وقوله: "ونحب أصحاب رسول الله ﷺ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان".
ش: يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الروافض والنواصب، وقد أثنى الله تعالى على الصحابة هو ورسوله، ورضي عنهم، ووعدهم الحسنى، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩]، إلى آخر السورة. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]. إلى آخر السورة. وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى (^١) وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠]. وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ٨ - ١٠]. وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار، وعلى الذين جاءوا من بعدهم، يستغفرون لهم، ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم، وتتضمن أن هؤلاء [هم] المستحقون للفيء، فمن كان في قلبه غل للذين
_________________
(١) قال عفيفي: انظر ص ٦٦٢ ج ٧ من "مجموع الفتاوى".
[ ٤٦٧ ]
آمنوا ولم يستغفر لهم لا يستحق في الفيء نصيبا، بنص القرآن، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله ﷺ: "لا تسبوا أحدا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" (^١). انفرد مسلم بذكر سب خالد لعبد الرحمن، دون البخاري، فالنبي ﷺ يقول لخالد ونحوه: "لا تسبوا أصحابي"، يعني عبد الرحمن وأمثاله، لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون، وهم الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان، [فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان]، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية، وبعد مصالحة النبي ﷺ أهل مكة، ومنهم خالد بن الوليد، وهؤلاء أسبق ممن تأخر إسلامهم إلى فتح مكة، وسموا الطلقاء، منهم أبو سفيان وابناه يزيد ومعاوية، والمقصود أنه نهى من له صحبة آخرا أن يسب من له صحبة أولا، لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه، حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية، وإن كان قبل فتح مكة فكيف حال من ليس من الصحابة بحال مع الصحابة؟ ﵃ أجمعين.
والسابقون الأولون -من المهاجرين والأنصار- هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة. وقيل: إن السابقين الأولين من صلى إلى القبلتين، وهذا ضعيف (^٢). فإن الصلاة إلى القبلة المنسوخة ليس بمجردة فضيلة؛ لأن النسخ ليس من فعلهم، ولم يدل على التفضيل به دليل شرعي، كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد والمبايعة التي كانت تحت الشجرة.
وأما ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم
_________________
(١) صحيح ورواه مسلم من حديث أبي هريرة أيضا، وهو مخرج في "ظلال الجنة". "٩٨٨ - ٩٩١" وفيه بيان أنه ذكر أبي هريرة فيه شاذ، فراجعه إن شئت.
(٢) قال عفيفي: انظر ص ٣٩٨ وما بعدها ج ٤ من "مجموع الفتاوى" لابن تيمية.
[ ٤٦٨ ]
اهتديتم" (^١)، فهو حديث ضعيف، قال البزار: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، وليس هو في كتب الحديث المعتمدة.
وفي صحيح مسلم عن جابر، قال: قيل لعائشة ﵂: إن ناسا يتناولون أصحاب رسول الله ﷺ حتى أبا بكر وعمر! فقالت: وما تعجبون من هذا! انقطع عنهم العمل، فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر (^٢). وروى ابن بطة بإسناد صحيح، عن ابن عباس، أنه قال: لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ، فلمقام أحدهم ساعة يعني مع النبي ﷺ، خير من عمل أحدكم أربعين سنة (^٣)، وفي رواية وكيع: خير من عبادة أحدكم عمره، وفي "الصحيحين" من حديث عمران بن حصين وغيره، أن رسول الله ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، قال عمران: فلا أدري: أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة (^٤)، الحديث. وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر، أن النبي ﷺ قال: "لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة" (^٥)، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧] الآيات، ولقد صدق عبد الله بن مسعود ﵁ في وصفهم، حيث قال: إن
_________________
(١) بل هو حديث باطل كما بينته في "الأحاديث الضعيفة والموضوعة" "رقم ٥٨".
(٢) هذا حديث غريب عندي، وعزوه لمسلم أغرب فإني لم أقف عليه فيه، بعد الاستعانة عليه بكل الوسائل الممكنة، ولم يتيسر لي مراجعته في مصادر أخرى من كتب الحديث، فإني على وشك السفر إلى المدينة المنورة إن شاء الله تعالى، ثم تيقنت عدم وجوده فيه بعد أن فرغت منذ بضع سنين من اختصار" صحيح مسلم" وأنا الآن في صدد اختصار" صحيح البخاري" على منهج علمي دقيق. ثم صدر المجلد الأول منه، وفيه قرابة ألف حديث من الأحاديث المسندة. و"٣١٨" من الأحاديث المعلقة، و"٤٠٩" من الآثار الموقوفة.
(٣) صحيح، وهو مخرج في "الظلال" "١٠٠٦".
(٤) صحيح، ورواه ابن أبي عاصم في "السنة" من طرق "١٤٦٨ - ١٤٧٢"، وصحح أحدها ابن حبان، وهو مخرج في "الصحيحة" "٦٩٩".
(٥) صحيح.
[ ٤٦٩ ]
الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئا فهو عند الله سيئ (^١)، [وفي رواية]: وقد رأى أصحاب محمد جميعا أن يستخلفوا أبا بكر، وتقدم قول ابن مسعود: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات … إلخ، عند قول الشيخ: ونتبع السنة والجماعة.
فمن أضل ممن يكون في قلبه غل على خيار المؤمنين، وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين؟ بل قد فضلهم اليهود والنصارى بخصلة، قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وقيل للنصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب عيسى، وقيل للرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد!! لم يستثنوا منهم إلا القليل، وفيمن سبوهم من هو خير ممن استثنوهم بأضعاف مضاعفة.
وقوله: ولا نفرط في حب أحد منهم، أي لا نتجاوز الحد في حب أحد منهم، كما تفعل الشيعة، فنكون من المعتدين. قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١].
وقوله: ولا نتبرأ [من أحد] منهم، كما فعلت الرافضة! فعندهم لا ولاء إلا ببراء، أي لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر ﵄!! وأهل السنة يوالونهم كلهم، وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها، بالعدل والإنصاف، لا بالهوى والتعصب، فإن ذلك كله من البغي الذي هو مجاوزة الحد، كما قال تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية: ١٧]. وهذا معنى قول من قال من السلف: الشهادة بدعة، والبراءة بدعة، يروى ذلك عن جماعة من السلف، من الصحابة والتابعين، منهم: أبو سعيد الخدري، والحسن
_________________
(١) حسن موقوفا، أخرجه الطيالسي وأحمد وغيرهما بسند حسن، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، واشتهر على الألسنة مرفوعا، وفي سنده كذاب، والصحيح وقفه، وهما مخرجان في "الضعيفة" "٥٣٢ و٥٣٣".
[ ٤٧٠ ]
البصري، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وغيرهم. ومعنى الشهادة: أن يشهد على معين من المسلمين أنه من أهل النار، أو أنه كافر، بدون العلم بما ختم الله [له] به.
وقوله: وحبهم دين وإيمان وإحسان؛ لأنه امتثال لأمر الله فيما تقدم من النصوص. وروى الترمذي عن عبد الله بن مغفل، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا [بعدي]، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله [تعالى]، [ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه" (^١). وتسمية حب الصحابة إيمانا مشكل على الشيخ ﵀، لأن الحب عمل القلب، وليس هو التصديق، فيكون العمل داخلا في مسمى الإيمان، وقد تقدم في كلامه: أن الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، ولم يجعل العمل داخلا في مسمى الإيمان، وهذا هو المعروف من مذهب أهل السنة، إلا أن تكون هذه التسمية مجازا.
وقوله: وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. تقدم الكلام في تكفير أهل البدع، وهذا الكفر نظير الكفر المذكور في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وقد تقدم الكلام في ذلك.
قوله: "ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا لأبي بكر الصديق ﵁، تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة".
ش: اختلف أهل السنة في خلافة الصديق ﵁: هل كانت بالنص، أو بالاختيار؟ فذهب الحسن البصري وجماعة من أهل الحديث إلى أنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة، ومنهم من قال بالنص الجلي، وذهب جماعة من أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية إلى أنها ثبتت بالاختيار.
والدليل على إثباتها بالنص أخبار: من ذلك ما أسنده البخاري عن جبير بن مطعم، قال: أتت امرأة النبي ﷺ، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن
_________________
(١) ضعيف، وقال الترمذي: "غريب" وهو مخرج في "الأحاديث الضعيفة" "٢٩٠١".
[ ٤٧١ ]
جئت فلم أجدك؟ كأنها تريد الموت، قال: "إن لم تجديني فأتي أبا بكر" (^١). وذكر له سياق آخر، وأحاديث أخر، وذلك نص على إمامته، وحديث حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله ﷺ: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" (^٢). رواه أهل السنن، وفي "الصحيحين" عن عائشة ﵂ وعن أبيها، قالت: دخل على رسول الله ﷺ في اليوم الذي بدئ فيه، فقال: "ادعي لى أباك وأخاك، حتى أكتب لأبي بكر كتابا"، ثم قال: "يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر" (^٣). وفي رواية: "فلا يطمع في هذا الأمر طامع"، وفي رواية قال: "ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر، لأكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه"، ثم قال. "معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر". وأحاديث تقديمه في الصلاة مشهورة معروفة، وهو يقول: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" (^٤). وقد روجع في ذلك مرة بعد مرة، فصلى بهم مدة مرض النبي ﷺ. وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم رأيتني على قليب، عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع منها ذنوبا أوذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم استحالت غربا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه، حتى ضرب الناس بعطن" (^٥). وفي "الصحيح" أنه ﷺ قال على منبره: "لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت، إلا خوخة أبي بكر" (^٦). وفي سنن أبي داود وغيره، من حديث الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة، أن النبي ﷺ قال ذات يوم: "من رأى منكم رؤيا؟ " فقال رجل: أنا
_________________
(١) صحيح، وهو مخرج في "ظلال الجنة" "١١٥١". قال عفيفي: انظر خطبة كتاب "منهاج السنة" لابن تيمية.
(٢) صحيح "وهو مخرج في "الصحيحة" "١٢٣٣".
(٣) صحيح، وهو مخرج في "الصحيحة" "٦٩٠"، وانظر "ظلال الجنة" "١١٥٦".
(٤) متفق عليه: وهو مخرج في "الظلال" "١١٦٤، ١١٦٧" وانظر "١١٥٩ و١١٦٠".
(٥) صحيح، ورواه ابن أبي عاصم في "السنة" "١٤٥٧".
(٦) متفق عليه، وتقدم بنحوه.
[ ٤٧٢ ]
رأيت ميزانًا [أنزل] من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر، فرجحت أنت بأبي بكر، ثم وزن عمر وأبو بكر، فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان، فرجح عمر، ثم رفع، فرأيت الكراهة في وجه النبي ﷺ، فقال: "خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء" (^١).
فبين رسول الله ﷺ، أن ولاية هؤلاء خلافة نبوة، ثم بعد ذلك ملك، وليس فيه ذكر علي ﵁؛ لأنه لم يجتمع الناس في زمانه، بل كانوا مختلفين، لم ينتظم فيه خلافة النبوة ولا الملك، وروى أبو داود أيضا عن جابر ﵁، أنه كان يحدث، أن رسول الله ﷺ قال: "أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر"، قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ، قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ، وأما المنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه (^٢)، وروى أبو داود أيضا عن سمرة بن جندب: أن رجلا قال: يا رسول الله، رأيت كأن دلوا دلي من السماء، فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها، فشرب شربا ضعيفا، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء علي فأخذ بعراقيها، فانتشطت منه، فانتضح عليه منها شيء (^٣). وعن سعيد بن جمهان، عن سفينة. قال: قال رسول الله ﷺ: "خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء" (^٤). أو "الملك".
_________________
(١) صحيح رواه أبو داود "٤٦٣٤، ٤٦٣٥" من طريقين عن أبي بكرة، واللفظ الذي في الكتاب هو عنده من طريق الأشعث التي ذكرها المؤلف، لكن ليس فيها قوله في آخره: خلافة … وهذه الزيادة عنده من الطريق الأخرى، وفيها علي بن زيد وهو ابن جدعان وفيه ضعف، لكن يشهد لها حديث سفينة الآتي بعد حديثين. والحديث مخرج في "ظلال الجنة" "١١٣١ - ١١٣٣ و١١٣٥ و١١٣٦".
(٢) ضعيف، وبيانه في "ظلال الجنة" "١١٣٤".
(٣) ضعيف، فيه عبد الرحمن الجرمي، فيه جهالة، ومن طريقه أيضا أخرجه أحمد "٥/ ٢١". و"العراقي" جمع "عرقوة" وهي أعواد يخالف بينها ثم تشد في عرى الدلو ويعلق بها الحبل.
(٤) حسن يشهد له ما قبله بحديثين.
[ ٤٧٣ ]
واحتج من قال لم يستخلف، بالخبر المأثور، عن عبد الله بن عمر، عن عمر ﵄، أنه قال: "إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، يعني أبا بكر، وإن لا أستخلف، فلم يستخلف من هو خير [مني]، يعني رسول الله ﷺ، [قال عبد الله: فعرفت أنه حين ذكر رسول الله ﷺ غير مستخلف] (^١). وبما روي عن عائشة ﵂ أنها سئلت من كان رسول الله ﷺ مستخلفا لو استخلف. والظاهر -والله أعلم- أن المراد أنه لم يستخلف بعهد مكتوب، ولو كتب عهدا لكتبه لأبي بكر، بل قد أراد كتابته ثم تركه، وقال: "يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر" (^٢). فكان هذا أبلغ من مجرد العهد، فإن النبي ﷺ دل المسلمين على استخلاف أبي بكر، وأرشدهم إليه بأمور متعددة، من أقواله وأفعاله، وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك، حامد له، وعزم على أن يكتب بذلك عهدا، ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه، فترك الكتاب اكتفاء بذلك، ثم عزم على ذلك في مرضه يوم الخميس، ثم لما حصل لبعضهم شك: هل ذلك القول من جهة المرض؟ أو هو قول يجب اتباعه؟ ترك الكتابة، اكتفاء بما علم أن الله يختاره والمؤمنون من خلافة أبي بكر، فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه بيانا قاطعا للعذر، لكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر المتعين، وفهموا ذلك، حصل المقصود. ولهذا قال عمر ﵁ في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ، ولم ينكر ذلك منهم أحد، ولا قال أحد من الصحابة إن غير أبي بكر من المهاجرين أحق بالخلافة منه، ولم ينازع أحد في خلافته إلا بعض الأنصار، طمعا في أن يكون من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير، وهذا مما ثبت بالنصوص المتواترة عن النبي ﷺ بطلانه، ثم الأنصار كلهم بايعوا أبا بكر، إلا سعد بن عبادة، لكونه هو الذي كان يطلب الولاية، ولم يقل أحد من الصحابة قط: إن النبي ﷺ نص على غير أبي بكر، لا علي، ولا العباس، ولا غيرهما، كما قد قال أهل البدع! وروى ابن بطة بإسناده:
_________________
(١) متفق عليه، واللفظ لمسلم.
(٢) مسلم وغيره، ومضى "برقم ٦٧٦". وهو مخرج في "الظلال" "٢/ ٥٣٥".
[ ٤٧٤ ]
أن عمر بن عبد العزيز بعث محمد بن الزبير الحنظلي إلى الحسن، فقال: هل كان النبي ﷺ استخلف أبا بكر؟ فقال: أو في شك صاحبك؟ نعم، والله الذي لا إله إلا هو استخلفه، لهو كان أتقى لله من أن يتوثب عليها.
وفي الجملة: فجميع من نقل عنه أنه طلب تولية غير أبي بكر، لم يذكر حجة شرعية، ولا ذكر أن غير أبي بكر أفضل منه، أو أحق بها، وإنما نشأ من حب قبيلته وقومه فقط، وهم كانوا يعلمون فضل أبي بكر ﵁، وحب رسول الله ﷺ له. ففي "الصحيحين"، عن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته، فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة"، قلت: من الرجال؟ قال: "أبوها"، قلت: ثم من؟ قال: "عمر"، وعد رجالا (^١). وفيهما أيضا، عن أبي الدرداء، قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ، إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبتيه، فقال النبي ﷺ: "أما صاحبكم فقد غامر"، فسلم، وقال: [يا رسول الله]، إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه، ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي [فأبى علي، فأقبلت إليك]، فقال: "يغفر الله لك يا أبا بكر" ثلاثا، ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثم أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النبي ﷺ، [فسلم عليه]، فجعل وجه النبي ﷺ يسفر، حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، مرتين، فقال النبي ﷺ: "إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ " مرتين، فما أوذي بعدها (^٢). ومعنى: غامر: غاضب وخاصم. ويضيق هذا المختصر عن ذكر فضائله.
وفي "الصحيحين" أيضا، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ
_________________
(١) صحيح، وهو في "كتاب السنة" لابن أبي عصم من طرق عن عمرو "١٢٣٣ - ١٢٣٦".
(٢) البخاري عن أبي الدرداء، ولم أره عند مسلم، ولم يعزه إليه في "الذخائر"، ولا في "الجامع الكبير" ورواه ابن أبي عاصم "١٢٢٣" مقتصرا على المرفوع منه.
[ ٤٧٥ ]
مات وأبو بكر بالسنح (^١) - فذكرت الحديث- إلى أن قالت: واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة، في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير، ومنكم أمير! فذهب إليهم أبو بكر [الصديق]، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم، فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني [قد] هيأت في نفسي كلاما قد أعجلني، خشيت أن لا يبلغه أبو بكر! ثم تكلم أبو بكر، فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، فقال حباب ابن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر: لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب، وأعزهم أحسابا، فبايعوا عمر [بن الخطاب]، أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال عمر: بل نبايعك، فأنت سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ، فأخذ عمر بيده، فبايعه، وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعدا، فقال عمر: قتله الله (^٢). والسنح: العالية، وهي حديقة بالمدينة معروفة بها.
قوله: "ثم لعمر بن الخطاب ﵁".
ش: أي ونثبت الخلافة بعد أبي بكر ﵁، [لعمر ﵁]، وذلك بتفويض أبي بكر الخلافة إليه، واتفاق الأمة بعده عليه، وفضائله ﵁ أشهر من أن تنكر، وأكثر من أن تذكر، فقد روي عن محمد بن الحنفية أنه قال: قلت لأبي: فقلت يا أبت، من خير الناس بعد رسول الله ﷺ؟ فقال: يا بني، أوما تعرف؟ فقلت: لا، قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول: ثم عثمان! فقلت: ثم أنت؟ فقال. ما أنا إلا رجل من
_________________
(١) "السنح" بضم السين المهملة وسكون النون -ويجوز ضمها- وآخره حاء مهملة، طرف من أطراف المدينة بعواليها، كان بينها وبين منزل النبي ﷺ ميل، وكان بها منزل أبي بكر.
(٢) صحيح، أخرجه البخاري دون مسلم خلافا للمصنف ﵀، وروى طرفه الأخير ابن أبي عاصم "١١٦٦". ثم روى قصته قول الأنصار: "منا أمير ومنكم أمير" من حديث ابن مسعود "١١٥٩" وكذلك رواه أحمد وغيره، وهو مخرج في "الظلال".
[ ٤٧٦ ]
المسلمين (^١). وتقدم قوله ﷺ: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" (^٢). وفي "صحيح مسلم"، عن ابن عباس ﵄، قال: وضع عمر على سريره، فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه، قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفت إليه، فإذا هو علي، فترحم على عمر، وقال: ما خلفت أحدًا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله، إن كنت [لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذلك أني كنت] كثيرا ما أسمع رسول الله ﷺ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو، أو لأظن أن يجعلك الله معهما (^٣). وتقدم حديث أبي هريرة ﵁، في رؤيا رسول الله ﷺ، ونزعه من القليب، ثم نزع أبي بكر، ثم استحالت الدلو غربا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن (^٤). وفي "الصحيحين"، من حديث سعد بن أبي وقاص، قال: استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ، وعنده نساء من قريش، يكلمنه، عالية أصواتهن … الحديث، وفيه: فقال رسول الله ﷺ: "إيه يابن الخطاب! والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك" (^٥). وفي "الصحيحين" أيضا، عن النبي ﷺ، أنه كان يقول: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم" (^٦). قال ابن وهب: تفسير "محدثون": ملهمون.
_________________
(١) صحيح، وتصدير المؤلف إياه بـ"روي" المشعر اصطلاحا بالتضعيف ليس بجيد، فقد أخرجه البخاري وغيره من طرق عن ابن الحنفية، وهو مخرج في "الظلال" "١٢٠٤ و١٢٠٦ و١٢٠٧".
(٢) صحيح، وقد تقدم.
(٣) صحيح، ورواه ابن أبي عاصم "١٢١٠".
(٤) صحيح، وقد تقدم.
(٥) متفق عليه، ورواه ابن أبي عاصم "١٢٥٤ و١٢٦٠".
(٦) متفق عليه، ورواه ابن أبي عاصم "١٢٦١ و١٢٦٢".
[ ٤٧٧ ]
قوله: "ثم لعثمان ﵁".
ش: أي وثبت الخلافة بعد عمر لعثمان ﵄، وقد ساق البخاري ﵀ قصة قتل عمر ﵁، وأمر الشورى والمبايعة لعثمان، في صحيحه، فأحببت أن أسردها، كما رواها بسنده عن عمرو بن ميمون، قال:
رأيت عمر [بن الخطاب] ﵁ قبل أن يصاب بأيام بالمدينة، وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف، فقال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرا هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل، قال: انظر أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: لا، فقال عمر: لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا، قال: فما أتت عليه [إلا] أربعة حتى أصيب، قال:
إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهن خللا تقدم [فكبر، وربما قرأ سورة يوسف، أو النحل، أو نحو ذلك في الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبر]، فسمعته يقول: قتلني، أو أكلني الكلب، حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين، لا يمر على أحد يمينا وشمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين، طرح عليه برنسا، فلما ظن [العلج] أنه مأخوذ، نحر نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف، فقدمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد، فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله، سبحان الله، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا، قال: يابن عباس انظر من قتلني؟ فجال ساعة، ثم جاء فقال: غلام المغيرة، قال: الصنع؟ (^١) قال: نعم، قال: قاتله! لقد أمرت به معروفا! الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يد رجل
_________________
(١) يقال: رجل صنع وامرأة صناع، إذا كان لهما صنعة يعملانها بأيديهما ويكسبان بها "نهاية".
[ ٤٧٨ ]
يدعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقا، فقال: إن شئت فعلت؟ أي: إن شئت قتلنا؟ قال: كذبت! بعد ما تكلموا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا حجكم؟ فاحتمل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس عليه، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتى بلبن فشربه، فخرج من جوفه، فعرفوا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجل شاب، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله ﷺ، وقدم (^١) في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، قال: وددت أن ذلك كفاف، لا عليّ ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ردوا عليّ الغلام، قال: يابن أخي، "ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك" (^٢)، يا عبد الله بن عمر، انظر ما علي من الدين؟ فحسبوه، فوجدوه ستة وثمانون ألفًا أو نحوه، قال: [إن] وفى له مال آل عمر، "فأده من أموالهم"، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم، فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم، فأد عني هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فسلم واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر [بن الخطاب] السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرن به اليوم على نفسي، فلما أقبل، قيل: هذا عبد الله [بن عمر] قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، قال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت، قال: الحمد لله، ما كان شيء أهم إليّ من ذلك، فإذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سلم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني فردوني إلى مقابر
_________________
(١) بفتح القاف وكسرها، فالأول بمعنى الفضل، والآخر بمعنى السبق.
(٢) ما بين القوسين حديث مرفوع أخرجه الترمذي في "الشمائل" "رقم ٩٧، مختصرة" وهو تحت الطبع، وبعضه في "الصحيحة" "١٤٤١".
[ ٤٧٩ ]
المسلمين، وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء يسرن معها (^١)، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه، فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال، فولجت داخلا لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف؟ قال: ما أجد (^٢) أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط، الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمى عليا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعدا، وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء، كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمارة سعدا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة، وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا، الذين تبئوا الدار والإيمان من قبلهم، أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فإنهم ردء الإسلام، وجباة الأموال، وغيظ العدو، وأن لا يأخذ منهم إلا فضلهم، عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، أن يأخذ من حواشي أموالهم، وأن ترد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله، أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا [إلا طاقتهم]، فلما قبض خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسلم عبد الله بن عمر، قال: يستأذن عمر بن الخطاب؟ قالت: أدخلوه، فأدخل، فوضع هنالك مع صاحبيه، فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، قال الزبير: [قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة]: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن [بن عوف]، فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه؟ والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليَّ؟ والله عليَّ أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما، فقال: لك قرابة من رسول الله ﷺ والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك،
_________________
(١) كذا الأصل، وفي البخاري: "تسير معها".
(٢) في الأصل، ما أحد.
[ ٤٨٠ ]
لئن أمرتك لتعدلن؟ ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن؟ ثم خلا بالآخر، فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق، قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه" (^١).
وعن حميد بن عبد الرحمن: أن المسور بن مخرمة أخبره:
أن [الرهط] الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا، قال لهم عبد الرحمن: لست بالذي أنافسكم عن هذا الأمر، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم؟ فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم، فمال الناس على عبد الرحمن، حتى ما أرى أحدا من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي، حتى إذا كانت تلك الليلة "التي" أصبحنا فيها فبايعنا عثمان، قال المسور بن مخرمة: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استقيظت، فقال: أراك نائما؟! فوالله ما اكتحلت هذه الثلاث بكبير (^٢) نوم، انطلق فادع لي الزبير وسعدا، فدعوتهما "له"، فشاورهما ثم دعاني، فقال: ادع لي عليا، فدعوته، فناجاه حتى ابهارَّ (^٣) الليل، ثم قام علي من عنده وهو على طمع (^٤)، وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئا (^٥)، ثم قال: ادع لي عثمان، "فدعوته"، فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح، فلما صلى الناس الصبح، واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل إلى من كان حاضرا من المهاجرين والأنصار، و"أرسل" إلى أمراء الأجناد، وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن، ثم قال: أما بعد، يا علي، إني قد نظرت في أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلا، فقال لعثمان: أبايعك على سنة [الله و] رسوله ﷺ والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن،
_________________
(١) صحيح البخاري "٣٧٠٠، فتح، السلفية".
(٢) في البخاري "بكثير".
(٣) أي انتصف.
(٤) أي أن يوليه.
(٥) أي خاف عبد الرحمن "إن بايع لغير علي أن لا يطاوعه". كذا استظهره الحافظ.
[ ٤٨١ ]
وبايعه الناس والمهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون" (^١).
ومن فضائل عثمان ﵁ الخاصة: كونه ختن رسول الله ﷺ على ابنتيه. وفي "صحيح مسلم"، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعا [في بيته]، كاشفا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه، فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، [ثم دخل عمر فلم تهتش ولم تباله]، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك؟ فقال: "ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة" (^٢). وفي "الصحيح": لما كان يوم بيعة الرضوان، وأن عثمان ﵁ كان قد بعثه النبي ﷺ إلى مكة، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ [بيده] اليمنى: "هذه يد عثمان"، فضرب بها على يده، فقال: "هذه لعثمان" (^٣).
قوله: "ثم لعلي بن أبي طالب ﵁".
ش: أي: ونثبت الخلافة بعد عثمان لعلي ﵄، لما قتل عثمان وبايع الناس عليا صار إماما حقا واجب الطاعة، وهو الخليفة في زمانه خلافة نبوة، كما دل عليه حديث سفينة المقدم ذكره، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء" (^٤).
وكانت خلافة أبي بكر الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وخلافة عمر عشر سنين ونصفا، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة، وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر،
_________________
(١) صحيح البخاري "٧٢٠٧".
(٢) صحيح، وهو مخرج في "الإرواء" تحت الحديث "٢٦٩" من طرق عن عائشة ﵂، وفي بعضها "كاشفا عن فخديه "بدون شك، وله شاهدان خرجتهما هناك، أحدهما عن حفصة، وقد أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" "١٢٨٤ و١٢٨٥" من طريقين عنها.
(٣) صحيح، رواه البخاري من حديث ابن عمر.
(٤) حسن، وقد تقدم.
[ ٤٨٢ ]
وخلافة الحسن ستة أشهر، وأول ملوك المسلمين معاوية ﵁، وهو خير ملوك المسلمين، لكنه إنما صار إماما حقا لما فوض إليه الحسن بن علي ﵃ الخلافة، فإن الحسن ﵁ بايعه أهل العراق بعد موت أبيه، ثم بعد ستة أشهر فوض الأمر إلى معاوية، فظهر صدق قول النبي ﷺ: "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (^١). والقصة معروفة في موضعها.
فالخلافة ثبتت لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بعد عثمان ﵁، بمبايعة الصحابة، سوى معاوية مع أهل الشام، والحق مع علي ﵁، فإن عثمان ﵁ لما قتل كثر الكذب والافتراء على عثمان وعلى من كان بالمدينة من أكابر الصحابة كعليّ وطلحة والزبير، وعظمت الشبهة عند من لم يعرف الحال، وقويت الشهوة في نفوس ذوي الأهواء والأغراض، ممن بعدت داره من أهل الشام، ويحمي الله عثمان، أن يظن بالأكابر ظنون سوء، ويبلغه عنهم أخبار (^٢)، منها ما هو كذب، ومنها ما هو محرف، ومنها ما لم يعرف وجهه، وانضم إلى ذلك أهواء أقوام يحبون العلو في الأرض، وكان في عسكر علي ﵁ -من أولئك الطغاة الخوارج، الذين قتلوا عثمان- من لم يعرف بعينه، ومن تنتصر له قبيلته، ومن لم تقم عليه حجة بما فعله، ومن في قلبه نفاق لم يتمكن من إظهاره كله، ورأى طلحة والزبير أنه إن لم ينتصر للشهيد المظلوم، ويقمع أهل الفساد والعدوان، وإلا استوجبوا غضب الله وعقابه، فجرت فتنة الجمل على غير اختيار من عليّ، ولا من طلحة والزبير، وإنما أثارها المفسدون بغير اختيار السابقين، ثم جرت فتنة صفين لرأي، وهو أن أهل الشام لم يعدل عليهم، أو لا يتمكن من العدل عليهم، وهم كافون، حتى يجتمع أمر الأمة، وأنهم يخافون طغيان من في العسكر، كما طغوا على الشهيد المظلوم، وعلي ﵁ هو الخليفة الراشد المهدي الذي تجب طاعته، ويجب أن يكون الناس مجتمعين عليه، فاعتقد أن الطاعة والجماعة الواجبتين عليهم تحصل بقتالهم، بطلب الواجب عليهم، بما اعتقد
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي بكرة.
(٢) في الأصل: وبلغ عنهم أخبارا.
[ ٤٨٣ ]
أنه يحصل به أداء الواجب، ولم يعتقد أن التأليف لهم كتأليف المؤلفة قلوبهم على عهد النبي ﷺ والخليفتين من بعده مما يسوغ، فحمله ما رآه، من أن الدين إقامة الحد عليهم ومنعهم من الإثارة، دون تأليفهم، على القتال، وقعد عن القتال أكثر الأكابر، لما سمعوه من النصوص في الأمر بالقعود [في الفتنة]، ولما رأوه من الفتنة التي تربو مفسدتها على مصلحتها، ونقول في الجميع بالحسنى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، والفتن التي كانت في أيامه قد صان الله عنها أيدينا، فنسأل الله أن يصون عنها ألسنتنا، بمنه وكرمه.
ومن فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: ما في "الصحيحين"، عن سعد بن أبي وقاص ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون [من موسى]، إلا أنه لا نبي بعدي" (^١).
وقال ﷺ يوم خيبر: "لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله"، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليا، فأتي به أرمد، فبصق في عينيه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه (^٢). ولما نزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]، دعا رسول الله ﷺ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: "اللهم هؤلاء أهلي" (^٣).
قوله: "وهم الخلفاء الراشدون، والأئمة المهديون".
ش: تقدم الحديث الثابت في "السنن"، وصححه الترمذي، عن العرباض
_________________
(١) صحيح، وهو مخرج في "الإرواء" "١١٨٨"، ورواه ابن أبي عاصم في "السنة" من طرق "١٣٣١ - ١٣٤٥" عن سعد، وعن غيره "١٣٤٦ - ١٣٥١".
(٢) متفق عليه من حديث سهل بن سعد، ورواه ابن أبي عاصم في "السنة" عن جمع آخر من الصحابة "١٣٥١ و١٣٧٧ - ١٣٨٠ و١٣٨٦ و١٣٨٧".
(٣) مسلم في "صحيحه" "٧/ ١٢٠ - ١٢١" من حديث سعد بن أبي وقاص، والترمذي، وصححه، وله شاهد عند ابن أبي عاصم "١٣٥١".
[ ٤٨٤ ]
ابن سارية، قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" (^١). وترتيب الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين في الفضل، كترتيبهم في الخلافة. ولأبي بكر وعمر ﵄ من المزية: أن النبي ﷺ أمرنا باتباع سنة الخلفاء الراشدين، ولم يأمرنا في الاقتداء في الأفعال إلا بأبي بكر وعمر، فقال: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" (^٢)، وفرق بين اتباع سنتهم والاقتداء بهم، فحال أبي بكر وعمر فوق حال عثمان وعلي ﵃ أجمعين، وقد روي عن أبي حنيفة تقديم عليّ على عثمان، ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان [على عليّ]، وعلى هذا عامة أهل السنة، [وقد] تقدم (^٣) قول عبد الرحمن بن عوف لعليّ ﵄: إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، وقال أيوب السختياني من لم يقدم عثمان على عليّ فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وفي "الصحيحين" عن ابن عمر، قال: كنا نقول ورسول الله ﷺ حيٌّ: أفضل أمة النبي ﷺ بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان (^٤).
قوله: "وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة، نشهد لهم بالجنة، على ما شهد لهم رسول الله ﷺ، وقوله الحق، وهم: أبو بكر، وعمر،
_________________
(١) صحيح، وتقدم.
(٢) صحيح، وتقدم.
(٣) ص ٤٨١ في قصة البيعة لعثمان.
(٤) صحيح، أخرجه أبو داود بسند صحيح عنه، وهو عند البخاري بنحوه، ولم يخرجه مسلم. وأخرجه ابن أبي عاصم من طرقه "١١٩٠ - ١١٩٩" من طرق عن ابن عمر، أحدها عن أبي هريرة، وهي مخرجة في "ظلال الجنة" "٢/ ٥٦٦ - ٥٦٩".
[ ٤٨٥ ]
وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وهو أمين هذه الأمة، ﵃ أجمعين".
ش: تقدم ذكر بعض فضائل الخلفاء الأربعة. ومن فضائل الستة الباقين من العشرة ﵃ أجمعين: ما رواه مسلم عن عائشة ﵂: أرق رسول الله ﷺ ذات ليلة، فقال: "ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة"، قالت: وسمعنا صوت السلاح، فقال النبي ﷺ: "من هذا؟ " فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله، جئت أحرسك وفي لفظ آخر: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام (^١). وفي "الصحيحين": أن رسول الله ﷺ جمع لسعد بن أبي وقاص أبويه يوم أحد، فقال: "ارم، فداك أبي وأمي" (^٢). وفي "صحيح مسلم"، عن قيس بن أبي حازم، قال: رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي ﷺ يوم أحد قد شلت (^٣). وفيه أيضا عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يبق مع رسول الله ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيها النبي ﷺ غير طلحة وسعد (^٤). وفي "الصحيحين"، واللفظ لمسلم، عن جابر بن عبد الله قال: ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق فانتدب الزبير، ثم ندبهم، فانتدب الزبير، فقال النبي ﷺ: "لكل نبي حواري، وحواريي الزبير" (^٥). وفيهما أيضا عن الزبير ﵁، أن النبي ﷺ قال: "من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟ " فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله ﷺ أبويه، فقال: "فداك أبي وأمي" (^٦). وفي
_________________
(١) أخرجه مسلم عنه، وكذا ابن أبي عاصم "١٤١١".
(٢) صحيح، ورواه ابن أبي عاصم "١٤٠٥ - ١٤٠٧".
(٣) صحيح، وإنما أخرجه البخاري دون مسلم.
(٤) صحيح وأخرجه البخاري أيضا.
(٥) صحيح، متفق عليه، وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" "١٣٨٨ - ١٣٩٣" عن جمع آخر من الصحابة.
(٦) صحيح، متفق عليه، ورواه ابن أبي عاصم "١٣٩٠".
[ ٤٨٦ ]
"صحيح مسلم"، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لكل أمة أمينا، وإن أميننا أيتها الأمة: أبو عبيدة بن الجراح" (^١). وفي "الصحيحين" عن حذيفة بن اليمان، قال: جاء أهل نجران إلى النبي ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، ابعث إلينا [رجلا] أمينا، فقال: "لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق [أمين] "، قال: فاستشرف لها الناس، قال: فبعث أبا عبيدة بن الجراح (^٢). وعن سعيد بن زيد ﵁، قال: أشهد على رسول الله ﷺ إني سمعته يقول: "عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وطلحة في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة"، ولو شئت لسميت العاشر، قال: فقالوا: من هو؟ قال: سعيد بن زيد، وقال: لمشهد رجل منهم مع رسول الله ﷺ، يغبر منه وجهه، خير من عمل أحدكم، ولو عُمِّر عُمُر نوح (^٣). رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي وصححه. ورواه الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف، وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁، أن النبي ﷺ قال: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة" (^٤). رواه الإمام أحمد في "مسنده"، ورواه أبو بكر بن أبي خيثمة، وقدم فيه عثمان على عليّ، ﵄. وعن أبي هريرة ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ على حراء، [هو] وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله ﷺ: "اهدأ، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" (^٥). رواه مسلم والترمذي وغيرهما. وروي من طرق.
_________________
(١) صحيح وأخرجه البخاري أيضا.
(٢) صحيح، متفق عليه.
(٣) صحيح، وهو مخرج في "الروض النضير" "٤٢٥"، ورواه ابن أبي عاصم "١٤٣٥".
(٤) صحيح.
(٥) صحيح، وأخرجه أحمد أيضا "٢/ ٤١٩"، وابن أبي عاصم "١٤٢٥ - ١٤٢٧ و١٤٣٩ - ١٤٤٣ و١٤٤٥ - ١٤٤٧".
[ ٤٨٧ ]
وقد اتفق أهل السنة على تعظيم هؤلاء العشرة وتقديمهم، لما اشتهر من فضائلهم ومناقبهم، ومن أجهل ممن يكره التكلم بلفظ العشرة، أو فعل شيء يكون عشر!! لكونهم يبغضون خيار الصحابة، وهم العشرة المشهود لهم بالجنة، وهم يستثنون منهم عليا ﵁! فمن العجب: أنهم يوالون لفظ التسعة! وهم يبغضون التسعة من العشرة! ويبغضون سائر المهاجرين والأنصار، من السابقين الأولين، الذين بايعوا رسول الله تحت الشجرة، وكانوا ألفا وأربعمائة، وقد ﵃. كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. وثبت في "صحيح مسلم"، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ، أنه قال: "لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة" (^١). وفي "صحيح مسلم" أيضا، عن جابر أن غلام حاطب بن أبي بلتعة قال: يا رسول الله! ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ: "كذبت، [لا يدخلها]، فإنه شهد بدرا والحديبية" (^٢). والرافضة يتبرءون من جمهور هؤلاء، بل يتبرءون من سائر أصحاب رسول الله ﷺ، إلا من نفر قليل، نحو بضعة عشر نفرا!! ومعلوم أنه لو فرض في العالم عشرة من أكفر الناس، لم يهجر هذا الاسم لذلك، كما أنه سبحانه لما قال: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨]، لم يجب هجر اسم التسعة مطلقا، بل اسم العشرة قد مدح الله مسماه في مواضع من القرآن: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢]. ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: (١)، ٢]. وكان ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان (^٣)، وقال في ليلة القدر: "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان" (^٤). وقال: "ما من أيام العمل
_________________
(١) صحيح، ورواه ابن أبي عاصم "٨٦٠ و٨٦١" أيضا، وهو مخرج في "الصحيحة" "٢١٦٠".
(٢) صحيح.
(٣) متفق عليه من حديث ابن عمر.
(٤) البخاري من حديث ابن عباس، وصححه الترمذي.
[ ٤٨٨ ]
الصالح فيهن أحب إلى الله من أيام العشر" (^١). يعني عشر ذي الحجة.
والرافضة توالي بدل العشرة المبشرين بالجنة، اثني عشر إماما، أولهم علي بن أبي طالب ﵁، ويدعون أنه وصي النبي ﷺ، دعوى مجردة عن الدليل، ثم الحسن ﵁، ثم الحسين ﵁، ثم علي بن الحسين زين العابدين، ثم محمد بن علي الباقر، ثم جعفر بن محمد الصادق، ثم موسى بن جعفر الكاظم، ثم علي بن موسى الرضى، ثم محمد بن علي الجواد، ثم علي بن محمد الهادي، ثم الحسن بن علي العسكري، ثم محمد بن الحسن، ويغالون في محبتهم، ويتجاوزون الحد!! ولم يأت ذكر الأئمة الاثني عشر، إلا على صفة ترد قولهم وتبطله، وهو ما خرجاه في "الصحيحين"، عن جابر بن سمرة، قال: دخلت مع أبي على النبي ﷺ، فسمعته يقول: "لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا"، ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت عليّ، فسألت أبي: ماذا قال النبي ﷺ؟ قال: "كلهم من قريش" (^٢). وفي لفظ: "لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة" (^٣) وفي لفظ: "لا يزال هذا الأمر عزيزا إلى اثني عشر خليفة". وكان الأمر كما قال النبي ﷺ. والاثنا عشر: الخلفاء الراشدون الأربعة، ومعاوية، وابنه يزيد، وعبد الملك بن مروان، وأولاده الأربعة، وبينهم عمر بن عبد العزيز، ثم أخذ الأمر في الانحلال، وعند الرافضة أن أمر الأمة لم يزل في أيام هؤلاء فاسدا منغصا، يتولى عليهم الظالمون المعتدون، بل المنافقون الكافرون، وأهل الحق أذل من اليهود (^٤)، وقولهم ظاهر البطلان، بل لم يزل الإسلام عزيزا في ازدياد في أيام هؤلاء الاثني عشر.
_________________
(١) متفق عليه من حديث ابن عمر ونحوه، والبخاري وغيره من حديث ابن عباس بلفظه المذكور أعلاه، ومسلم وغيره من حديث أبي سعيد، وهي مخرجة في "الصحيحة" "١٤٧١" و"صحيح أبي داود" "١٢٥٠ و١٢٥٢".
(٢) صحيح، وهو مخرج في "الصحيحة" "٣٧٦ و٩٦٤"، ورواه ابن أبي عاصم أيضا "١١٢٢ و١١٢٣".
(٣) صحيح أخرجه مسلم أيضا.
(٤) قال عفيفي: انظر خطبة "منهاج السنة" ج ١ ص ٢٤ جديد وص ٩ - ١٠ ط بولاق.
[ ٤٨٩ ]
قوله: "ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ، وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق".
ش: تقدم بعض ما ورد في الكتاب والسنة من فضائل الصحابة ﵃. وفي صحيح مسلم، عن زيد بن أرقم، قال: قام فينا رسول الله ﷺ خطيبا، بماء يدعى: خما، بين مكة والمدينة، فقال: "أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر، يوشك أن يأتي رسول ربي، فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي"، ثلاثا (^١). وخرج البخاري عن أبي بكر الصديق ﵁، قال: "ارقبوا محمدا في أهل بيته" (^٢).
وإنما قال الشيخ ﵀: فقد برئ من النفاق؛ لأن أصل الرفض إنما أحدثه منافق زنديق، قصده إبطال دين الإسلام، والقدح في الرسول ﷺ، كما ذكر ذلك العلماء. فإن عبد الله بن سبأ لما أظهر الإسلام، أراد أن يفسد دين الإسلام بمكره وخبثه، كما فعل بولس بدين النصرانية، فأظهر التنسك، ثم أظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى سعى في فتنة عثمان وقتله، ثم لما قدم عليّ الكوفة أظهر الغلو في عليّ والنصر له، ليتمكن بذلك من أغراضه، وبلغ ذلك عليا، فطلب قتله، فهرب منه إلى قرقيس، وخبره معروف في التاريخ، وتقدم أن من فضله على أبي بكر وعمر جلده جلد المفتري، وبقيت في نفوس المبطلين خمائر بدعة الخوارج، من الحرورية والشيعة، ولهذا كان الرفض باب الزندقة، كما حكاه القاضي أبو بكر ابن الطيب (^٣) عن الباطنية وكيفية إفسادهم لدين الإسلام، قال: فقالوا للداعي: يجب عليك إذا وجدت من تدعوه مسلما أن تجعل التشيع عنده دينك وشعارك، واجعل المدخل من جهة ظلم السلف لعليّ وقتلهم الحسين، والتبري من
_________________
(١) صحيح، ورواه ابن أبي عاصم أيضا في "السنة" "١٥٥٠ و١٥٥١ و١٥٥٥".
(٢) صحيح البخاري "٣٧١٣ و٣٧٥١".
(٣) هو أبو بكر الباقلاني، محمد بن الطيب.
[ ٤٩٠ ]
تيم وعدي، وبني أمية وبني العباس، "وقل بالرجعة" وأن عليا يعلم الغيب! يفوض إليه خلق العالم!! وما أشبه ذلك من أعاجيب الشيعة وجهلهم، فإذا أنست (^١) من بعض الشيعة عند الدعوة إجابة ورشدا، أوقفته على مثالب عليّ وولده، "﵃". انتهى. ولا شك أنه يتطرق من سب الصحابة إلى سب أهل البيت، ثم إلى سب الرسول ﷺ، إذ أهل بيته وأصحابه مثل هؤلاء [عند] (^٢) الفاعلين الضالين.
قوله: "وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل".
ش: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. فيجب على [كل] مسلم بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين، كما نطق به القرآن، خصوصا الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم، يهتدى (^٣) بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، إذ كل أمة قبل (^٤) مبعث محمد ﷺ علماؤها شرارها، إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول من أمته، والمحيون لما مات من سنته، فبهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وكلهم متفقون اتفاقا يقينا على وجوب اتباع الرسول ﷺ، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له في تركه من عذر، وجماع الأعذار ثلاثة أصناف:
أحدها: عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قاله.
والثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول.
والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ. فلهم الفضل علينا والمنة بالسبق، وتبليغ ما أرسل به الرسول ﷺ إلينا، وإيضاح ما كان منه يخفى علينا، فرضي الله عنهم وأرضاهم. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾ [الحشر: ١٠]
_________________
(١) في الأصل: ايست.
(٢) لم تكن الأصول واضحة في هذا النص ولعل العبارة استقامت بهذه الإضافة "وما نقله عن الباقلاني فهو عند غيره" انظر "القرامطة" ص ٥٢ تحقيق محمد الصباغ.
(٣) في الأصل: يهدي.
(٤) في الأصل: بعد.
[ ٤٩١ ]