…
قوله: "والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: (٢٢)، ٢٣]. وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ﷿ ولرسوله ﷺ، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه".
ش: المخالف في الرؤية الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية، وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة، وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، وأهل الحديث، وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة.
وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس المتنافسون، وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون، وعن بابه مردودون.
وقد ذكر الشيخ ﵀ من الأدلة قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: (٢٢)، ٢٣]. وهي من أظهر الأدلة، وأما من أبى إلا تحريفها بما يسميه تأويلًا؛ فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والحساب، أسهل من تأويلها على أرباب التأويل، ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص.
وهذا الذي أفسد الدنيا والدين، وهكذا فعلت اليهود والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل، وحذرنا الله أن نفعل مثلهم، وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية، فهل قتل عثمان ﵁ إلا بالتأويل الفاسد؟ وكذا ما جرى في يوم الجمل، وصفين، ومقتل الحسين، والحرة؟ وهل خرجت الخوارج، واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، إلا بالتأويل الفاسد؟!
وإضافة النظر إلى الوجه، الذي هو محله، في هذه الآية، وتعديته بأداة إلى الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلافه حقيقة (^١) موضوعة صريحة في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب ﷻ.
_________________
(١) في الأصل: حقيقته.
[ ١٨٩ ]
فإن النظر له عدة استعمالات، بحسب صلاته وتعديه بنفسه؛ فإن عدي بنفسه فمعناه: التوقف والانتظار: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. وإن عدي بـ"في" فمعناه: التفكر والاعتبار، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. وإن عدي بـ"إلى" فمعناه: المعاينة بالأبصار، كقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩]. فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر؟ وروى ابن مردويه بسنده إلى ابن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ، في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، قال: "من البهاء والحسن"، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، قال: "في وجه الله ﷿" (^١). عن الحسن قال: نظرت إلى ربها فنضرت بنوره. وقال أبو صالح عن ابن عباس ﵄، [﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: تنظر إلى وجه ربها ﷿. وقال عكرمة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، قال: من النعيم، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، قال: تنظر إلى ربها نظرا، ثم حكى عن ابن عباس مثله]. وهذا قول المفسرين من أهل السنة والحديث، وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]. قال الطبري: قال عليّ بن أبي طالب وأنس بن مالك: هو النظر إلى وجه الله ﷿. وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فالحسنى: الجنة، والزيادة: هي النظر إلى وجهه الكريم، فسرها بذلك رسول الله ﷺ والصحابة من بعده، كما روى مسلم في صحيحه عن صهيب، قال: قرأ رسول الله ﷺ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة" (^٢). ورواه غيره بأسانيد
_________________
(١) ضعيف جدا؛ لأن في إسناده ثوير ابن أبي فاختة، كذبه الثوري، وجزم الحافظ في "التقريب" بضعفه. "انظر مقدمة الطبعة الثانية ص ٤، ٥".
(٢) صحيح رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد نحوه عن صهيب ﵁، وهو مخرج في "ظلال الجنة" "٤٧٢".
[ ١٩٠ ]
متعددة وألفاظ أخر، معناها أن الزيادة النظر إلى وجه الله ﷿، وكذلك فسرها الصحابة ﵃. روى ابن جرير [ذلك] عن جماعة، منهم: أبو بكر الصديق ﵁، وحذيفة، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس، ﵃.
وقال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. احتج الشافعي ﵀ وغيره من الأئمة بهذه الآية على الرؤية لأهل الجنة، ذكر ذلك الطبري وغيره عن المزني عن الشافعي، وقال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي، وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول الله ﷿: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟ [المطففين: ١٥] فقال الشافعي: لما أن حجب هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضى.
وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وبقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾، فالآيتان دليل عليهم:
أما الآية الأولى: فالاستدلال منها على ثبوت رؤيته من وجوه: أحدها: أنه لا يظن بكليم الله ورسوله الكريم وأعلم الناس بربه في وقته، أن يسأل ما لا يجوز عليه، بل هو عندهم من أعظم المحال. الثاني: أن الله لم ينكر عليه سؤاله، ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر سؤاله، وقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]. الثالث: أنه تعالى قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، ولم يقل: إني لا أرى، أو لا تجوز رؤيتي، أو لست بمرئي، والفرق بين الجوابين ظاهر، ألا ترى أن من كان في كمه حجر فظنه رجل طعاما فقال: أطعمنيه، فالجواب الصحيح: أنه لا يؤكل، أما إذا كان طعاما صح أن يقال: إنك لن تأكله، وهذا يدل على أنه سبحانه مرئي، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار، لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى. يوضحه الوجه الرابع، وهو قوله: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]. فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه الدار، فكيف بالبشر الذي خلق من ضعف؟ الخامس: أن الله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقرا، وذلك ممكن، وقد علق به الرؤية،
[ ١٩١ ]
ولو كانت محالا لكان نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام. والكل عندهم سواء. السادس: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فإذا جاز أن يتجلى للجبل، الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لرسوله وأوليائه في دار كرامته؟ ولكن الله أعلم موسى أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار، فالبشر أضعف. السابع: أن الله كلم موسى وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبه كلامه بغير واسطة، فرؤيته أولى بالجواز؛ ولهذا لا يتم إنكار رؤيته إلا بإنكار كلامه، وقد جمعوا بينهما، وأما دعواهم تأييد النفي بـ"لن" وأن ذلك يدل على نفي الرؤية في الآخرة؛ ففاسد، فإنها لو قيدت بالتأبيد لا يدل على دوام النفي في الآخرة، فكيف إذا أطلقت؟ قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥]، مع قوله: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، ولأنها لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد جاء ذلك، قال تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: ٨٠]، فثبت أن لن لا تقتضي النفي المؤبد.
قال الشيخ جمال الدين ابن مالك ﵀:
ومن رأى النفي بلن مؤبدا … فقوله اردد وسواه فاعضدا
وأما الآية الثانية: فالاستدلال بها على الرؤية من وجه حسن لطيف، وهو: أن الله تعالى إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالصفات الثبوتية، وأما العدم المحض فليس بكمال فلا يمدح به، وإنما يمدح الرب تعالى بالنفي إذا تضمن أمرا وجوديا، كمدحه بنفي السنة والنوم، المتضمن كمال القيومية، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب والإعياء، المتضمن كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير، المتضمن كمال الربوبية والألوهية وقهره، ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال صمديته وغناه، ونفي الشفاعة عنده إلا بإذنه المتضمن كمال توحده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم، المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه، المتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي المثل، المتضمن لكمال ذاته وصفاته، ولهذا لم يتمدح بعدم محض لم يتضمن أمرا ثبوتيا، فإن المعدم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمر
[ ١٩٢ ]
يشترك هو والمعدوم فيه، فإن المعنى: أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به، فقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، يدل على كمال عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء: ٦٢]، فلم ينف موسى الرؤية، وإنما نفى الإدراك، فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يُرى ولا يُدرك، كما يعلم ولا يحاط به علما، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية، كما ذكرت أقوالهم في تفسير الآية، بل هذه الشمس المخلوقة لا يتمكن رائيها من إدراكها على ما هي عليه.
وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه، الدالة على الرؤية فمتواترة، رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن، فمنها: حديث أبي هريرة: أن ناسا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: "هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال: "هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا، قال: "فإنكم ترونه كذلك" (^١)، الحديث، أخرجاه في "الصحيحين" بطوله. وحديث أبي سعيد الخدري أيضا في "الصحيحين" نظيره. وحديث جرير بن عبد الله البجلي، قال: كنا جلوسا مع النبي ﷺ، فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال: "إنكم سترون ربكم عيانا، كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته" (^٢)، الحديث أخرجاه في "الصحيحين". وحديث صهيب المتقدم، رواه مسلم وغيره. وحديث أبي موسى عن النبي ﷺ، قال: "وجنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم ﵎ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة
_________________
(١) متفق عليه، وهو مخرج في "ظلال الجنة" "٤٥٣، ٤٧٥".
(٢) متفق عليه، وهو مخرج في المصدر المذكور "٤٤٦ - ٤٥١ و٤٦١"، وفي ثبوت كلمة "عيانا" نظر عندي، بينته هناك فراجعه.
[ ١٩٣ ]
عدن" (^١)، أخرجاه في "الصحيحين". ومن حديث عدي بن حاتم: "وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له، فيقول: ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: ألم أعطك مالا وأفضل عليك؟ فيقول، بلى يا رب" (^٢). أخرجه البخاري في "صحيحه".
وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابيا، ومن أحاط بها معرفة يقطع بأن الرسول قالها، ولولا أني التزمت الاختصار لسقت ما في الباب من الأحاديث.
ومن أراد الوقوف عليها فليواظب سماع الأحاديث النبوية، فإن فيها مع إثبات الرؤية أنه يكلم من شاء إذا شاء، وأنه يأتي لفصل القضاء يوم القيامة، وأنه فوق العالم، وأنه يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وأنه يتجلى لعباده، وأنه يضحك، إلى غير ذلك من الصفات التي سماعها على الجهمية بمنزلة الصواعق، وكيف تعلم أصول دين الإسلام من غير كتاب الله وسنة رسوله؟ وكيف يفسر كتاب الله بغير ما فسره به رسوله ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم، الذين نزل القرآن بلغتهم؟ وقد قال ﷺ: "من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" (^٣). وفي رواية: "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار" (^٤). وسئل أبو بكر ﵁ عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]. ما الأب؟ فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟
_________________
(١) متفق عليه، وهو مخرج في "الضعيفة" "٣٤٦٥" تحت حديث آخر نحو هذا، لكن فيه زيادة على هذا، ولذلك خرجته هناك.
(٢) في "المناقب".
(٣) ضعيف: أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عباس مرفوعا، وأوله "اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، ومن قال في القرآن برأيه … " الحديث، ورواه ابن جرير أيضا، وإسناده ضعيف كما ذكرت في "تخريج المشكاة" "٢٣٤"*.
(٤) ضعيف، رواه أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث جندب. * كان هنا في الطبعة الأولى وهم من المخرج استغله صاحب التقرير، متعمدا عن ذكر التصحيح في آخر تلك الطبعة، وانظر الصفحة ٣٠ من مقدمة الألباني. -زهير-
[ ١٩٤ ]
وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيها لله، بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي، ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه، وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومن قال: يرى لا في جهة، فليراجع عقله!! فإما أن يكون مكابرا لعقله وفي عقله شيء، وإلا فإذا قال يرى لا أمام الرائي ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته، رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة.
ولهذا ألزم المعتزلة من نفي العلو بالذات بنفي الرؤية، وقالوا: كيف تعقل رؤية بلا مقابلة بغير جهة، وإنما لم نره في الدنيا لعجز أبصارنا، لا لامتناع الرؤية، فهذه الشمس إذا حدق الرائي البصر في شعاعها ضعف عن رؤيتها، لا لامتناع في ذات المرئي، بل لعجز الرائي، فإذا كان في الدار الآخرة أكمل الله قوى الآدميين حتى أطاقوا رؤيته، ولهذا لما تجلى الله للجبل: ﴿خَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، بأنه لا يراك حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده، ولهذا كان البشر يعجزون عن رؤية الملك في صورته، إلا من أيده الله كما أيد نبينا، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [الأنعام: ٨]. قال غير واحد من السلف: لا يطيقون أن يروا الملك في صورته، فلو أنزلنا عليهم ملكا لجعلناه في صورة بشر، وحينئذ يشتبه عليهم: هل هو بشر أو ملك؟ ومن تمام نعمة الله علينا أن بعث فينا رسولا منا.
وما ألزمهم المعتزلة هذا الإلزام إلا لما وافقوهم على أنه لا داخل العالم ولا خارجه. لكن قول من أثبت موجودا يرى لا في جهة، أقرب إلى العقل من قول من أثبت موجودا قائما بنفسه لا يرى ولا في جهة.
ويقال لمن قال بنفي الرؤية لانتفاء لازمها وهو الجهة: أتريد بالجهة أمرا وجوديا؟ أو أمرا عدميا؟ فإن أراد بها أمرا وجوديا كان التقرير: كل ما ليس في شيء موجود لا يرى، وهذه المقدمة ممنوعة، ولا دليل على إثباتها، بل هي باطلة، فإن سطح العالم يمكن أن يرى، وليس العالم في عالم آخر. وإن أردت بالجهة أمرا عدميا، فالمقدمة الثانية ممنوعة، فلا نسلم أنه ليس في جهة بهذا الاعتبار.
وكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة، وإنما يتلقاه من
[ ١٩٥ ]
قول فلان؟! وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله لا يتلقى تفسير كتاب الله من أحاديث الرسول، ولا ينظر فيها، ولا فيما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان، المنقول إلينا عن الثقات النقلة، الذين تخيرهم النقاد، فإنهم لم ينقلوا نظم القرآن وحده، بل نقلوا نظمه ومعناه، ولا كانوا يتعلمون القرآن كما يتعلم الصبيان، بل يتعلمونه بمعانيه. ومن لا يسلك سبيلهم فإنما يتكلم برأيه، ومن يتكلم برأيه وما يظنه دين الله ولم يتلق ذلك من الكتاب فهو مأثوم وإن أصاب، ومن أخذ من الكتاب والسنة فهو مأجور وإن أخطأ، لكن إن أصاب يضاعف أجره.
وقوله: والرؤية حق لأهل الجنة، تخصيص أهل الجنة بالذكر، يفهم منه نفي الرؤية عن غيرهم، ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة، وكذلك يرونه في المحشر قبل دخولهم الجنة، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن رسول الله ﷺ (^١). ويدل عليه قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]. واختلف في رؤية أهل المحشر على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يراه إلا المؤمنون. الثاني: يراه أهل الموقف، مؤمنهم وكافرهم، ثم يحتجب عن الكفار ولا يرونه بعد ذلك. الثالث: يراه مع المؤمنين المنافقون دون بقية الكفار. وكذلك الخلاف في تكليمه لأهل الموقف.
واتفقت الأمه على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعينه، ولم يتنازعوا في ذلك إلا في نبينا ﷺ خاصة: منهم من نفى رؤيته بالعين، ومنهم من أثبتها له ﷺ، وحكى القاضي عياض في كتابه الشفا اختلاف الصحابة ومن بعدهم في رؤيته ﷺ، وإنكار عائشة ﵂ أن يكون ﷺ رأى ربه بعين رأسه، وأنها قالت لمسروق حين سألها: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، ثم قالت: من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب (^٢). ثم قال: وقال جماعة بقول عائشة ﵂، وهو المشهور عن ابن مسعود وأبي هريرة واختلف عنه، وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته في الدنيا جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين. وعن ابن
_________________
(١) انظر صفحة ١٩٣.
(٢) أخرجه الشيخان وأحمد "٦/ ٤٩" في حديث لها معروف.
[ ١٩٦ ]
عباس ﵄: أنه ﷺ رآه بعينه (^١)، وروى عطاء عنه: أنه رآه بقلبه، ثم ذكر أقوالا وفوائد، ثم قال: وأما وجوبه لنبينا ﷺ والقول بأنه رآه بعينه فليس فيه قاطع ولا نص، والمعول فيه على آيتي النجم، والتنازع فيهما مأثور، والاحتمال لهما ممكن، وهذا القول الذي قاله القاضي عياض ﵀ هو الحق، فإن الرؤية في الدنيا ممكنة، إذ لو لم تكن ممكنة، لما سألها موسى ﵇، لكن لم يرد نص بأنه ﷺ رأى ربه بعين رأسه، بل ورد ما يدل على نفي الرؤية، وهو ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ فقال: "نور أنى أراه" (^٢). وفي رواية: "رأيت نورا". وقد روى مسلم أيضا عن أبي موس الأشعري ﵁ أنه قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور -وفي رواية: النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (^٣). فيكون -والله أعلم- معنى قوله لأبي ذر: "رأيت نورا": أنه رأى الحجاب، ومعنى قوله: "نور أنى أراه". النور الذي هو الحجاب يمنع من رؤيته، فأنى أراه؟ أي فكيف أراه والنور حجاب بيني وبينه يمنعني من رؤيته؟ فهذا صريح في نفي الرؤية. والله أعلم.
وحكى عثمان بن سعيد الدارمي اتفاق الصحابة على ذلك، ونحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته (^٤) لربه تعالى، وإن كانت رؤية الرب تعالى أعظم وأعلى، فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها البتة.
وقوله: بغير إحاطة ولا كيفية، هذا لكمال عظمته وبهائه، ﷾، لا تدركه الأبصار ولا تحيط به، كما يعلم ولا يحاط به علما، قال تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].
_________________
(١) ضعيف، أخرجه ابن خزيمة في التوحيد بألفاظ مضطربة عنه موقوفا.
(٢) صحيح أخرجه مسلم في آخر "كتاب الإيمان" ويشهد له حديث ابن عمر مرفوعا بلفظ: "يوم القيامة أول يوم نظرت فيه عين إلى الله ﷿". رواه الدارقطني كما في "الدر" "٦/ ١٩١"، وله شاهد مرسل، رواه أبو سعيد الدارمي في "الرد على الجهمية" "٥٧" طبع المكتب الإسلامي.
(٣) صحيح، وقد مضى "برقم ٥٢".
(٤) ما في المطبوعتين خطأ وصوابه ما أثبتناه من الأصل ويؤيده ما في "الرد على الجهمية" للدارمي "ص ٦٤".
[ ١٩٧ ]