنع وجود القدر المشترك الذي هو مدلول اللفظ المشترك، وبه صرنا نفهم الأمور الغائبة ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك قط.
قوله: "ولا شيء يعجزه".
ش: لكمال قدرته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠]. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [سورة فاطر: ٤٤]. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. "لا يئوده" أي: لا يكرثه (^١) ولا يثقله ولا يعجزه، فهذا النفي لثبوت كمال ضده، وكذلك كل نفي يأتي في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت كمال ضده، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، لكمال عدله. ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سورة سبأ: ٣]، لكمال علمه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، لكمال قدرته. ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] لكمال حياته وقيوميته. ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، لكمال جلاله وعظمته وكبريائه، وإلا فالنفي الصرف لا مدح فيه، ألا ترى أن قول الشاعر:
قبيلة لا يغدرون بذمة … ولا يظلمون الناس حبة خردل
لما اقترن بنفي الغدر والظلم عنهم ما ذكره قبل هذا البيت وبعده، وتصغيرهم بقوله "قبيلة" علم أن المراد عجزهم وضعفهم، لا كمال قدرتهم، وقول الآخر:
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد … ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
_________________
(١) في "القاموس": كرثه الغم يكرِثه ويكرُثه بكسر الراء وضمها: اشتد عليه، كأكرثه.
[ ١٠٦ ]
لما اقترن بنفي الشر عنهم ما يدل على ذمهم، علم أن المراد عجزهم وضعفهم أيضا.
ولهذا يأتي الإثبات للصفات في كتاب الله مفصلا، والنفي مجملا، عكس طريقة أهل الكلام المذموم؛ فإنهم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المجمل، يقولون: ليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عرض ولا بذي لون ولا رائحة ولا طعم، ولا مجسة (^١) ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا افتراق، ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء، وليس بذي جهات، ولا بذي يمين ولا شمال وأمام وخلف وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان ولا يجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم، ولا يوصف بأنه متناه، ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات وليس بمحدود، ولا والد ولا مولود، ولا تحيط به الأقدار ولا تحجبه الأستار الى آخر ما نقله أبو الحسن الأشعري ﵀ عن المعتزلة.
وفي هذه الجملة حق وباطل، ويظهر ذلك لمن يعرف الكتاب والسنة، وهذا النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه، [فيه] إساءة أدب، فإنك لو قلت للسلطان: أنت لست بزبال ولا كساح ولا حجام ولا حائك! لأدبك على هذا الوصف وإن كنت صادقا، وإنما تكون مادحا إذا أجملت النفي فقلت: أنت لست مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجل. فإذا أجملت في النفي أجملت في الأدب.
والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية هو سبيل أهل السنة والجماعة. والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع من الأسماء والصفات، ولا يتدبرون معانيها، ويجعلون ما ابتدعوه من المعاني والألفاظ هو المحكم الذي يجب اعتقاده واعتماده. [وأما أهل الحق والسنة والإيمان فيجعلون ما قاله الله ورسوله هو الحق
_________________
(١) في الأصل مجنسة ويبدو أن النقط سهو من الناسخ وفي النسخ المطبوعة "بجثة" ويظهر أن الذي صححها هكذا غفل عن ورودها في السطر السابق.
[ ١٠٧ ]
الذي يجب اعتقاده واعتماده]، والذي قاله هؤلاء إما أن يعرضوا عنه إعراضا جمليا، أو يبينوا حاله تفصيلا، ويحكم عليه بالكتاب والسنة، [لا يحكم به على الكتاب والسنة].
والمقصود: أن غالب عقائدهم السلوب، ليس بكذا، ليس بكذا، وأما الإثبات فهو قليل، وهي أنه عالم قادر حي، وأكثر النفي المذكور ليس متلقى عن الكتاب والسنة، ولا عن الطرق العقلية التي سلكها غيرهم من مثبتة الصفات، فإن الله تعالى قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ففي هذا الإثبات ما يقرر معنى النفي. ففهم أن المراد انفراده سبحانه بصفات الكمال، فهو ﷾ موصوف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، ليس كمثله شيء في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله، مما أخبرنا به من صفاته، وله صفات لم يطلع عليها أحد من خلقه، كما قال رسوله الصادق ﷺ في دعاء الكرب: "اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن [العظيم] ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي" (^١). وسيأتي التنبيه على فساد طريقتهم في الصفات إن شاء الله تعالى.
وليس قول الشيخ رحمه الله تعالى "ولا شيء يعجزه من النفي المذموم، فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، فنبه ﷾ في آخر الآية على دليل انتفاء العجز، وهو كمال العلم والقدرة، فإن العجز إنما ينشأ إما من الضعف عن القيام بما يريده الفاعل، وإما من عدم علمه به، والله تعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة، وهو على كل شيء قدير، وقد علم ببدائه العقول والفطر كمال قدرته وعلمه، فانتفى العجز، لما
_________________
(١) صحيح، وإن أعله الذهبي بجهالة أبي سلمة، وتبعته عليه برهة من الزمن، فقد تبين لي فيما بعد أن أبا سلمة هذا ثقة معروف، وأن إسناده متصل صحيح، في تحقيق أجريته عليه، لا أظن أحدا سبقني إليه، أودعته في "الأحاديث الصحيحة" "١٩٩".
[ ١٠٨ ]
بينه وبين القدرة من التضاد؛ ولأن العاجز لا يصلح أن يكون إِلَهًا، تعالى الله عن ذكر ذلك علوًّا كبيرًا.
قوله: "ولا إله غيره".
ش: هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم، كما تقدم ذكره، وإثبات التوحيد بهذه الكلمة باعتبار النفي والإثبات المقتضي للحصر، فإن الإثبات المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال. ولهذا -والله أعلم- لما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، قال بعده: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]. فإنه قد يخطر ببال أحد خاطر شيطاني: هب أن إلهنا واحد، فلغيرنا إله غيره، فقال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ]﴾.
وقد اعترض صاحب "المنتخب" على النحويين في تقدير "الخبر في لا إله إلا هو" (^١) فقالوا: تقديره: لا إله في الوجود إلا الله، فقال: يكون ذلك نفيًا لوجود
_________________
(١) كتب سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -جزاه الله كل خير- على هذا الموضع، بالتعليق التالي: ما قاله صاحب المنتخب ليس بجيد وهكذا ما قاله النحاة وأيده الشيخ أبو عبد الله المرسي من تقدير الخبر بكلمة "في الوجود" ليس بصحيح؛ لأن الآلهة المعبودة من دون الله كثيرة وموجودة وتقدير الخبر بلفظ "في الوجود لا يحصل به المقصود من بيان أحقية ألوهية الله سبحانه وبطلان ما سواها" لأن القائل أن يقول: كيف تقولون "لا إله في الوجود إلا الله"؟ وقد أخبر الله سبحانه عن وجود آلهة كثيرة للمشركين، كما في قوله سبحانه: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقوله سبحانه: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً﴾ الآية. فلا سبيل إلى التخلص من هذا الاعتراض وبيان عظمة هذا الكلمة وأنها كلمة التوحيد المبطلة لآلهة المشركين وعبادتهم من دون الله، إلا بتقدير الخبر بغير ما ذكره النحاة، وهو كلمة "حق" لأنها هي التي توضح بطلان جميع الآلهة وتبين أن الإله الحق والمعبود بالحق هو الله وحده كما نبه على =
[ ١٠٩ ]
الإله. ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود، فكان إجراء الكلام على ظاهره والإعراض عن هذا الإضمار أولى.
وأجاب أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي (^١) في "ري الظمآن" فقال: هذا كلام من لا يعرف لسان العرب، فإن "إله" في موضع المبتدأ على قول
_________________
(١) = ذلك جمع من أهل العلم منهم أبو العباس ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم وآخرون ﵏. ومن أدلة ذلك قوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ فأوضح سبحانه في هذه الآية أنه هو الحق وأن ما دعاه الناس من دونه هو الباطل، فشمل ذلك جميع الآلهة المعبودة من دون الله من البشر والملائكة والجن وسائر المخلوقات، واتضح بذلك أنه المعبود بالحق وحده، ولهذا أنكر المشركون هذه الكلمة وامتنعوا من الإقرار بها لعلمهم بأنها تبطل آلهتهم لأنهم فهموا أن المراد بها نفي الألوهية بحق عن غير الله سبحانه ولهذا قالوا جوابا لنبينا محمد ﷺ، لما قال لهم: "قولوا، لا إله إلا الله": ﴿أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب﴾، وقالوا وبهذا التقدير يزول جميع الإشكال ويتضح الحق المطلوب. والله ولي التوفيق. عبد العزيز بن عبد الله بن باز
(٢) في الأصل: المرشي، وقال الأستاذ أحمد شاكر ﵀ والمرسي هذا: هو شرف الدين محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل المرسي الأندلسي، "الأديب النحوي المفسر المحدث الفقيه"، كما وصفه ياقوت. لقيه ياقوت بمصر سنة ٦٢٤، وأخبره أن مولده سنة ٥٧٠، وذكر كثيرا من مؤلفاته: منها: "تفسير القرآن، سماه: ري الظمآن في تفسير القرآن، كبير جدا، قصد فيه ارتباط الآي بعضها ببعضها". انظر ترجمته في "معجم الآدباء" ٧: ١٦ - ١٧. وتوفي شرف الدين هذا في طريق العريش سنة ٦٥٥. وترجمه ابن كثير في التاريخ ١٣: ١٩٧، وابن العماد في "الشذرات" ٥: ٢٦٩. وهو الذي سمع منه رضي الدين الطبري "صحيح ابن حبان"، كما أثبتنا في مقدمة "صحيح ابن حبان" ص: ٢٧. ومما يستغرب من شأنه، ما ذكره ياقوت: إنه "كانت له كتب في البلاد التي ينتقل فيها، بحيث لا يستصحب كتبا في سفره، اكتفاء بما له من الكتب في البلد الذي يسافر إليه" ﵀.
[ ١١٠ ]
سيبويه، وعند غيره اسم لا، وعلى التقديرين فلا بد من خبر المبتدأ، وإلا فما قاله من الاستغناء عن الإضمار فاسد. وأما قوله: إذا لم يضمر يكون نفيا للماهية، فليس بشيء، لأن نفي الماهية هو نفي الوجود، لا تتصور الماهية إلا مع الوجود، فلا فرق بين "لا ماهية" و"لا وجود". وهذا مذهب أهل السنة، خلافا للمعتزلة، فإنهم يثبتون ماهية عارية عن الوجود، و"إلا الله" مرفوع، بدلا من "لا إله" لا يكون خبرا لـ"لا"، ولا للمبتدأ. وذكر الدليل على ذلك.
وليس المراد هنا ذكر الإعراب، بل المراد رفع الإشكال الوارد على النحاة في ذلك، وبيان أنه من جهة المعتزلة، وهو فاسد؛ فإن قولهم: نفي الوجود ليس تقييدا؛ لأن العدم ليس بشيء، قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩]. ولا يقال: ليس قوله: غيره. كقوله: إلا الله؛ لأن غير تعرب بإعراب الاسم الواقع بعد إلا، فيكون التقدير للخبر فيهما واحدا، فلهذا ذكرت هذا الإشكال وجوابه هنا.
قوله: "قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء".
ش: قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ﴾ [الحديد: ٣]. وقال ﷺ: "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء" (^١). فقول الشيخ قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء هو معنى اسمه الأول والآخر. والعلم بثبوت هذين الوصفين مستقر في الفطر، فإن الموجودات لا بد أن تنتهي إلى واجب الوجود لذاته، قطعا للتسلسل، فإنا نشاهد حدوث الحيوان والنبات والمعادن وحوادث الجو كالسحاب والمطر وغير ذلك، وهذه الحوادث وغيرها ليست ممتنعة، فإن الممتنع لا يوجد، ولا واجبة الوجود بنفسها، فإن واجب الوجود بنفسه لا يقبل العدم، وهذه كانت معدومة ثم وجدت، فعدمها ينفي وجودها، ووجودها ينفي امتناعها، وما كان قابلا للوجود والعدم لم يكن وجوده بنفسه، كما قال تعالى:
_________________
(١) أخرجه مسلم "٨/ ٧٨ - ٧٩" في حديث أوله: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أخذنا مضجعنا أن نقول … " فذكره.
[ ١١١ ]
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]، يقول سبحانه: أحدثوا من غير محدث أم هم أحدثوا أنفسهم؟ ومعلوم أن الشيء المحدث لا يوجد نفسه، فالممكن الذي ليس له من نفسه وجود ولا عدم لا يكون موجودًا بنفسه، بل إن حصل ما يوجده وإلا كان معدوما، وكل ما أمكن وجوده بدلا عن عدمه وعدمه بدلا عن وجوده، فليس له من نفسه وجود ولا عدم لازم له.
وإذا تأمل الفاضل غاية ما يذكره المتكلمون والفلاسفة من الطرق العقلية، وجد الصواب منها يعود الى بعض ما ذكر في القرآن من الطرق العقلية بأفصح عبارة وأوجزها، وفي طرق القرآن من تمام البيان والتحقيق ما لا يوجد عندهم مثله، قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣].
ولا نقول: لا ينفع الاستدلال بالمقدمات الخفية والأدلة النظرية؛ فإن الخفاء والظهور من الأمور النسبية، فربما ظهر لبعض الناس ما خفي على غيره، ويظهر للإنسان الواحد في حال ما خفي عليه في حال أخرى. وأيضا فالمقدمات وإن كانت خفية فقد يسلمها بعض الناس وينازع فيما هو أجلى منها، وقد تفرح النفس بما علمته من البحث والنظر ما لا تفرح بما علمته من الأمور الظاهرة. ولا شك أن العلم بإثبات الصانع ووجوب وجوده أمر ضروري فطري، وإن كان يحصل لبعض الناس من الشبه ما يخرجه إلى الطرق النظرية.
وقد أدخل المتكلمون في أسماء الله تعالى القديم، وليس هو من الأسماء الحسنى، فإن القديم في لغة العرب التي نزل بها القران: هو المتقدم على غيره، فيقال: هذا قديم، للعتيق، وهذا حديث للجديد، ولم يستعملوا هذا الاسم إلا في المتقدم على غيره، لا فيما [لم] يسبقه عدم، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، والعرجون القديم: الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الجديد قيل للأول: قديم، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [سورة الأحقاف: ١١]، أي متقدم في الزمان. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ [سورة الشعراء: ٧٥]. فالأقدم مبالغة في القديم، ومنه: القول القديم والجديد للشافعي رحمه الله تعالى. وقال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [سورة هود: ٩٨]، أي
[ ١١٢ ]
يتقدمهم، ويستعمل منه الفعل لازما ومتعديا، كما يقال: أخذت ما قدم وما حدث، ويقال: هذا قدم هذا وهو يقدمه، ومنه سميت القدم قدما؛ لأنها تقدم بقية بدن الإنسان وأما إدخال القديم في أسماء الله تعالى، فهو مشهور عند أكثر أهل الكلام. وقد أنكر ذلك كثير من السلف والخلف، منهم ابن حزم. ولا ريب أنه إذا كان مستعملا في نفس التقدم، فإن ما تقدم على الحوادث كلها فهو أحق بالتقدم من غيره. لكن أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى التي تدل [على] خصوص ما يمدح به، والتقدم في اللغة مطلق لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، فلا يكون من الأسماء الحسنى. وجاء الشرع باسمه الأول. وهو أحسن من القديم، لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه وتابع له، بخلاف القديم. والله تعالى له الأسماء الحسنى لا الحسنة.
قوله: "لا يفنى ولا يبيد".
ش: إقرار بدوام بقائه ﷾، قال عز من قائل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن: ٢٦ - ٢٧]، والفناء والبيد متقاربان في المعنى، والجمع بينهما في الذكر للتأكيد، وهو أيضًا مقرر ومؤكد لقوله: دائم بلا انتهاء.
قوله: "ولا يكون إلا ما يريد".
ش: هذا رد لقول القدرية والمعتزلة، فإنهم زعموا أن الله أراد الإيمان من الناس كلهم والكافر أراد الكفر، وقولهم فاسد مردود، لمخالفته الكتاب والسنة والمعقول الصحيح، وهي مسألة القدر المشهورة، وسيأتي لها زيادة بيان إن شاء الله تعالى.
وسموا قدرية لإنكارهم القدر، وكذلك تسمى الجبرية المحتجون بالقدر قدرية أيضا. والتسمية على الطائفة الأولى أغلب.
أما أهل السنة [فيقولون]: إن الله وإن كان يريد المعاصي قدرا -فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها، بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها. وهذا قول السلف قاطبة، فيقولون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولهذا اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله -لم يحنث- إذا لم يفعله وإن كان واجبا أو مستحبا، ولو قال: إن أحب الله -حنث- إذا كان واجبا أو مستحبا.
[ ١١٣ ]