وقوله: وتفسيره على ما أراد الله وعلمه، إلى أن قال: لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا. أي كما فعلت المعتزلة بنصوص الكتاب والسنة في الرؤية، وذلك تحريف لكلام الله وكلام رسوله عن مواضعه، فالتأويل الصحيح هو الذي يوافق ما جاءت به السنة، والفاسد المخالف له، فكل تأويل لم يدل عليه دليل من السياق، ولا معه قرينة تقتضيه، فإن هذا لا يقصده المبين الهادي بكلامه، إذ لو قصده لحف بالكلام قرائن تدل على المعنى المخالف لظاهره، حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ، فإن الله أنزل كلامه بيانا وهدى، فإذا أراد به خلاف ظاهره، ولم يحف به قرائن تدل على المعنى الذي يتبادر غيره إلى فهم كل أحد، لم يكن بيانا ولا هدى، فالتأويل إخبار بمراد المتكلم، لا إنشاء.
وفي هذا الموضع يغلط كثير من الناس، فإن المقصود فهم مراد المتكلم بكلامه، فإذا قيل: معنى اللفظ كذا وكذا، كان إخبارا بالذي عنى المتكلم، فإن لم يكن الخبر مطابقا كان كذبا على المتكلم، ويعرف مراد المتكلم بطرق متعددة: منها: أن يصرح بإرادة ذلك المعنى، ومنها: أن يستعمل اللفظ الذي له معنى ظاهر بالوضع، ولا يبين بقرينة تصحب الكلام أنه لم يرد ذلك المعنى، فكيف إذا حف بكلامه ما يدل على أنه إنما أراد حقيقته وما وضع له، كقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣]. و"إنكم ترون ربكم عيانا كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب" (^١). فهذا مما يقطع به السامع له بمراد المتكلم، فإذا أخبر عن مراده بما دل عليه حقيقة لفظه الذي وضع له مع القرائن المؤكدة، كان صادقا في إخباره، وأما إذا تأول الكلام بما لا يدل عليه ولا اقترن به ما يدل عليه، فإخباره بأن هذا مراده كذب عليه، وهو تأويل بالرأي، وتوهم بالهوى.
_________________
(١) متفق عليه وتقدم "ص ١٦٣" مع النظر في كلمة "عيانا".
[ ١٩٨ ]
وحقيقة الأمر أن قول القائل: نحمله على كذا، أو: نتأوله بكذا، إنما هو من باب دفع دلالة اللفظ عما وضع له، فإن منازعه لما احتج عليه به ولم يمكنه دفع وروده، دفع معناه، وقال: أحمله على خلاف ظاهره.
فإن قيل: بل للحمل معنى آخر، لم تذكروه، وهو: أن اللفظ لما استحال أن يراد به حقيقته وظاهره، ولا يمكن تعطيله، استدللنا بوروده وعدم إرادة ظاهره على أن مجازه هو المراد، فحملناه عليه دلالة لا ابتداء.
قيل: فهذا المعنى هو الإخبار عن المتكلم أنه أراده، وهو إما صدق وإما كذب، كما تقدم، ومن الممتنع أن يريد خلاف حقيقته وظاهره ولا يبين للسامع المعنى الذي أراده، بل يعرف بكلامه ما يؤكد إرادة الحقيقة، ونحن لا نمنع أن المتكلم قد يريد بكلامه خلاف ظاهره، إذا قصد التعمية على السامع حيث يسوغ ذلك، ولكن المنكر أن يريد بكلامه خلاف حقيقته وظاهره إذا قصد البيان والإيضاح وإفهام مراده! كيف والمتكلم يؤكد كلامه بما ينفي المجاز، ويكرره غير مرة، ويضرب له الأمثال.
وقوله: فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ﷿ ولرسوله ﷺ، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه. أي: سلم لنصوص الكتاب والسنة، ولم يعترض عليها بالشكوك والشبه والتأويلات الفاسدة، أو بقوله: العقل يشهد بضد ما دل عليه النقل! والعقل أصل النقل!! فإذا عارضه قدمنا العقل!! وهذا لا يكون قط، لكن إذا جاء ما يوهم مثل ذلك، فإن كان النقل صحيحًا فذلك الذي يدعى أنه معقول إنما هو مجهول، ولو حقق النظر لظهر ذلك، وإن كان النقل غير صحيح فلا يصلح للمعارضة، فلا يتصور أن يتعارض عقل صريح ونقل صحيح أبدا. ويعارض كلام من يقول ذلك بنظيره، فيقال: إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل، لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، ورفعهما رفع النقيضين، وتقديم العقل ممتنع؛ لأن العقل قد دل على صحة السمع ووجوب قبول ما أخبر به الرسول ﷺ، فلو أبطلنا النقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل، ولو أبطلنا دلالة العقل لم يصلح أن يكون معارضًا للنقل؛ لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة شيء من الأشياء، فكان تقديم العقل موجبًا عدم تقديمه، فلا يجوز تقديمه، وهذا بين
[ ١٩٩ ]
واضح، فإن العقل هو الذي دل على صدق السمع وصحته، وأن خبره مطابق لمخبره، فإن جاز أن تكون الدلالة باطلة لبطلان النقل لزم أن لا يكون العقل دليلا صحيحا، وإذا لم يكن دليلا صحيحا لم يجز أن يتبع بحال، فضلا عن أن يقدم، فصار تقديم العقل على النقل قدحا في العقل.
فالواجب كمال التسليم للرسول ﷺ، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولا، أو نحمله شبهة أو شكا، أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فنوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما نوحد المرسل بالعبادة والخصوع والذل والإنابة والتوكل.
فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا نحاكم إلى غيره، ولا نرضى بحكم غيره، ولا نوقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه، فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره، وإلا فإن طلب السلامة فوضه إليهم وأعرض عن أمره وخبره، وإلا حرفه عن مواضعه، وسمى تحريفه تأويلا وحملا، فقال: نؤوله ونحمله. فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب -ما خلا الإشراك بالله- خير له من أن يلقاه بهذه الحال. بل إذا بلغه الحديث الصحيح يعد نفسه كأنه سمعه من رسول الله ﷺ، فهل يسوغ أن يؤخر قبوله والعمل به حتى يعرضه على رأي فلان وكلامه ومذهبه؟! بل كان الفرض المبادرة إلى امتثاله، من غير التفات إلى سواه، ولا يستشكل قوله لمخالفته رأي فلان، بل يستشكل الآراء لقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل نهدر الأقيسة، ونتلقى نصوصه، ولا نحرف كلامه عن حقيقته، لخيال يسميه أصحابه معقولا، نعم هو مجهول، وعن الصواب معزول! ولا يوفق قبول قوله على موافقة فلان دون فلان، كائنا من كان.
قال الإمام أحمد: حدثنا أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله ﷺ جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حجرة، إذ ذكروا آية من القران، فتماروا فيها، حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله ﷺ مغضبا، قد احمر
[ ٢٠٠ ]
وجهه، يرميهم بالتراب، ويقول: "مهلا يا قوم! بهذا أهلكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه" (^١).
ولا شك أن الله قد حرم القول عليه بغير علم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. فعلى العبد أن يجعل ما بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه، فيصدق بأنه حق وصدق، وما سواه من كلام سائر الناس يعرضه عليه، فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل، وان لم يعلم: هل خالفه أو وافقه، يكون ذلك الكلام مجملا لا يعرف مراد صاحبه، أو قد عرف مراده لكن لم يعرف هل جاء الرسول بتصديقه أو بتكذيبه فإنه يمسك عنه، ولا يتكلم إلا بعلم، والعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول، وقد يكون علم من غير الرسول، لكن في الأمور الدنيوية، مثل الطب والحساب والفلاحة، وأما الأمور الإلهية والمعارف الدينية، فهذه العلم فيها ما أخذ عن الرسول لا غير.
قوله: "ولا تثبت قدم الإسلام الا على ظهر التسليم والاستسلام".
ش: هذا من باب الاستعارة، إذ القدم الحسي لا تثبت إلا على ظهر شيء. أي لا يثبت إسلام من لم يسلم لنصوص الوحيين، وينقاد إليها، ولا يعترض عليها ولا يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه. روى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري ﵀ أنه قال: من الله الرسالة، ومن الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. وهذا كلام جامع نافع.
وما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل، وهو: أن العقل مع النقل كالعامي
_________________
(١) صحيح وأخرجه البغوي أيضا في شرح السنة رقم "١٢١" طبع المكتب الإسلامي. ورجاله ثقات على خلاف معروف في عمرو بن شعيب.
[ ٢٠١ ]
المقلد مع العالم المجتهد، بل هو دون ذلك بكثير، فإن العامي يمكنه أن يصير عالما، ولا يمكن العالم أن يصير نبيا رسولا، فإذا عرف العامي المقلد عالما، فدل عليه عاميا آخر، ثم اختلف المفتي والدال، فإن المستفتي يجب عليه قبول قول المفتي، دون الدال، فلو قال الدال: الصواب معي دون المفتي؛ لأني أنا الأصل في علمك بأنك مفت، فإذا قدمت قوله على قولي قدحت في الأصل الذي به عرف أنه مفت، فلزم القدح في فرعه! فيقول له المستفتي: أنت لما شهدت له بأنه مفت، ودللت عليه، شهدت له بوجوب تقليده دونك، فموافقتي لك في هذا العلم المعين، لا تستلزم موافقتك في كل مسألة، وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك، لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفت، هذا مع علمه أن ذلك المفتي قد يخطئ.
والعاقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله تعالى، لا يجوز عليه الخطأ، فيجب عليه التسليم له والانقياد لأمره، وقد علمنا بالاضطرار من دين الإسلام أن الرجل لو قال للرسول: هذا القرآن الذي تلقيه علينا، والحكمة التي جئتنا بها، قد تضمن كل منهما أشياء كثيرة تناقض ما علمناه بعقولنا، ونحن إنما علمنا صدقك بعقولنا، فلو قبلنا جميع ما تقوله مع أن عقولنا تناقض ذلك لكان قدحا في ما علمنا به صدقك، فنحن نعتقد موجب العقول الناقضة لما ظهر من كلامك، وكلامك نعرض عنه، لا نتلقى منه هديا ولا علما، لم يكن مثل هذا الرجل مؤمنا بما جاء به الرسول، ولم يرض منه الرسول بهذا، بل يعلم أن هذا لو ساغ لأمكن كل أحد أن يؤمن بشيء مما جاء به الرسول، إذ العقول متفاوتة، والشبهات كثيرة، والشياطين لا تزال تلقي الوسواس في النفوس، فيمكن كل أحد أن يقول مثل هذا في كل ما أخبر به الرسول وما أمر به!! وقد قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [النور: ٥٤]. وقال: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٤]. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]. ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدخان: ١، ٢]. ﴿تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: ٢]. ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ
[ ٢٠٢ ]
الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]. ونظائر ذلك كثيرة في القرآن، فأمر الإيمان بالله واليوم الآخر؛ إما أن يكون الرسول تكلم فيه بما يدل على الحق أم لا؟ الثاني باطل، وإن كان قد تكلم [بما يدل] على الحق بألفاظ مجملة محتملة، فما بلغ البلاغ المبين، وقد شهد له خير القرون بالبلاغ، وأشهد الله عليهم في الموقف الأعظم، فمن يدعي أنه في أصول الدين لم يبلغ البلاغ المبين، فقد افترى عليه ﷺ.
قوله: "فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان".
ش: هذا تقرير للكلام الأول، وزيادة تحذير أن يتكلم في أصول الدين، بل وفي غيرها، بغير علم. وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ، كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: (٣)، ٤]. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ، ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج (٨)، ٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠]. وقال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى.
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل"، ثم تلا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ (^١) [الزخرف: ٥٨]. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. وعن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم". خرجاه في "الصحيحين".
_________________
(١) حسن كما قال الترمذي: "المشكاة" "١٨٠" و"صحيح الترغيب" "رقم ١٣٧".
[ ٢٠٣ ]
ولا شك أن من لم يسلم للرسول نقص توحيده، فإنه يقول برأيه وهواه، ويقلد ذا رأي وهوى بغير هدى من الله، فينقص من توحيده بقدر خروجه عما جاء به الرسول، فإنه قد اتخذه في ذلك إلها غير الله. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]. أي: عبد ما تهواه نفسه. وإنما دخل الفساد في العالم من ثلاث فرق، كما قال عبد الله بن المبارك رحمة الله عليه:
رأيت الذنوب تميت القلوب … وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب … وخير لنفسك عصيانها
وهل أفسد الدين إلا الملوك … وأحبار سوء ورهبانها
فالملوك الجائرة يعترضون على الشريعة بالسياسات الجائرة، ويعارضونها بها، ويقدمونها على حكم الله ورسوله. وأحبار السوء، وهم العلماء الخارجون عن الشريعة بآرائهم وأقيستهم الفاسدة، المتضمنة تحليل ما حرم الله ورسوله، وتحريم ما أباحه، واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وإطلاق ما قيده، وتقييد ما أطلقه، ونحو ذلك. والرهبان وهم جهال المتصوفة، المعترضون على حقائق الإيمان والشرع، بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية، المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه على لسان نبيه ﷺ، والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان وحظوظ النفس. فقال الأولون: إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة! وقال الآخرون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل! وقال أصحاب الذوق إذا تعارض الذوق والكشف، وظاهر الشرع قدمنا الذوق والكشف.
ومن كلام أبي حامد الغزالي ﵀ في كتابه الذي سماه إحياء علوم الدين وهو من أجل كتبه، أو أجلها: "فإن قلت: فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه؟ فاعلم أن للناس في هذا غلوا وإسرافا في أطراف. فمن قائل: إنه بدعة وحرام، وإن العبد أن يلقى الله بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام. ومن قائل: إنه فرض، إما على الكفاية، وإما على الأعيان، وإنه أفضل الأعمال وأعلى القربات، فإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال
[ ٢٠٤ ]
عن دين الله. قال: وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أئمة الحديث من السلف وساق الألفاظ عن هؤلاء. قال: وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا. لا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه، قالوا: ما سكت عنه الصحابة مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم إلا لما يتولد منه من الشر. وكذلك قال ﷺ: "هلك المتنطعون" (^١). أي المتعمقون في البحث والاستقصاء. واحتجوا أيضا بأن ذلك لو كان من الدين لكان أهم ما يأمر به رسول الله ﷺ ويعلم طريقه ويثني على أربابه. ثم ذكر بقية استدلالهم، ثم ذكر استدلال الفريق الآخر. إلى أن قال: فإن قلت: فما المختار عندك؟ فأجاب بالتفصيل، فقال: فيه منفعة، وفيه مضرة: فهو في وقت الانتفاع حلال أو مندوب أو واجب، كما يقتضيه الحال. وهو باعتبار مضرته في وقت الاستضرار ومحله حرام. قال: فأما مضرته، فإثارة الشبهات، وتحريف العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم، وذلك مما يحصل بالابتداء، ورجوعها بالدليل مشكوك فيه، ويختلف فيه الأشخاص. فهذا ضرره في اعتقاد الحق، وله ضرر في تأكيد اعتقاد البدعة، وتثبيتها في صدورهم، بحيث تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، ولكن هذا الضرر بواسطة التعصب الذي يثور من الجدل. قال: وأما منفعته، فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه وهيئتها، فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، ولعل التخبيط والتضليل أكثر من الكشف والتعريف. قال: وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا، فاسمع هذا ممن خبر الكلام، ثم قاله بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك الى التعمق في علوم أخر سوى نوع الكلام، وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود. ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور، ولكن على الندور. انتهى ما نقلته عن الغزالي ﵀.
وكلام مثله في ذلك حجة بالغة، والسلف لم يكرهوه لمجرد كونه اصطلاحا
_________________
(١) مسلم، من حديث ابن مسعود وهو مخرج في "غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام" "رقم ٧".
[ ٢٠٥ ]
جديدا على معان صحيحة، كالاصطلاح على ألفاظ العلوم الصحيحة، ولا كرهوا أيضا الدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل، بل كرهوه لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق، ومن ذلك: مخالفتها للكتاب والسنة وما فيه من علوم صحيحة، فقد وعروا الطريق إلى تحصيلها، وأطالوا الكلام في إثباتها مع قلة نفعها، فهي لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقى. وأحسن ما عندهم فهو في القرآن أصح تقريرا، وأحسن تفسيرا، فليس عندهم إلا التكلف والتطويل والتعقيد. كما قيل:
لولا التنافس في الدنيا لما وضعت … كتب التناظر لا المغني ولا العمد
يحللون بزعم منهم عقدا … وبالذي وضعوه زادت العقد
فهم يزعمون أنهم يدفعون بالذي وضعوه، الشبه والشكوك، والفاضل الذي يعلم أن الشبه والشكوك زادت بذلك.
ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله وكلام رسوله، ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين. بل الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل، ويتدبر معناه ويعقله، ويعرف برهانه ودليله العقلي والخبري السمعي، ويعرف دلالته على هذا وهذا، ويجعل أقوال الناس التي توافقه وتخالفه متشابهة مجملة، فيقال لأصحابها: هذه الألفاظ تحتمل كذا وكذا، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول قبل، وإن أرادوا بها ما يخالفه رد. وهذا مثل لفظ المركب والجسم والتحيز والجوهر والجهة والحيز والعرض، ونحو ذلك. فإن هذه الألفاظ لم تأت في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يريده أهل الاصطلاح، بل ولا في اللغة، بل هم يخصون بالتعبير بها عن معان لم يعبر غيرهم عنها بها، فتفسر تلك المعاني بعبارات أخر، وينظر ما دل عليه القرآن من الأدلة العقلية والسمعية، وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل.
مثال ذلك، في التركيب. فقد صار له معان: أحدها. التركيب من متباينين فأكثر. ويسمى: تركيب مزج، كتركيب الحيوان من الطبائع الأربع والأعضاء ونحو ذلك، وهذا المعنى منفي عن الله ﷾، ولا يلزم من وصف الله تعالى بالعلو نحوه من صفات الكمال، أن يكون مركبا بهذا المعنى المذكور.
[ ٢٠٦ ]
والثاني: تركيب الجوار، كمصراعي الباب ونحو ذلك، ولا يلزم أيضا من ثبوت صفاته تعالى إثبات هذا التركيب. الثالث: التركيب من الأجزاء المتماثلة، وتسمى: الجواهر المفردة. الرابع: التركيب من الهيولى والصورة، كالخاتم مثلا، هيولاه: الفضة، وصورته معروفة. وأهل الكلام قالوا: إن الجسم يكون مركبا من الجواهر المفردة، ولهم كلام في ذلك يطول، ولا فائدة فيه، وهو أنه: هل يمكن التركيب من جزئين، أو من أربعة، أو ستة، أو ثمانية، أو ستة عشر؟ وليس هذا التركيب لازما لثبوت صفاته تعالى وعلوه على خلقه. والحق أن الجسم غير مركب من هذه الأشياء، وإنما قولهم مجرد دعوى، وهذا مبسوط في موضعه. الخامس: التركيب من الذات والصفات، هم سموه تركيبا لينفوا به صفات الرب تعالى، وهذا اصطلاح منهم لا يعرف في اللغة، ولا في استعمال الشارع، فلسنا نوافقهم على هذه التسمة ولا كرامة. ولئن سموا إثبات الصفات تركيبا؛ فنقول لهم: العبرة للمعاني لا للألفاظ، سموه ما شئتم، ولا يترتب على التسمية بدون المعنى حكم! فلو اصطلح على تسمية اللبن خمرا، لم يحرم بهذه التسمية. السادس: التركيب من الماهية ووجودها، وهذا يفرضه الذهن أنهما غيران، وأما في الخارج، هل يمكن ذات مجردة عن وجودها، ووجودها مجرد عنها؟ هذا محال. فترى أهل الكلام يقولون: هل ذات الرب وجوده أم غير وجوده؟ ولهم في ذلك خبط كثير. وأمثلهم طريقة رأي الوقف والشك في ذلك. وكم يزول بالاستفسار والتفصيل كثير من الأضاليل والأباطيل.
وسبب الإضلال الإعراض عن تدبر كلام الله وكلام رسوله، والاشتغال بكلام اليونان والآراء المختلفة، وإنما سمي هؤلاء: أهل الكلام، لأنهم لم يفيدوا علما لم يكن معروفا، وإنما أتوا بزيادة كلام قد لا يفيد، وهو ما يضربونه من القياس لإيضاح ما علم بالحس، وإن كان هذا القياس وأمثاله ينتفع به في موضع آخر، ومع من ينكر الحس، وكل من قال برأيه وذوقه وسياسته مع وجود النص، أو عارض النص بالمعقول، فقد ضاهى إبليس، حيث لم يسلم لأمر ربه، بل قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]. وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]. وقال
[ ٢٠٧ ]
تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. أقسم سبحانه بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا نبيه ويرضوا بحكمه ويسلموا تسليما.
قوله: "فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، موسوسا تائها، شكا، لا مؤمنا مصدقا، ولا جاحدا مكذبا".
ش: يتذبذب: يضطرب ويتردد، وهذه الحالة التي وصفها الشيخ ﵀ حال كل من عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام المذموم، أو أراد أن يجمع بينه وبين الكتاب والسنة، وعند التعارض يتأول النص ويرده إلى الرأي والآراء المختلفة، فيؤول أمره إلى الحيرة والضلال والشك، كما قال ابن رشد الحفيد، وهو من أعلم الناس بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم، في كتابه تهافت التهافت: ومن الذي قال في الإلهيات شيئا يعتد به؟ وكذلك الآمدي، أفضل أهل زمانه، واقف في المسائل الكبار حائر، وكذلك الغزالي ﵀، انتهى آخر أمره إلى الوقف والحيرة في المسائل الكلامية، ثم أعرض عن تلك الطرق وأقبل على أحاديث الرسول ﷺ، فمات و[صحيح الإمام] البخاري على صدره. وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، قال في كتابه الذي صنفه: [أقسام] اللذات:
نهاية إقدام العقول عقال … وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا … وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
فكم قد رأينا من رجال ودولة … فبادوا جميعا مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها … رجال فزالوا والجبال جبال
لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]. وأقرأ في
[ ٢٠٨ ]
النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]. ثم قال: "ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي".
وكذلك قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، إنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، حيث قال:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها … وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعًا كف حائر … على ذقن أو قارعًا سن نادم
وكذلك قال أبو المعالي الجويني: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به. وقال عند موته: لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي، أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور. وكذلك قال شمس الدين الخسروشاهي، وكان من أجل تلامذة فخر الدين الرازي، لبعض الفضلاء، وقد دخل عليه يوما، فقال: ما تعتقده؟ قال: ما يعتقده المسلمون، فقال: وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به؟ أو كما قال، فقال: نعم، فقال: أشكر الله على هذه النعمة، لكني والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، والله ما أدري ما أعتقد، وبكى حتى أخضل لحيته. ولابن أبي الحديد. الفاضل المشهور بالعراق:
فيك يا أغلوطة الفكر … حار أمري وانقضى عمري
سافرت فيك العقول فما … ربحت إلا أذى السفر
فلحى الله الأولى زعموا … أنك المعروف بالنظر
كذبوا إن الذي ذكروا … خارج عن قوة البشر
وقال الخوفجي عند موته: ما عرفت مما حصلته شيئًا سوى أن الممكن يفتقر إلى المرجح، ثم قال: الافتقار وصف سلبي، أموت وما عرفت شيئًا. وقال آخر: اضطجع على فراشي وأضع اللحفة على وجهي، وأقابل بين حجج هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر، ولم يترجح عندي منها شيء.
ومن يصل إلى مثل هذه الحال إن لم يتداركه الله برحمته وإلا تزندق، كما قال أبو يوسف: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن
[ ٢٠٩ ]
طلب غريب الحديث كذب. وقال الشافعي ﵀: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام. وقال: لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت مسلما يقوله، ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه -ما خلا الشرك بالله- خير له من أن يبتلى بالكلام. انتهى.
وتجد أحد هؤلاء عند الموت يرجع إلى مذهب العجائز، فيقر بما أقروا به ويعرض عن تلك الدقائق المخالفة لذلك، التي كان يقطع بها، ثم تبين له فسادها، أو لم يتبين له صحتها، فيكونون في نهاياتهم -إذا سلموا من العذاب- بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب.
والدواء النافع لمثل هذا المرض، ما كان طبيب القلوب صلوات الله وسلامه عليه يقوله إذا قام من الليل يفتتح الصلاة: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (^١). خرجه مسلم. توجه ﷺ إلى ربه بربوبية جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إذ حياة القلب بالهداية. وقد وكل الله سبحانه هؤلاء الثلاثة بالحياة: فجبرائيل موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وميكائيل بالقطر الذي هو سبب حياة الأبدان وسائر الحيوان، وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إلى أجسادها. فالتوسل إلى الله سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة، له تأثير عظيم في حصول المطلوب. والله المستعان.
قوله: "ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم، أو تأولها بفهم، إذ كان تأويل الرؤية -وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية- بترك التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين، ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه".
_________________
(١) صحيح، ورواه أبو عوانة أيضا في "صحيحه".
[ ٢١٠ ]
ش: يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على المعتزلة ومن يقول بقولهم في نفي الرؤية، وعلى من يشبه الله بشيء من مخلوقاته، فإن النبي ﷺ قال: "إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر" (^١)، الحديث: أدخل كاف التشبيه على ما المصدرية [أو] الموصولة بترون التي تتأول مع صلتها إلى المصدر الذي هو الرؤية، فيكون التشبيه في الرؤية لا في المرئي. وهذا بين واضح في أن المراد إثبات الرؤية وتحقيقها، ودفع الاحتمالات عنها. وماذا بعد هذا البيان وهذا الإيضاح؟! فإذا سلط التأويل على مثل هذا النص، كيف يستدل بنص من النصوص؟! وهل يحتمل هذا النص أن يكون معناه: إنكم تعلمون ربكم كما تعلمون القمر ليلة البدر؟! ويستشهد لهذا التأويل الفاسد بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]. ونحو ذلك مما استعمل فيه رأى التي من أفعال القلوب!! ولا شك أن ترى تارة تكون بصرية، وتارة تكون قلبية، وتارة تكون من رؤيا الحلم، وغير ذلك، ولكن ما يخلو الكلام من قرينة تخلص أحد معانيه من الباقي، وإلا لو أخلى المتكلم كلامه من القرينة المخلصة لأحد المعاني لكان مجملا ملغزا، لا مبينا موضحا. وأي بيان وقرينة فوق قوله: "ترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب؟ "، فهل مثل هذا مما يتعلق برؤية البصر، أو برؤية القلب؟ وهل يخفى مثل هذا إلا على من أعمى الله قلبه؟
فإن قالوا: ألجأنا إلى هذا التأويل، حكم العقل بأن رؤيته تعالى محال لا يتصور إمكانها!
فالجواب: أن هذه دعوى منكم، خالفكم فيها أكثر العقلاء، وليس في العقل ما يحيلها، بل لو عرض على العقل موجود قائم بنفسه لا يمكن رؤيته لحكم بأن هذا محال.
وقوله: "لمن اعتبرها منهم بوهم"، أي توهم أن الله تعالى يرى على صفة كذا، فيتوهم تشبيها، ثم بعد هذا التوهم -إن أثبت ما توهمه من الوصف- فهو مشبه، وإن نفى الرؤية من أصلها لأجل ذلك التوهم، فهو جاحد معطل، بل
_________________
(١) متفق عليه، وقد تقدم "ص ١٩٣".
[ ٢١١ ]
الواجب دفع ذلك الوهم وحده، ولا يعم بنفيه الحق والباطل، فينفيهما ردا على من أثبت الباطل، بل الواجب رد الباطل وإثبات الحق.
وإلى هذا المعنى أشار الشيخ ﵀ بقوله: ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه فإن هؤلاء المعتزلة يزعمون أنهم ينزهون الله بهذا النفي! وهل يكون التنزيه بنفي صفة الكمال؟ فإن نفي الرؤية ليس بصفة كمال، إذ المعدوم لا يرى، وإنما الكمال في إثبات الرؤية ونفي إدراك الرائي له إدراك إحاطة، كما في العلم، فإن نفي العلم به ليس بكمال، وإنما الكمال في إثبات العلم ونفي الإحاطة به علما. فهو سبحانه لا يحاط به رؤية، كما لا يحاط به علما.
وقوله: "أو تأولها بفهم" أي ادعى أنه فهم لها تأويلا يخالف ظاهرها، وما يفهمه كل عربي من معناها، فإنه قد صار اصطلاح المتأخرين في معنى التأويل: أنه صرف اللفظ عن ظاهره، وبهذا تسلط المحرفون على النصوص، وقالوا: نحن نتأول ما يخالف قولنا، فسموا التحريف: تأويلا، تزيينا له وزخرفة ليقبل، وقد ذم الله الذين زخرفوا الباطل، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢]. والعبرة للمعاني لا للألفاظ، فكم من باطل قد أقيم عليه دليل مزخرف عورض به دليل الحق. وكلامه هنا نظير قوله فيما تقدم: لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا. ثم أكد هذا المعنى بقوله: إذا كان تأويل الرؤية، وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين. ومراده ترك التأويل [الذي] يسمونه تأويلا، وهو تحريف، ولكن الشيخ ﵀ تأدب وجادل بالتي هي أحسن، كما أمر الله تعالى بقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن﴾ [النحل: ١٢٥]. وليس مراده ترك كل ما يسمى تأويلا، ولا ترك شيئا من الظواهر لبعض الناس لدليل راجح من الكتاب والسنة، وإنما مراده ترك التأويلات الفاسدة المبتدعة، المخالفة لمذهب السلف، التي يدل الكتاب والسنة على فسادها، وترك القول على الله بلا علم.
فمن التأويلات الفاسدة، تأويل أدلة الرؤية، وأدلة العلو، وأنه لم يكلم موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا! ثم قد صار لفظ "التأويل" مستعملا في غير معناه الأصلي.
[ ٢١٢ ]