قوله: "ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء".
ش: يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الاتحادية وجهلة المتصوفة، وإلا فأهل الاستقامة يوصون بمتابعة العلم ومتابعة الشرع، فقد أوجب الله على الخلق كلهم متابعة الرسل، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤]، إلى أن قال: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. قال أبو عثمان النيسابوري: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا، نطق بالحكمة، ومن أقر الهوى على نفسه، نطق بالبدعة، وقال بعضهم: ما ترك بعضهم شيئا من السنة إلا لكبر في نفسه، والأمر كما قال، فإنه إذا لم يكن متبعا للأمر الذي جاء به الرسول، كان يعمل بإرادة نفسه، فيكون متبعا لهواه، بغير هدى من الله، وهذا غش النفس، وهو من الكبر، فإنه شبيه بقول الذين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وكثير من هؤلاء يظن أنه يصل برياسته واجتهاده في العبادة، وتصفية نفسه، إلى ما وصلت إليه الأنبياء من غير اتباع لطريقتهم! ومنهم من يظن أنه قد صار أفضل من الأنبياء!! ومنهم من يقول إن الأنبياء والرسل إنما يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء!! ويدعي لنفسه أنه خاتم الأولياء!! ويكون ذلك [العلم هو] حقيقة قول فرعون، وهو أن هذا الوجود المشهود واجب بنفسه، ليس له صانع مباين له، لكن هذا يقول: هو الله! وفرعون أظهر الإنكار بالكلية، لكن كان فرعون في الباطن أعرف بالله منهم، فإنه كان مثبتا للصانع، وهؤلاء ظنوا أن الوجود المخلوق هو الوجود الخالق، كابن عربي وأمثاله!! وهو لما رأى أن الشرع الظاهر لا سبيل إلى تغييره، قال: النبوة ختمت،
[ ٤٩٢ ]
لكن الولاية لم تختم! وادعى من الولاية ما هو أعظم من النبوة وما يكون للأنبياء والمرسلين، وأن الأنبياء مستفيدون منها! كما قال:
مقام النبوة في برزخ … فويق الرسول ودون الولي
وهذا قلب للشريعة، فإن الولاية ثابتة للمؤمنين المتقين، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ [يونس: (٦٢)، ٦٣]. والنبوة أخص من الولاية، والرسالة أخص من النبوة، كما تقدم التنبيه على ذلك (^١). وقال ابن عربي أيضًا في "فصوصه":
"ولما مثل النبي ﷺ النبوة بالحائط من اللبن فرآها قد كملت إلا موضع لبنة، فكان هو ﷺ موضع اللبنة، [غير أنه ﷺ لا يراها، كما قال: لبنة واحدة]، وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤية، فيرى ما مثله النبي ﷺ، ويرى نفسه في الحائط في موضع لبنتين!! ويرى نفسه تنطبع في موضع اللبنتين، فتكمل الحائط!! والسبب الموجب لكونه يراها لبنتين: أن الحائط لبنة من فضة ولبنة من ذهب، واللبنة الفضة هي ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو أخذ عن الله في الشرع (^٢) ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه؛ لأنه يرى الأمر على ما هو عليه، فلا بد أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن! فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى إليه إلى الرسول ﷺ، قال: فإن فهمت ما أشرنا إليه فقد حصل لك العلم النافع! " (^٣)، فمن أكفر ممن ضرب لنفسه المثل بلبنة ذهب، وللرسل المثل بلبنة فضة، فيجعل نفسه أعلى وأفضل من الرسل؟! تلك أمانيهم: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]. وكيف يخفى كفر من هذا كلامه؟ وله من الكلام أمثال هذا، وفيه ما يخفى منه الكفر، ومنه ما يظهر، فلهذا يحتاج إلى نقد جيد، ليظهر زيفه، فإن من الزغل ما يظهر لكل ناقد،
_________________
(١) ص ١٥٨. قال عفيفي: انظر ص ٢٣١ - ٢٣٢ أول رفع الملام من "مجموع الفتاوى" ج ٢٠.
(٢) في الأصل: السر.
(٣) "فصوص الحكم" "١/ ٦٣" تعليق أبي العلاء عفيفي، والزيادة منه.
[ ٤٩٣ ]
ومنه ما لا يظهر إلا للناقد الحاذق البصير (^١). وكفر ابن عربي وأمثاله فوق كفر القائلين: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. ولكن ابن عربي وأمثاله منافقون زنادقة، اتحادية في الدرك الأسفل من النار، والمنافقون يعاملون معاملة المسلمين، لإظهارهم الإسلام، كما كان يظهره المنافقون في حياة النبي ﷺ ويبطنون الكفر، وهو يعاملهم معاملة المسلمين لما يظهر منهم، فلو أنه ظهر من أحد منهم ما يبطنه من الكفر، لأجرى عليه حكم المرتد. ولكن في قبول توبته خلاف، والصحيح عدم قبولها، وهي رواية معلى عن أبي حنيفة ﵁. والله المستعان.
قوله: "ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم".
ش: فالمعجزة في اللغة تعم كل خارق للعادة، و"كذلك الكرامة" في عرف أئمة أهل العلم المتقدمين. ولكن كثيرا من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما، فيجعلون المعجزة للنبي، والكرامة للولي، وجماعها: الأمر الخارق للعادة، فصفات الكمال ترجع إلى ثلاثة: العلم، والقدرة، والغنى. وهذه الثلاثة لا تصلح على الكمال إلا لله وحده، فإنه الذي أحاط بكل شيء علما، وهو على كل شيء قدير، وهو غني عن العالمين؛ ولهذا أمر النبي ﷺ أن يتبرأ من دعوى هذه الثلاثة بقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]. وكذلك قال نوح ﵇، فهذا أول أولي العزم، وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، وهذا خاتم الرسل، وخاتم أولي العزم، وكلاهما تبرأ من ذلك، وهذا لأنهم يطالبونهم تارة بعلم الغيب، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢]، وتارة بالتأثير، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات، وتارة يعيبون عليهم الحاجة البشرية، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧] الآية. فأمر الرسول أن
_________________
(١) قال عفيفي: انظر الرد على ابن عربي فيما نقل هنا عنه في ص ٢٠٤ وما بعدها ج ٢ من "مجموع الفتاوى" لابن تيمية.
[ ٤٩٤ ]
يخبرهم بأنه لا يملك ذلك، وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله، فيعلم ما علمه الله [إياه]، ويستغني عما أغناه عنه، ويقدر على ما أقدر عليه من الأمور المخالفة للعادة المطردة، أو لعادة أغلب الناس، فجميع المعجزات والكرامات ما تخرج عن هذه الأنواع.
ثم الخارق: إن حصل به فائدة مطلوبة في الدين، كان من الأعمال الصالحة المأمور بها دينا وشرعا، إما واجب أو مستحب، وإن حصل به أمر مباح، كان من نعم الله الدنيوية التي تقتضي شكرا، وإن كان على وجه يتضمن ما هو منهي عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه، كان سببا للعذاب أو البغض، كالذي أوتي الآيات فانسلخ منها: بلعام بن باعورا، لاجتهاد أو تقليد، أو نقص عقل أو علم، أو غلبة حال، أو عجز أو ضرورة.
فالخارق ثلاثة أنواع: محمود في الدين، ومذموم، ومباح، فإن كان المباح فيه منفعة كان نعمة، وإلا فهو كسائر المباحات التي لا منفعة فيها. قال أبو علي الجوزجاني: كن طالبا للاستقامة، لا طالبا للكرامة، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة.
قال الشيخ السهروردي في "عوارفه": وهذا أصل كبير في الباب، فإن كثيرا من المجتهدين المتعبدين سمعوا بالسلف (^١) الصالحين المتقدمين، وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات، فنفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك، ويحبون أن يرزقوا شيئا منه، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب، متهما لنفسه في صحة عمله، حيث لم يحصل له خارق، ولو علموا بسر ذلك لهان عليهم الأمر، فيعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك بابا، والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة يقينا، فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا، والخروج عن دواعي الهوى، فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة، فهي كل الكرامة.
ولا ريب أن للقلوب من التأثير أعظم مما للأبدان، لكن إن كانت صالحة كان
_________________
(١) في الأصل: سلف.
[ ٤٩٥ ]
تأثيرها صالحا، وإن كانت فاسدة كان تأثيرها فاسدا، فالأحوال يكون تأثيرها محبوبا لله تعالى تارة، ومكروها لله أخرى.
وقد تكلم الفقهاء في وجوب القود على من يقتل غيره في الباطن، وهؤلاء يشهدون بواطنهم وقلوبهم الأمر الكوني، ويعدون مجرد خرق العادة لأحدهم أنه كرامة من الله له، ولا يعلمون أنه في الحقيقة إنما الكرامة لزوم الاستقامة، وأن الله تعالى لم يكرم عبدا بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه، وهو طاعته وطاعة رسوله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، وهؤلاء هم أولياء الله الذين قال الله فيهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢].
وأما ما يبتلي الله به عبده، من السر بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء، فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه، بل قد سعد بها قوم إذا أطاعوه، وشقي بها قوم إذا عصوه، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ، كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]، ولهذا كان الناس في هذه الأمور ثلاثة أقسام:
قسم ترتفع درجتهم بخرق العادة.
قسم يتعرضون بها لعذاب الله.
وقسم يكون في حقهم بمنزلة المباحات، كما تقدم.
وتنوع الكشف والتأثير باعتبار تنوع كلمات الله، وكلمات الله نوعان: كونية، ودينية:
فكلماته الكونية هي التي استعاذ بها النبي ﷺ في قوله: "أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر" (^١). قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥]. والكون كله داخل تحت هذه الكلمات، وسائر الخوارق.
والنوع الثاني: الكلمات الدينية، وهي القرآن وشرع الله الذي بعث به
_________________
(١) صحيح، وتقدم غير مرة.
[ ٤٩٦ ]
رسوله، وهي أمره ونهيه وخبره، وحظ العبد منها العلم بها، والعمل (^١)، والأمر بما أمر الله به، كما أن حظ العباد عموما وخصوصا العلم بالكونيات والتأثير فيها، أي بموجبها، فالأولى تدبيرية كونية، والثانية شرعية دينية، فكشف الأولى العلم بالحوادث الكونية، وكشف الثانية العلم بالمأمورات الشرعية، وقدرة الأولى التأثير في الكونيات، إما في نفسه كمشيه على الماء، وطيرانه في الهواء، وجلوسه في النار، وإما في غيره، بإصحاح وإهلاك، وإغناء وإفقار، وقدرة الثانية التأثير في الشرعيات، إما في نفسه بطاعة الله ورسوله والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله باطنا وظاهرا، وإما في غيره بأن يأمر بطاعة الله ورسوله فيطاع في ذلك طاعة شرعية.
فإذا تقرر ذلك، فاعلم أن عدم الخوارق علما وقدرة لا تضر المسلم في دينه، فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخر له شيئا من الكونيات؛ لا ينقص ذلك في مرتبته عند الله، بل قد يكون عدم ذلك أنفع له، فإنه إن اقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة، فإن الخارق قد يكون مع الدين، وقد يكون مع عدمه، أو فساده، أو نقصه. فالخوارق النافعة تابعة للدين، خادمة له، كما أن الرياسة النافعة هي التابعة للدين، وكذلك المال النافع، كما كان السلطان والمال [النافع] بيد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فمن جعلها هي المقصودة، وجعل الدين تابعا لها، ووسيلة إليها، لا لأجل الدين في الأصل، فهو شبيه بمن يأكل الدنيا بالدين، وليست حاله كحال من تدين خوف العذاب، أو رجاء الجنة، فإن ذلك ما هو مأمور به، وهو على سبيل نجاة، وشريعة صحيحة. والعجب أن كثيرا ممن يزعم أن همه قد ارتفع عن أن يكون خوفا من النار أو طلبا للجنة، يجعل همه بدينه أدنى خارق من خوارق الدنيا!!
ثم إن الدين إذا صح علما وعملا فلا بد أن يوجب خرق العادة، إذا احتاج إلى ذلك صاحبه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. وقال تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ
_________________
(١) قال عفيفي: انظر ص ٣١٩ ج ١١ من "مجموع الفتاوى" لابن تيمية.
[ ٤٩٧ ]
تَثْبِيتًا، وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا، وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨]. وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]، وقال رسول الله ﷺ: "اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله"، ثم قرأ قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] (^١). رواه الترمذي من رواية أبي سعيد الخدري، وقال تعالى، فيما يرويه عنه رسول الله ﷺ: "من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما أفترضت عليه، ولا يزال عبد يتقرب إليّ بالنوافل، حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته، ولا بد له منه" (^٢).
فظهر أن الاستقامة حظ الرب، وطلب الكرامة حظ النفس، وبالله التوفيق.
وقول المعتزلة في إنكار الكرامة: ظاهر البطلان، فإنه بمنزلة إنكار المحسوسات. وقولهم: لو صحت لأشبهت المعجزة، فيؤدي إلى التباس النبي ﷺ بالولي، وذلك لا يجوز! وهذه الدعوى إنما تصح إذا كان الولي يأتي بالخارق ويدعي النبوة، وهذا لا يقع، ولو ادعى النبوة لم يكن وليا، بل كان متنبئا كذابا، وقد تقدم الكلام في الفرق بين النبي والمتنبئ، عند قول الشيخ: وأن محمدا عبده المجتبى ونبيه المصطفى (^٣).
ومما ينبغي التنبيه عليه ههنا: أن الفراسة ثلاثة أنواع:
إيمانية، وسببها نور يقذفه الله في قلب عبده، وحقيقتها أنها خاطر يهجم (^٤)،
_________________
(١) ضعيف فيه عند الترمذي، وغيره عطية العوفي وهو ضعيف مدلس، وهو مخرج في "الأحاديث الضعيفة" "١٨٢١".
(٢) صحيح، أخرجه البخاري، وقد تقدم.
(٣) ص ١٤٩ - ١٥٧.
(٤) في الأصل: يهجر، ويبدو أن الصحيح: يهجم.
[ ٤٩٨ ]
على القلب، يثب عليه كوثوب الأسد على الفريسة، ومنها اشتقاقها (^١)، وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيمانا فهو أحد فراسة، قال أبو سليمان الداراني ﵀: الفراسة مكاشفة النفس ومعاينة الغيب، وهي من مقامات الإيمان. انتهى.
وفراسة رياضية، وهي التي تحصل بالجوع والسهر والتخلي، فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها، وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر، ولا تدل على إيمان، ولا على ولاية، ولا تكشف عن حق نافع، ولا عن طريق مستقيم، بل كشفها من جنس فراسة الولاة وأصحاب عبادة الرؤساء والأظناء (^٢) ونحوهم.
وفراسة خلقية، وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم، واستدلوا بالخَلْق على الخُلُق، لما بينهما من الارتباط، الذي اقتضته حكمة الله، كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل، وبكبره على كبره، وسعة الصدر على سعة الخلق، وبضيقه على ضيقه، وبجمود العينين وكلال نظرهما على بلادة صاحبهما وضعف حرارة قلبه، ونحو ذلك.
_________________
(١) في الأصل: اشتغالها! ولا معنى لها، ولعل ما أثبتنا هو الصواب.
(٢) في الأصل: والأطباء.
[ ٤٩٩ ]