فالتأويل في كتاب الله وسنة رسوله: هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، فتأويل الخبر: هو عن المخبر به، وتأويل الأمر: نفس الفعل المأمور به. كما قالت عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" يتأول القرآن (^١). وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]. ومنه تأويل الرؤيا، وتأويل العمل، كقوله: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠]. وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ٦]. وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وقوله: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢]، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢]، فمن ينكر وقوع مثل هذا التأويل، والعلم بما تعلق بالأمر والنهي منه؟ وأما ما كان خبرا، كالإخبار عن الله واليوم الآخر، فهذا قد لا يعلم تأويله، الذي هو حقيقته، إذ كانت لا تعلم بمجرد الإخبار، فإن المخبر إن لم يكن قد تصور المخبر به، أو ما يعرفه قبل ذلك، لم يعرف حقيقته، التي هي تأويله، بمجرد الإخبار، وهذا هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. لكن لا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعنى الذي قصد المخاطب إفهام المخاطب إياه، فما في القرآن آية إلا وقد أمر الله بتدبرها، وما أنزل آية إلا وهو يحب أن يعلم ما عنى بها، وإن كان من تأويله ما لا يعلمه إلا الله، فهذا معنى التأويل في الكتاب والسنة وكلام السلف، وسواء كان هذا التأويل موافقا للظاهر أو مخالفا له.
والتأويل في كلام كثير من المفسرين، كابن جرير ونحوه، يريدون به تفسير الكلام وبيان معناه، سواء وافق ظاهره أو خالف، وهذا اصطلاح معروف، وهذا التأويل كالتفسير، يحمد حقه، ويرد باطله، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]، الآية فيها قراءتان. قراءة من يقف
_________________
(١) متفق عليه.
[ ٢١٣ ]
على قوله "إلا الله"، وقراءة من لا يقف عندها، وكلتا القراءتين حق، ويراد بالأولى المتشابه في نفسه الذي استأثر الله بعلم تأويله، ويراد بالثانية المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون تفسيره، وهو تأويله، ولا يريد من وقف على قوله "إلا الله" أن يكون التأويل بمعنى التفسير للمعنى، فإن لازم هذا أن يكون الله أنزل على رسوله كلاما لا يعلم معناه جميع الأمة ولا الرسول، ويكون الراسخون في العلم لا حظ لهم في معرفة معناها سوى قولهم: ﴿آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]. وهذا القدر يقوله غير الراسخ في العلم من المؤمنين، والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن عوام المؤمنين في ذلك، وقد قال ابن عباس ﵄: أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله، ولقد صدق ﵁، فإن النبي ﷺ دعا له وقال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" (^١). رواه البخاري وغيره. ودعاؤه ﷺ لا يرد. قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس، من أوله إلى آخره، أقفه عند كل آية وأسله عنها، وقد تواترت النقول عنه أنه تكلم في جميع معاني القرآن، ولم يقل عن آية إنها من المتشابه الذي لا يعلم أحد تأويله إلا الله.
وقول الأصحاب ﵏ في الأصول: المتشابه: الحروف المقطعة في أوائل السور، ويروى هذا عن ابن عباس. مع أن هذه الحروف قد تكلم في معناها أكثر الناس، فإن كان معناها معروفا، فقد عرف معنى المتشابه، وإن لم يكن معروفا، وهي المتشابه، كان ما سواها معلوم المعنى، وهذا المطلوب.
وأيضا فإن الله قال: ﴿مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]. وهذه الحروف ليست آيات عند جمهور العادين.
_________________
(١) صحيح، رواه أحمد "١/ ٢٦٦، ٣١٤، ٣٢٨، ٣٣٥" والطبراني في "المعجم الكبير" "١/ ٨٤/ ٢" والبيهقي في "دلائل النبوة" والضياء المقدسي في "المختارة" بسند صحيح عن ابن عباس. وأما عزو المصنف إياه البخاري فوهم، وإنما عنده بلفظ: "اللهم علمه الحكمة"، وفي لفظ "الكتاب" بدل "الحكمة" أخرجه "١/ ٣١، ٢/ ٤٤٥، ٤/ ٤٩٩"، وهو رواية لأحمد "١/ ٢١٤، ٢٦٩، ٣٥٩" والطبراني، ورواه مسلم "٧/ ١٥٨" مختصرا بلفظ: "اللهم فقه". وهو رواية لأحمد "١/ ٣٢٧" وفي أخرى له "١/ ٣٣٠" عن ابن عباس قال. فدعا الله أن يزيدني علما وفهما.
[ ٢١٤ ]
والتأويل في كلام المتأخرين من الفقهاء والمتكلمين: هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدلالة توجب ذلك، وهذا هو التأويل الذي تنازع الناس فيه في كثير من الأمور الخبرية والطلبية، فالتأويل الصحيح منه: الذي يوافق ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وما خالف ذلك فهو التأويل الفاسد، وهذا مبسوط في موضعه، وذكر في التبصرة أن نصير بن يحيى البلخي روى عن عمرو بن إسماعيل بن حماد بن أبي يحيى بن محمد بن الحسن ﵏: أنه سئل عن الآيات والأخبار التي فيها من صفات الله تعالى ما يؤدي ظاهره إلى التشبيه؟ فقال: نمرها كما جاءت، ونؤمن بها، ولا نقول: كيف وكيف. ويجب أن يعلم أن المعنى الفاسد الكفري ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأن من فهم ذلك منه فهو لقصور فهمه ونقص علمه، وإذا كان قد قيل في قول بعض الناس:
وكم من عائب قولا صحيحا … وآفته من الفهم السقيم
وقيل:
علي نحت القوافي من معادنها … وما علي إذا لم تفهم البقر (^١)
كيف يقال في قول الله، الذي هو أصدق الكلام وأحسن الحديث، وهو الكتاب الذي ﴿أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١]. إن حقيقة قولهم إن ظاهر القرآن والحديث هو الضلال، وإنه ليس فيه بيان ما يصلح من الاعتقاد، ولا فيه بيان التوحيد والتنزيه؟! هذا حقيقة قول المتأولين. والحق أن ما دل عليه القرآن فهو حق، وما كان باطلا لم يدل عليه. والمنازعون يدعون دلالته على الباطل الذي يتعين صرفه!
فيقال لهم: هذا الباب الذي فتحتموه، وإن كنتم تزعمون أنكم تنتصرون به على إخوانكم المؤمنين في مواضع قليلة خفية، فقد فتحتم عليكم بابا لأنواع المشركين والمبتدعين، لا تقدرون على سده، فإنكم إذا سوغتم صرف القرآن عن دلالته المفهومة بغير دليل شرعي، فما الضابط فيما يسوغ تأويله وما لا يسوغ؟ فإن
_________________
(١) كان البيت مضطربا في الأصول، وهو للبحتري.
[ ٢١٥ ]
قلتم: ما دل القاطع العقلي على استحالته تأولناه، وإلا أقررناه! قيل لكم: وبأي عقل نزن القاطع العقلي؟ فإن القرمطي الباطني يزعم قيام القواطع على بطلان ظواهر الشرع! ويزعم الفيلسوف قيام القواطع على بطلان حشر الأجساد! ويزعم المعتزلي قيام القواطع على امتناع رؤية الله تعالى، وعلى امتناع قيام عالم أو كلام أو رحمة به تعالى!! وباب التأويلات التي يدعي أصحابها وجوبها بالمعقولات أعظم من أن تنحصر في هذا المقام، ويلزم حينئذ محذوران عظيمان: أحدهما: أن لا نقر بشيء من معاني الكتاب والسنة حتى نبحث قبل ذلك بحوثا طويلة عريضة في إمكان ذلك بالعقل! وكل طائفة من المختلفين في الكتاب يدعون أن العقل يدل على ما ذهبوا إليه، فيؤول الأمر إلى الحيرة المحذورة. الثاني: أن القلوب تتخلى عن الجزم بشيء تعتقده مما أخبر به الرسول. إذ لا يوثق بأن الظاهر هو المراد، والتأويلات مضطربة، فيلزم عزل الكتاب والسنة عن الدلالة والإرشاد إلى ما أنبأ الله به العباد، وخاصة النبي هي الإنباء، والقرآن هو النبأ العظيم. ولهذا نجد أهل التأويل إنما يذكرون نصوص الكتاب والسنة للاعتضاد لا للاعتماد، إن وافقت ما ادعوا أن العقل دل عليه قبلوه، وإن خالفته أولوه! وهذا فتح باب الزندقة، نسأل الله العافية.
قوله: "ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه".
ش: النفي والتشبيه مرضان من أمراض القلوب، فإن أمراض القلوب نوعان: مرض شبهة، ومرض شهوة، وكلاهما مذكور في القرآن، قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. فهذا مرض الشهوة، وقال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]. فهذا مرض الشبهة، وهو أردأ من مرض الشهوة، إذ مرض الشهوة يرجى له الشفاء بقضاء الشهوة، ومرض الشبهة لا شفاء له إن لم يتداركه الله برحمته. والشبهة التي في مسألة الصفات نفيها وتشبيهها، وشبه النفي أردأ من شبه التشبيه، فإن شبه النفي رد وتكذيب لما جاء به الرسول ﷺ، وشبه التشبيه غلو مجاوزة للحد فيما جاء به الرسول ﷺ. وتشبيه الله بخلقه كفر فإن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كمثله
[ ٢١٦ ]
شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ونفي الصفات كفر، فان الله تعالى يقول: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وهذا أصل نوعي التشبيه، فإن التشبيه نوعان: تشبيه الخالق بالمخلوق، وهذا الذي يتعب أهل الكلام في رده وإبطاله، وأهله في الناس أقل من النوع الثاني، الذين هم أهل تشبيه المخلوق بالخالق، كعباد المشايخ، وعزير، والشمس والقمر، والأصنام، والملائكة، والنار، والماء، والعجل، والقبور، والجن، وغير ذلك. وهؤلاء هم الذين أرسلت لهم الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
قوله: "فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية".
ش: يشير الشيخ ﵀ إلى تنزيه الرب تعالى بالذي هو وصفه كما وصف نفسه نفيا وإثباتا، وكلام الشيخ مأخوذ من معنى سورة الإخلاص، فقوله: موصوف بصفات الوحدانية مأخوذ من قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢]. وقوله: منعوت بنعوت الفردانية من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٢، ٣]. وقوله: ليس في معناه أحد من البرية من قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]. وهو أيضا مؤكد لما تقدم من إثبات الصفات ونفي التشبيه، والوصف والنعت مترادفان، وقيل: متقاربان. فالوصف للذات، والنعت للفعل، وكذلك الوحدانية والفردانية، وقيل في الفرق بينهما: إن الوحدانية للذات، والفردانية للصفات، فهو تعالى موحد في ذاته، منفرد بصفاته، وهذا المعنى حق ولم ينازع فيه أحد، ولكن في اللفظ نوع تكرير، وللشيخ نظير هذا التكرير في مواضع من العقيدة، وهو بالخطب والأدعية أشبه منه بالعقائد، والتسجيع (^١) بالخطب أليق. و﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. أكمل في التنزيه من قوله: ليس في معناه أحد من البرية.
_________________
(١) التسجيع، بالسين المهملة، يعني: السجع.
[ ٢١٧ ]
قوله: "وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات".
ش: أذكر بين يدي الكلام على عبارة الشيخ ﵀ مقدمة، وهي: أن الناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال: فطائفة تنفيها، وطائفة تثبتها، وطائفة تفصل، وهم المتبعون للسلف، فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا تبين، ما أثبت بها فهو ثابت، وما نفي بها فهو منفي؛ لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام، كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية، فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي، ولهذا كان النفاة ينفون بها حقا وباطلا، ويذكرون عن مثبتها ما لا يقولون به، وبعض المثبتين لها يدخل لها معنى باطلا، مخالفا لقول السلف، ولما دل عليه الكتاب والميزان، ولم يرد نص من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها، وليس لنا أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله نفيا ولا إثباتا، وإنما نحن متبعون لا مبتدعون.
فالواجب أن ينظر في هذا الباب، أعني باب الصفات، فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه، والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها فلا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها: فإن كان معنى صحيحا قبل، لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص، دون الألفاظ المجملة، إلا عند الحاجة، مع قرائن تبين المراد، والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها، ونحو ذلك.
والشيخ ﵀ أراد الرد بهذا الكلام على المشبهة، كداود الجواربي وأمثاله القائلين: إن الله جسم، وإنه جثة وأعضاء وغير ذلك! تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، فالمعنى الذي أراده الشيخ ﵀ من النفي الذي ذكره هنا حق، لكن حدث بعده من أدخل في عموم نفيه حقا وباطلا، فيحتاج إلى بيان ذلك. وهو: أن السلف متفقون على أن البشر لا يعلمون لله حدا، وأنهم لا يحدون شيئا من صفاته. قال أبو داود الطيالسيى: كان سفيان وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة
[ ٢١٨ ]
وشريك وأبو عوانة، لا يحدون ولا يشبهون ولا يمثلون، يروون الحديث ولا يقولون: كيف؟ وإذا سئلوا قالوا بالأثر، وسيأتي في كلام الشيخ: وقد أعجز خلقه عن الإحاطة به، فعلم أن مراده أن الله يتعالى عن أن يحيط أحد بحدة، لأن المعنى أنه متميز عن خلقه منفصل عنهم مباين لهم. سئل عبد الله بن المبارك: بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه على العرش، بائن من خلقه، قيل: بحد؟ قال: بحد، انتهى. ومن المعلوم أن الحد يقال على ما ينفصل به الشيء ويتميز به عن غيره، والله تعالى غير حال في خلقه، ولا قائم بهم، بل هو القيوم القائم بنفسه، المقيم لما سواه، فالحد بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في نفس الأمر أصلا، فإنه ليس وراء نفيه إلا نفي وجود الرب ونفي حقيقته، وأما الحد بمعنى العلم والقول، وهو أن يحده العباد، فهذا منتف بلا منازعة بين أهل السنة. قال أبو القاسم القشيري في رسالته: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، سمعت أبا منصور بن عبد الله، سمعت أبا الحسن العنبري، سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول، وقد سئل عن ذات الله فقال: ذات الله موصوفة بالعلم، غير مدركة بالإحاطة، ولا مرئية بالأبصار في دار الدنيا، وهي موجودة بحقائق الإيمان، من غير حد ولا إحاطة ولا حلول، وتراه العيون في العقبى، ظاهرا في ملكه وقدرته، وقد حجب الخلق عن معرفة كنه ذاته، ودلهم عليه بآياته، فالقلوب تعرفه، والعيون لا تدركه، ينظر إليه المؤمن بالأبصار، من غير إحاطة ولا إدراك نهاية.
وأما لفظ الأركان والأعضاء والأدوات، فيستدل بها النفاة على نفي بعض الصفات الثابتة بالأدلة القطعية، كاليد والوجه. قال أبو حنيفة ﵁ في "الفقه الأكبر": له يد ووجه ونفس، كما ذكر تعالى في القرآن من ذكر اليد والوجه والنفس، فهو له صفة بلا كيف، ولا يقال: أن يده قدرته ونعمته؛ لأن فيه إبطال الصفة، انتهى. وهذا الذي قاله الإمام ﵁، ثابت بالأدلة القاطعة؛ قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]. وقال تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]
[ ٢١٩ ]
وقال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١]. وقال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]. وقال ﷺ في حديث الشفاعة لما يأتي الناس آدم فيقولون له: "خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء" (^١)، الحديث. ولا يصح تأويل من قال: إن المراد باليد: بالقدرة، فإن قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. لا يصح أن يكون معناه بقدرتي مع تثنية اليد، ولو صح ذلك لقال إبليس: وأنا أيضا خلقتني بقدرتك، فلا فضل له علي بذلك. فإبليس -مع كفره- كان أعرف بربه من الجهمية، ولا دليل لهم في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: ٧١]؛ لأنه تعالى جمع الأيدي لما أضافها إلى ضمير الجمع، ليتناسب الجمعان، فاللفظان للدلالة على الملك والعظمة، ولم يقل: أيدي مضافا إلى ضمير المفرد، ولا يدينا بتثنية اليد مضافا إلى ضمير الجمع، فلم يكن قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ نظير قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي﴾. وقال النبي ﷺ عن ربه ﷿: "حجابه النور، ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (^٢).
ولكن لا يقال لهذه الصفات إنها أعضاء، أو جوارح، أو أدوات، أو أركان؛ لأن الركن جزء الماهية، والله تعالى هو الأحد الصمد، لا يتجزأ، ﷾، والأعضاء فيها معنى التفريق والتعضية (^٣)، تعالى الله عن ذلك، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]. والجوارح فيها معنى الاكتساب والانتفاع، وكذلك الأدوات هي الآلات التي ينتفع بها في جلب المنفعة ودفع المضرة، وكل هذه المعاني منتفية عن الله تعالى، ولهذا لم يرد ذكرها في صفات الله تعالى، فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني، سالمة من الاحتمالات الفاسدة،
_________________
(١) صحيح، أخرجه البخاري "٤/ ٤٥٤، ٤٦٤" وأحمد "٣/ ١١٦" في حديث الشفاعة من حديث أنس، وسيأتي بلفظ آخر. "ص ٢٢٩".
(٢) صحيح، وقد تقدم بتمام "برقم ٥٢ و١٧١".
(٣) التعضية: "التقطيع، وجعل الشيء أعضاء".
[ ٢٢٠ ]
فكذلك يجب أن لا يعدل عن الألفاظ الشرعية نفيا ولا إثباتا، لئلا يثبت معنى فاسد، أو ينفى معنى صحيح، وكل هذه الألفاظ المجملة عرضة للمحق والمبطل.
وأما لفظ الجهة، فقد يراد به ما هو موجود، وقد يراد به ما هو معدوم، ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق، فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير الله تعالى كان مخلوقا، والله تعالى لا يحصره شيء، ولا يحيط به شيء من المخلوقات، تعالى الله عن ذلك، وإن أريد بالجهة أمر عدمي، وهو ما فوق العالم، فليس هناك إلا الله وحده، فإذا قيل: إنه في جهة بهذا الاعتبار، فهو صحيح، ومعناه: أنه فوق العالم حيث انتهت المخلوقات فهو فوق الجميع، عال عليه، ونفاة لفظ الجهة الذين يريدون بذلك نفي العلو، يذكرون من أدلتهم: أن الجهات كلها مخلوقة، وأنه كان قبل الجهات، وأن من قال: إنه في جهة يلزمه القول بقدم شيء من العالم، وأنه كان مستغنيا عن الجهة ثم صار فيها، وهذه الألفاظ ونحوها إنما تدل على أنه ليس في شيء من المخلوقات، سواء سمي جهة أو لم يسم، وهذا حق، ولكن الجهة ليست أمرا وجوديا، بل أمر اعتباري، ولا شك أن الجهات لا نهاية لها، وما لا يوجد فيما لا نهاية له فليس بموجود.
وقول الشيخ ﵀: لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، هو حق، باعتبار أنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته، بل هو محيط بكل شيء وفوقه، وهذا المعنى هو الذي أراده الشيخ ﵀، لما يأتي في كلامه: أنه تعالى محيط بكل شيء وفوقه. فإذا جمع بين كلاميه، وهو قوله: لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، وقوله: محيط بكل شيء وفوقه، علم أن مراده أن الله تعالى لا يحويه شيء، ولا يحيط به شيء، كما يكون لغيره من المخلوقات، وأنه تعالى هو المحيط بكل شيء، العالي عن كل شيء.
لكن بقي في كلامه شيئان: أن إطلاق مثل هذا اللفظ، مع ما فيه من الإجمال والاحتمال، كان تركه أولى، وإلا تسلط عليه، وألزم بالتناقض في إثبات الإحاطة والفوقية ونفي جهة العلو، وإن أجيب عنه بما تقدم، من أنه إنما نفى أن يحويه شيء
[ ٢٢١ ]
من مخلوقاته، فالاعتصام بالألفاظ الشرعية أولى. الثاني: أن قوله: كسائر المبتدعات يفهم منه أنه ما من مبتدع إلا وهو محوي!! وفي هذا نظر، فإنه إن أراد أنه محوي بأمر وجودي، فممنوع، فإن العالم ليس في عالم آخر، وإلا لزم التسلسل، وان أراد أمرا عدميا، فليس كل مبتدع في العدم، بل منها [ما هو داخل في غيره، كالسماوات والأرض في الكرسي، ونحو ذلك، ومنها] ما هو منتهى المخلوقات، كالعرش، فسطح العالم ليس في غيره من المخلوقات، قطعا للتسلسل، كما تقدم. ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال: بأن "سائر" بمعنى البقية، لا بمعنى الجميع، وهذا أصل معناها، ومنه "السؤر"، وهو ما يبقيه الشارب في الإناء، فيكون مراده غالب المخلوقات، لا جميعها، إذ "السائر" على الغالب أدل منه على الجميع، فيكون المعنى: أن الله تعالى غير محوي، كما يكون أكثر المخلوقات محويا، بل هو غير محوي بشيء، تعالى الله عن ذلك، ولا نظن بالشيخ ﵀ أنه ممن يقول إن الله تعالى ليس داخل العالم ولا خارجه بنفي التعيينين، كما ظنه بعض الشارحين، بل مراده: أن الله تعالى منزه عن أن يحيط به شيء من مخلوقاته، وأن يكون مفتقرا إلى شيء منها، العرش أو غيره.
وفي ثبوت هذا الكلام عن الإمام أبي حنيفة ﵁ نظر، فإن أضداده قد شنعوا عليه بأشياء أهون منه، فلو سمعوا مثل هذا الكلام لشاع عنهم تشنيعهم عليه به، وقد نقل أبو مطيع البلخي عنه إثبات العلو، كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، وظاهر هذا الكلام يقتضي نفيه، ولم يرد بمثله كتاب ولا سنة، فلذلك قلت: إن في ثبوته عن الإمام نظرا، وإن الأولى التوقف في إطلاقه، فإن الكلام بمثله خطر، بخلاف الكلام بما ورد عن الشارع، كالاستواء والنزول ونحو ذلك، ومن ظن من الجهال أنه إذا "نزل إلى سماء الدنيا" (^١) كما أخبر الصادق ﷺ، يكون العرش فوقه، ويكون محصورا بين طبقتين من العالم! فقوله مخالف لإجماع السلف، مخالف للكتاب والسنة. وقال شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن
_________________
(١) متفق عليه بل هو متواتر، وقد خرجته في "إرواء الغليل" "٤٥٠"، وراجع إن شئت بعض ألفاظه الصحيحة في "صحيح الجامع الصغير" رقم "١٩١٤".
[ ٢٢٢ ]
الصابوني: سمعت الأستاذ أبا منصور بن [حماد]-بعد روايته حديث النزول- يقول: سئل أبو حنيفة ﵁؟ فقال: ينزل بلا كيف. انتهى.
وإنما توقف من توقف في نفي ذلك، لضعف علمه بمعاني الكتاب والسنة وأقوال السلف، ولذلك ينكر بعضهم أن يكون فوق العرش، بل يقول: لا مباين، ولا مجانب (^١)، لا داخل العالم ولا خارجه، فيصفونه بصفة العدم والممتنع، ولا يصفونه (^٢) بما وصف به نفسه من العلو والاستواء على العرش، ويقول بعضهم: بحلوله في كل موجود، أو يقول: هو وجود كل موجود ونحو ذلك، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا.
وسيأتي لإثبات صفة العلو لله تعالى زيادة بيان، عند الكلام على قول الشيخ ﵀: محيط بكل شيء وفوقه، إن شاء الله تعالى.
قوله: "والمعراج حق، وقد أسري بالنبي ﷺ وعرج بشخصه في اليقظة، إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلا وأكرمه الله بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى، فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى".
ش: "المعراج": مفعال، من العروج (^٣)، أي الآلة التي يعرج فيها، أي يصعد، وهو بمنزلة السلم، لكن لا يعلم كيف هو، وحكمه كحكم غيره من المغيبات، نؤمن به ولا نشتغل بكيفيته.
وقوله: وقد أسري بالنبي ﷺ وعرج بشخصه في اليقظة، اختلف الناس في الإسراء.
فقيل: كان الإسراء بروحه ولم يفقد جسده، نقله ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية ﵄، ونقل عن الحسن البصري نحوه، لكن ينبغي أن يعرف الفرق بين أن يقال: كان الإسراء مناما، وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده،
_________________
(١) في الأصل: محاير.
(٢) في الأصل: يصفوا.
(٣) في الأصل: المعروج.
[ ٢٢٣ ]
وبينهما فرق عظيم، فعائشة ومعاوية ﵄ لم يقولا: كان مناما، وإنما قالا: أسري بروحه ولم يفقد جسده، وفرق ما بين الأمرين: [أن] ما يراه النائم قد يكون أمثالا مضروبة للمعلوم في الصورة المحسوسة، فيرى كأنه قد عرج إلى السماء، وذهب به إلى مكة، وروحه لم تصعد ولم تذهب، وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال، فما أراد (^١) أن الإسراء مناما، وإنما أراد أن الروح ذاتها أسري بها، ففارقت الجسد ثم عادت إليه، ويجعلان هذا من خصائصه، فإن غيره لا تنال ذات روحه الصعود الكامل إلى السماء إلا بعد الموت.
وقيل: كان الإسراء مرتين، مرة يقظة، ومرة مناما، وأصحاب هذا القول كأنهم أرادوا الجمع بين حديث شريك وقوله: ثم "استيقظت"، وبين سائر الروايات. وكذلك منهم من قال: بل كان مرتين، مرة قبل الوحي، ومرة بعده، ومنهم من قال: بل ثلاث مرات، مرة قبل الوحي، ومرتين بعده، وكلما اشتبه عليهم لفظ زادوا مرة، للتوفيق!! وهذا يفعله ضعفاء أهل الحديث، وإلا فالذي عليه أئمة النقل: أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة، بعد البعثة، قبل الهجرة بسنة، وقيل: بسنة وشهرين، ذكره ابن عبد البر، قال شمس الدين ابن القيم: يا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مرارا! كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة يفرض عليهم الصلوات خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسا، فيقول: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها إلى خمس؟! وقد غلط الحفاظ شريكا في ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند منه، ثم قال: "فقدم وأخر وزاد ونقص"، ولم يسرد الحديث، وأجاد ﵀. انتهى كلام الشيخ شمس الدين ﵀.
وكان من حديث الإسراء: أنه ﷺ أسري بجسده في اليقظة، على الصحيح، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، راكبا على البراق، صحبة جبرائيل ﵇، فنزل هناك، وصلى بالأنبياء إماما، وربط البراق بحلقة باب المسجد، وقد قيل: إنه نزل بيت لحم وصلى فيه، ولا يصح عنه ذلك البتة، ثم عرج من بيت
_________________
(١) قلت: لم يصح ذلك عنهما، فهو في غنية عن التأويل.
[ ٢٢٤ ]
المقدس تلك الليلة إلى السماء الدنيا، فاستفتح له جبرائيل، ففتح لهما، فرأى هناك آدم أبا البشر، فسلم عليه، فرحب به ورد عليه¬ السلام، وأقر بنبوته، ثم عرج [به] إلى السماء الثانية. فاستفتح له، فرأى فيها يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم، فلقيهما، فسلم عليهما، فردا عليه¬ السلام، ورحبا به، وأقرا بنبوته ثم عرج [به] إلى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج [به] إلى السماء الرابعة، فرأى فيها إدريس، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج [به] إلى السماء الخامسة، فرأى فيها هارون بن عمران، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم عرج إلى السماء السادسة، فلقي فيها موسى فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، فلما جاوزه بكى موسى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي، ثم عرج إلى السماء السابعة، فلقي فيها إبراهيم، فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته، ثم رفع إلى سدرة المنتهى، ثم رفع له البيت المعمور، ثم عرج به إلى الجبار، ﷻ وتقدست أسماؤه، فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض عليه خمسين صلاة، فرجع حتى مر على موسى، فقال: بم أمرت؟ قال: "بخمسين صلاة"، فقال: [إن] أمتك لا تطيق ذلك، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فالتفت إلى جبرائيل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار: أن نعم، إن شئت، فعلا به جبرائيل حتى أتى به [إلى] الجبار ﵎ وهو في مكانه -هذا لفظ البخاري في صحيحه وفي بعض الطرق- فوضع عنه عشرا، ثم نزل حتى مر بموسى، فأخبره، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله ﵎، حتى جعلها خمسا، فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف، فقال: "قد استحييت من ربي، ولكن أرضى وأسلم"، فلما نفذ، نادى مناد: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي (^١).
_________________
(١) حديث الإسراء صحيح، وهو ملتقط من أحاديث متفرقة، غير أن الدنو المذكور في هذا السياق هو من رواية شريك بن عبد الله ابن أبي نمر الذي غلطه الحفاظ في ألفاظ من حديث الإسراء كما ذكر المؤلف آنفا، ومن ذلك هذا اللفظ كما بينه الحافظ ابن كثير في تفسير "الإسراء"، ومن قبله البيهقي في "الأسماء والصفات" "ص ٤٤٠ - ٤٤٢".
[ ٢٢٥ ]
وقد تقدم ذكر اختلاف الصحابة في رؤيته ﷺ ربه ﷿ بعين رأسه، وأن الصحيح أنه رآه بقلبه، ولم يره بعين رأسه، وقوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]، ﴿وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، صح عن النبي ﷺ أن هذا المرئي [جبرائيل]، رآه مرتين على صورته التي خلق عليها.
وأما قوله تعالى في سورة النجم: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾، فهو غير الدنو والتدلي المذكورين في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبرائيل وتدليه، كما قالت عائشة وابن مسعود ﵄، فإنه قال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٥ - ٨]، فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوي، وأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء، فذلك صريح في أنه دنو الرب تعالى وتدليه (^١). وأما الذي في سورة النجم: أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، فهذا هو جبرائيل، رآه مرتين، مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى.
ومما يدل على أن الإسراء بجسده في اليقظة، قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]. والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح، كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح، هذا هو المعروف عند الإطلاق، وهو الصحيح، فيكون الإسراء بهذا المجموع، ولا يمتنع ذلك عقلا، ولو جاز استبعاد صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة، وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهو كفر.
فإن قيل: فما الحكمة في الإسراء الى بيت المقدس أولا؟ فالجواب، والله أعلم أن ذلك كان إظهارا لصدق دعوى الرسول ﷺ المعراج حين سألته قريش عن نعت بيت المقدس فنعته لهم وأخبرهم عن غيرهم التي مر عليها في طريقه، ولو كان عروجه إلى السماء من مكة لما حصل ذلك، إذ لا يمكن اطلاعهم على ما في السماء لو أخبرهم عنه، وقد اطلعوا على بيت المقدس، فأخبرهم بنعته.
وفي حديث المعراج دليل على ثبوت صفة العلو لله تعالى من وجوه، لمن تدبره، وبالله التوفيق.
_________________
(١) قلت لكن في ثبوته نظر كما تقدم آنفا.
[ ٢٢٦ ]