قوله: "ونؤمن بالملائكة والنبيين، والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين".
ش: هذه الأمور من أركان الإيمان. قال تعالى: ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآيات. وقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية. فجعل الله ﷾ الإيمان هو الإيمان بهذه الجملة، وسمى من آمن بهذه الجملة مؤمنين، كما جعل الكافرين من كفر بهذه الجملة، بقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]. وقال ﷺ، في الحديث المتفق على صحته، حديث جبرائيل وسؤاله للنبي ﷺ عن الإيمان، فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (^١). فهذه الأصول التي اتفقت عليها الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وسلامه، ولم يؤمن بها حقيقة الإيمان إلا أتباع الرسل.
وأما أعداؤهم ومن سلك سبيلهم من الفلاسفة وأهل البدع، فهم متفاوتون في جحدها وإنكارها، وأعظم الناس لها إنكارا الفلاسفة المسمون عند من يعظمهم بالحكماء، فإن من علم حقيقة قولهم علم أنهم لم يؤمنوا بالله ولا رسله ولا كتبه ولا ملائكته ولا باليوم الآخر، فإن مذهبهم أن الله سبحانه موجود لا ماهية له ولا
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢٩٧ ]
حقيقة، فلا يعلم الجزئيات بأعيانها، وكل موجود في الخارج فهو جزئي، ولا يفعل عندهم بقدرته ومشيئته، وإنما العالم عندهم لازم له أزلا وأبدا، وإن سموه مفعولا له فمصانعة ومصالحة للمسلمين في اللفظ، وليس عندهم بمفعول ولا مخلوق ولا مقدور عليه، وينفون عنه سمعه وبصره وسائر صفاته! فهذا إيمانهم بالله. وأما كتبه عندهم، فإنهم لا يصفونه بالكلام، فلا يكلم ولا يتكلم، ولا قال ولا يقول، والقرآن عندهم فيض فاض من العقل الفعال على قلب بشر زاكي النفس طاهر، متميز عن النوع الإنساني بثلاث خصائص: قوة الإدراك وسرعته، لينال [من] العلم أعظم ما يناله غيره! وقوة النفس، ليؤثر بها في هيولى العالم يقلب صورة إلى صورة! وقوة التخييل، ليخيل بها القوى العقلية في أشكال محسوسة، وهي الملائكة عندهم! وليس في الخارج ذات منفصلة تصعد وتنزل وتذهب وتجيء وترى وتخاطب الرسول، وإنما ذلك عندهم أمور ذهنية لا وجود لها في الأعيان، وأما اليوم الآخر، فهم أشد الناس تكذيبا وإنكارا له في الأعيان، وعندهم أن هذا العالم لا يخرب، ولا تنشق السماوات ولا تنفطر، ولا تنكدر النجوم ولا تكور الشمس والقمر، ولا يقوم الناس من قبورهم ويبعثون إلى جنة ونار! كل هذا عندهم أمثال مضروبة لتفهيم العوام، لا حقيقة لها في الخارج، كما يفهم منها أتباع الرسل، فهذا إيمان هذه الطائفة -الذليلة الحقيرة- بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذه هي أصول الدين الخمسة.
وقد أبدلتها المعتزلة بأصولهم الخمسة التي هدموا بها كثيرا من الدين: فإنهم بنوا أصل دينهم على الجسم والعرض، الذي هو الموصوف والصفة عندهم، واحتجوا بالصفات التي هي الأعراض، على حدوث الموصوف الذي هو الجسم، وتكلموا في التوحيد على هذا الأصل، فنفوا عن الله كل صفة، تشبيها بالصفات الموجودة في الموصوفات التي هي الأجسام، ثم تكلموا بعد ذلك في أفعاله التي هي القدر، وسموا ذلك العدل، ثم تكلموا في النبوة والشرائع والأمر والنهي والوعد والوعيد، وهي مسائل الأسماء والأحكام، التي هي المنزلة بين المنزلتين، ومسألة إنقاذ الوعيد، ثم تكلموا في إلزام الغير بذلك، الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن
[ ٢٩٨ ]
المنكر، وضمنوه جواز الخروج على الأئمة بالقتال، فهذه أصولهم الخمسة، التي وضعوها بإزاء أصول الدين الخمسة التي بعث بها الرسول.
والرافضة المتأخرون، جعلوا الأصول أربعة: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة.
وأصول أهل السنة والجماعة تابعة لما جاء به الرسول. وأصل الدين: الإيمان بما جاء به الرسول، كما تقدم بيان ذلك، ولهذا كانت الآيتان من آخر سورة البقرة، لما تضمنتا هذا الأصل: لهما شأن عظيم ليس لغيرهما، ففي الصحيحين عن أبي مسعود عقبة بن عمرو، عن النبي ﷺ، قال: "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" (^١). وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄، قال: "بينا جبرائيل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الارض، لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أوتيته" (^٢). وقال أبو طالب المكي: أركان الإيمان سبعة، يعني هذه الخمسة، والإيمان بالقدر، والإيمان بالجنة والنار. وهذا حق، والأدلة عليه ثابتة محكمة قطعية. وقد تقدمت الإشارة إلى دليل التوحيد والرسالة.
وأما الملائكة فهم الموكلون بالسماوات والأرض، فكل حركة في العالم فهي ناشئة عن الملائكة، كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]. ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: ٤]. وهم الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرسل، وأما المكذبون بالرسل المنكرون للصانع فيقولون: هي النجوم. وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكل
_________________
(١) صحيح لإخراج "الصحيحين" له، وعزاه في "الجامع الصغير" لأصحاب السنن الأربعة فقصر، انظر "صحيح الجامع" "٦٣٤١".
(٢) صحيح لإخراج مسلم إياه "٢/ ١٩٨".
[ ٢٩٩ ]
بالجبال ملائكة، ووكل بالسحاب والمطر ملائكة، ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها، ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظ (^١) ما يعمله وإحصائه وكتابته، ووكل بالموت ملائكة، ووكل بالسؤال في القبر ملائكة، ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها، ووكل بالشمس والقمر ملائكة، ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة، ووكل بالجنة وعمارتها وغرسها وعمل آلاتها ملائكة. فالملائكة أعظم جنود الله ومنهم: ﴿الْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١]، ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ [المرسلات: ٣]، ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ [المرسلات: ٤]، ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ٥] ومنهم: ﴿النَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ [النازعات: ١]، ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ [النازعات: ٢]، ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ [النازعات: ٣]، ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ [النازعات: ٤]، ومنهم: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ١ - ٣]. ومعنى جمع التأنيث في ذلك كله: الفرق والطوائف والجماعات، التي مفردها: فرقة وطائفة وجماعة، ومنهم ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، وملائكة قد وكلوا بحمل العرش، وملائكة قد وكلوا بعمارة السماوات بالصلاة والتسبيح والتقدير، إلى غير ذلك من أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله، ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر مرسله، فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله للواحد القهار، وهم ينفذون أمره: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧]. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]. فهم عباد مكرمون، منهم الصافون، ومنهم المسبحون، ليس منهم إلا له مقام معلوم، ولا يتخطاه، وهو على عمل قد أمر به، لا يقصر عنه ولا يتعداه، وأعلاهم الذين عنده ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]، ورؤساؤهم الأملاك الثلاثة: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، الموكلون بالحياة، فجبرائيل موكل بالوحي
_________________
(١) في الأصل: تحفظ.
[ ٣٠٠ ]
الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم، فهم رسل الله في خلقه وأمره، وسفراؤه بينه وبين عباده، ينزلون الأمر من عنده في أقطار العالم، ويصعدون إليه بالأمر، قد أطت السماوات بهم، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد لله، ويدخل البيت المعمور منهم كل يوم سبعون ألفًا لا يعودون إليه آخر ما عليهم، والقرآن مملوء بذكر الملائكة وأصنافهم ومراتبهم، فتارة يقرن الله تعالى اسمه باسمهم، وصلاته بصلاتهم، ويضيفهم إليه في مواضع التشريف، وتارة يذكر حفهم بالعرش وحملهم له، ومراتبهم من الدنو (^١)، وتارة يصفهم بالإكرام والكرم، والتقريب والعلو والطهارة والقوة والإخلاص. قال تعالى: ﴿كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [غافر: ٧]. ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٧٥]. ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]. ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١١]. ﴿كِرَامٍ بَرَرَةَ﴾ [عيسى: ١٦]. ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١]. ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ [الصافات: ٨]. وكذلك الأحاديث النبوية طافحة بذكرهم، فلهذا كان الإيمان بالملائكة أحد الأصول الخمسة التي هي أركان الإيمان.
وقد تكلم الناس في المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر، وينسب إلى أهل السنة تفضيل صالحي البشر والأنبياء فقط على الملائكة، وإلى المعتزلة تفضيل
_________________
(١) في الأصل: وبراءتهم من الذنوب.
[ ٣٠١ ]
الملائكة. وأتباع الأشعري على قولين: منهم من يفضل الأنبياء والأولياء، ومنهم من يقف ولا يقطع في ذلك قولا. وحكي عن بعضهم ميلهم إلى تفضيل الملائكة. وحكي ذلك عن غيرهم من أهل السنة وبعض الصوفية، وقالت الشيعة: إن جميع الأئمة أفضل من جميع الملائكة، ومن الناس من فصل تفصيلا آخر، ولم يقل أحد ممن له قول يؤثر إن الملائكة أفضل من بعض الأنبياء دون بعض، وكنت ترددت في الكلام على هذه المسألة، لقلة ثمرتها، وأنها قريب مما لا يعني، و"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (^١). والشيخ ﵀ لم يتعرض إلى هذه المسألة بنفي ولا إثبات، ولعله يكون قد ترك الكلام فيها قصدا، فإن الإمام أبا حنيفة ﵁ وقف في الجواب عنها [على] ما ذكره في "مآل الفتاوى" (^٢)، فإنه ذكر مسائل لم يقطع أبو حنيفة فيها بجواب، وعد منها: التفضيل بين الملائكة والأنبياء. وهذا هو الحق، فإن الواجب علينا الإيمان بالملائكة والنبيين، وليس علينا أن نعتقد أي الفريقين أفضل، فإن هذا لو كان من الواجب لبين لنا نصا. وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. وفي "الصحيح": "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء -رحمة بكم غير نسيان- فلا تسألوا عنها" (^٣)، فالسكوت (^٤) عن الكلام في هذه المسألة نفيا وإثباتا والحالة هذه أولى، ولا يقال: إن هذه المسألة نظير غيرها من المسائل المستنبطة من الكتاب والسنة؛ لأن الأدلة هنا متكافئة، على ما أشير إليه، إن شاء الله تعالى، وحملني على بسط الكلام هنا: أن بعض الجاهلين يسيئون الأدب بقولهم: كان الملك خادما
_________________
(١) صحيح رواه أحمد وغيره، وقد مر الحديث.
(٢) "مآل الفتاوي" في كشف الظنون أنه للإمام ناصر الدين السمرقندي الحنفي، أتمه في شعبان سنة ٥٤٩.
(٣) حسن لغيره، رواه الدارقطني وغيره. ثم تبينت أن الشواهد التي رفعته إلى الحسن ضعيفان جدا لا يصلحان للشهادة، كما أوضحته في "غاية المرام" "٤".
(٤) في الأصل: والسكوت.
[ ٣٠٢ ]
للنبي ﷺ! أو: أن بعض الملائكة خدام بني آدم!! يعنون الملائكة الموكلين بالبشر، ونحو ذلك من الألفاظ المخالفة للشرع، المجانبة للأدب. والتفضيل إذا كان على وجه التنقص أو الحمية والعصبية للجنس؛ لا شك في رده، وليس هذه [المسألة] نظير المفاضلة بين الأنبياء، فإن تك قد وجد فيها نص، وهو قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]. وقد تقدم الكلام في ذلك عند قول الشيخ: وسيد المرسلين، يعني النبي ﷺ. والمعتبر رجحان الدليل، ولا يهجر القول لأن بعض أهل الأهواء وافق عليه، بعد أن تكون المسألة مختلفا فيها بين أهل السنة، وقد كان أبو حنيفة ﵁ يقول أولا بتفضيل الملائكة على البشر، ثم قال بعكسه، والظاهر أن القول بالتوقف أحد أقواله، والأدلة في هذه المسألة من الجانبين إنما تدل على الفضل، لا على الأفضلية، ولا نزاع في ذلك، وللشيخ تاج الدين الفزاري ﵀ مصنف سماه الإشارة في البشارة في تفضيل البشر على الملك، قال في آخره: اعلم أن هذه المسألة من بدع علم الكلام، التي لم يتكلم فيها الصدر الأول من الأمة، ولا من بعدهم من أعلام الأئمة، ولا يتوقف عليها أصل من أصول العقائد، ولا يتعلق بها من الأمور الدينية كبير من المقاصد، ولهذا خلا عنها طائفة من مصنفات هذا الشأن، وامتنع من الكلام فيها جماعة من الأعيان، وكل متكلم فيها من علماء الظاهر بعلمه، لم يخل كلامه عن ضعف واضطراب. انتهى والله الموفق للصواب.
فما استدل به على تفضيل الأنبياء على الملائكة: أن الله أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم، وذلك دليل على تفضيله عليهم، ولذلك امتنع إبليس واستكبر وقال، ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢]. قال الآخرون: إن سجود الملائكة كان امتثالا لأمر ربهم، وعبادة [وانقيادا] وطاعة له، وتكريما لآدم وتعظيما، ولا يلزم من ذلك الأفضلية، كما لم يلزم من سجود يعقوب لابنه ﵉ تفضيل ابنه عليه، ولا تفضيل الكعبة على بني آدم بسجودهم إليها امتثالا
_________________
(١) قال عفيفي: انظر ص ٣٥٠ وما بعده من ج ٤ من "مجموع الفتاوى" لابن تيمية.
[ ٣٠٣ ]
لأمر ربهم، وأما امتناع إبليس، فإنه عارض النص برأيه وقياسه الفاسد بأنه خير منه، وهذه المقدمة الصغرى، والكبرى محذوفة، تقديرها: والفاضل لا يسجد للمفضول! وكلتا المقدمتين فاسدة: أما الأولى: فإن التراب يفوق النار في أكثر صفاته، ولهذا خان إبليس عنصره، فأبى واستكبر، فإن من صفات النار طلب العلو والخفة والطيش والرعونة، وإفساد ما تصل إليه ومحقه وإهلاكه وإحراقه، ونفع آدم عنصره، في التوبة والاستكانة، والانقياد والاستسلام لأمر الله، والاعتراف وطلب المغفرة، فإن من صفات التراب الثبات والسكون والرصانة، والتواضع والخضوع والخشوع والتذلل، وما دنا منه ينبت ويزكو، وينمي ويبارك فيه، ضد النار، وأما المقدمة الثانية، وهي: أن الفاضل لا يسجد المفضول؛ فباطلة، فإن السجود طاعة لله وامتثال لأمره، ولو أمر الله عباده أن يسجدوا لحجر لوجب عليهم الامتثال والمبادره، ولا يدل ذلك على أن المسجود له أفضل من الساجد، وإن كان فيه تكريمه وتعظيمه، وإنما يدل على فضله. قالوا: وقد يكون قوله: ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢]، بعد طرده لامتناعه عن السجود له، لا قبله، لينتفي الاستدلال به.
ومنه: أن الملائكة لهم عقول وليست لهم شهوات، والأنبياء لهم عقول وشهوات، فلما نهوا أنفسهم عن الهوى، ومنعوها عما تميل إليه الطباع، كانوا بذلك أفضل. وقال الآخرون: يجوز أن يقع [من الملائكة] [من] مداومة الطاعة وتحمل العبادة وترك الونى والفتور فيها؛ ما يفي بتجنب الأنبياء شهواتهم، مع طول مدة عبادة الملائكة. ومنه: أن الله تعالى جعل [الملائكة] رسلا إلى الأنبياء، وسفراء بينه وبينهم. وهذا الكلام قد اعتل به من قال: إن الملائكة أفضل، واستدلالتهم به أقوى، فإن الأنبياء المرسلين، إن ثبت تفضيلهم على المرسل إليهم بالرسالة، ثبت تفضيل الرسل من الملائكة إليهم عليهم، فإن الرسول الملكي يكون رسولا إلى الرسول البشري.
ومنه: قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، الآيات. قال الآخرون: وهذا دليل على الفضل لا على التفضيل، وآدم والملائكة لا يعلمون إلا ما علمهم الله، وليس الخضر أفضل من موسى، بكونه عالم ما لم يعلمه موسى،
[ ٣٠٤ ]
وقد سافر موسى وفتاه في طلب العلم إلى الخضر، وتزود لذلك، وطلب موسى منه العلم صريحا، وقال له الخضر: إنك على علم من علم الله، الى آخر كلامه. ولا الهدهد أفضل من سليمان ﵇، بكونه أحاط بما لم يحط به سليمان ﵇ [علما].
ومنه: قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. قال الآخرون: هذا دليل الفضل لا الأفضلية، وإلا لزم تفضيله على محمد ﷺ. فإن قلتم: هو من ذريته؟ فمن ذريته البر والفاجر، بل يوم القيامة إذا قيل لآدم: "ابعث من ذريتك بعثا إلى النار"، "يبعث من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحدا إلى الجنة" (^١). فما بال هذا التفضيل سرى إلى هذا الواحد من الألف فقط.
ومنه: قول عبد الله بن سلام ﵁: ما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد ﷺ (^٢)، الحديث، فالشأن في ثبوته وإن صح عنه فالشأن في ثبوته في نفسه، فإنه يحتمل أن يكون من الإسرائيليات.
ومنه: حديث عبد الله بن عمرو ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الملائكة قالت: يا ربنا، أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون، ونحن نسبح بحمدك، ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة؟ قال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان" (^٣). أخرجه الطبراني. وأخرجه عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل
_________________
(١) متفق عليه من حديث أبي هريرة.
(٢) المستدرك "٤/ ٥٦٨ - ٥٦٩" بسند صحيح عنه وصححه هو والذهبي.
(٣) ضعيف، كما أشار إليه المصنف، وأما تعقيب الشيخ أحمد شاكر عليه بقوله: "هكذا أعل الشارح الحديث إسنادا ومتنا، وما أصاب في ذلك السداد، إذ قصر في تخريجه. أما رواية الطبراني، فإنها ضعيفة حقا، بل غاية في الضعف. فقد نقلها ابن كثير في التفسير "٥/ ٢٠٦" بإسنادها من "المعجم الكبير". ونقلها الهيثمي في "مجمع الزوائد" "١/ ٨٢" وقال: رواه الطبراني في الكبير" و"الأوسط". وفيه إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي، وهو كذاب متروك وفي إسناد الأوسط طلحة بن زيد، وهو كذاب أيضا" فهذان إسنادان لا تعبأ بهما. =
[ ٣٠٥ ]
عن عروة بن رويم، [أنه] قال: أخبرني الأنصاري، عن النبي ﷺ "أن الملائكة قالوا"، الحديث، وفيه: "وينامون ويستريحون، فقال الله تعالى: لا، فأعادوا القول ثلاث مرات، كل ذلك يقول: لا". والشأن في ثبوتهما، فإن في سنديهما مقالا، وفي متنهما شيئا، فكيف يظن بالملائكة الاعتراض على الله مرات عديدة؟ وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون؟ وهل يظن بهم أنهم متبرمون بأحوالهم، متشوفون إلى ما سواها من شهوات بني آدم؟ والنوم أخو الموت، فكيف يغبطونهم به؟ وكيف يظن بهم أنهم يغبطونهم باللهو، وهو من الباطل؟ قالوا: بل الأمر بالعكس، فإن إبليس إنما وسوس إلى آدم ودلاه بغرور،
_________________
(١) = ولكن الحديث رواه الإمام عثمان بن سعد الدارمي في كتاب الرد على المريسي "ص ٣٤" بإسناد صحيح، مطولا: رواه عن عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وهذا إسناد لا مغمز فيه، وقد أشار إليه الحافظ ابن كثير في التاريخ "١/ ٥٥"، مختصرا، من رواية عثمان بن سعيد، وأشار إلى صحته. وأما رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل: فإنها من زياداته في "كتاب السنة" الذي رواه عن أبيه "ص ١٤٨ من طبعة السلفية بمكة" فقال عبد الله: "حدثني الهيثم بن خارجة، حدثنا عثمان بن علاق، وهو عثمان بن حصن بن علاق [وكتب في المطبوعة: محصن! خطأ]، سمعت عروة بن رويم يقول: "أخبرني الأنصاري، عن النبي ﷺ … ". فهذا إسناده ظاهره الصحة أيضا، وإن لم أستطع أن أجزم بذلك؛ لأن عروة بن رويم لم يصرح فيه بأن "الأنصاري" الذي حدثه به صحابي، فجهالة الصحابي لا تضر، وهو يروي عن أنس بن مالك الأنصاري، فإن يكنه يكن الإسناد صحيحا. وهذا محتمل جدا، وإن كنت لا أقطع به … فإن الحديث ذكره ابن كثير في التفسير "٥/ ٢٠٦ - ٢٠٧" نقلا عن ابن عساكر، بإسناده إلى عثمان بن علاق: "سمعت عروة بن رويم اللخمي، حدثني أنس بن مالك، عن النبي ﷺ … " فهذا قد يرجح أن "الأنصاري" في رواية عبد الله بن أحمد هو "أنس بن مالك الأنصاري" ولكن إسناد ابن عساكر لم يتبين لي صحته من ضعفه. وأيا ما كان، فرواية عبد الله بن أحمد، ورواية ابن عساكر تصلحان للاستشهاد، وتؤيدان صحة حديث عبد الله بن عمرو، بإسناد الدارمي. أما أعلامه من جهة المتن والمعنى، فإنه غير جيد، ولا مقبول، فإن الملائكة لم يعترضوا بهذا =
[ ٣٠٦ ]
إذ أطمعه [في] أن يكون ملكا بقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]. فدل أن أفضلية الملك أمر معلوم مستقر في الفطرة، يشهد لذلك قوله تعالى، حكاية عن النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند رؤية يوسف وقلن: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]. قال الأولون: إن هذا إنما كان لما هو مركوز في النفس: أن الملائكة خلق جميل عظيم، مقتدر على الأفعال الهائلة، خصوصا العرب، فإن الملائكة كانوا في نفوسهم من العظمة بحيث قالوا إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.
_________________
(١) = على ربهم، ولم يتبرموا بأحوالهم، وإنما سألوا ربهم، وهم عباد مطيعون، يرضون بما أمرهم الرب ﵎، إذا لم يستجب دعاءهم، ومثال ذلك الآيات في خلق آدم في أول سورة البقرة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ الآيات [البقرة: ٣٠ - ٣٣]. قلت: فلا نرى فيه ما ينهض على تصحيح الحديث، وإليك البيان بإيجاز:
(٢) أما قوله في طريق الدارمي: "وهذا إسناد صحيح لا مغمز فيه وقد أشار الحافظ ابن كثير إلى صحته" ففيه نظر لأمرين: الأول إننا لا نسلم بصحته مع وجود عبد الله بن صالح في طريقه، فإنه وإن كان البخاري أخرج له في "صحيحه" فهو متكلم فيه من قبل حفظه، ولا يتسع هذا التعليق للإفاضة في ذكر أقوال الأئمة فيه، فحسبنا ما ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمته من "التقريب" وهو إنما يذكر فيه عادة خلاصة أقوال الأئمة فيمن يترجمه، قال: "صدوق، كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة". الثاني: إننا لا نسلم أيضا أن ابن كثير أشار إلى صحة الحديث، ذلك لأن غاية ما قال فيه: "وهو واضح" وهذا القول لا يفيد تصحيحا مطلقا للحديث، بل تصحيحا نسبيا، وهو لا ينافي ضعفه كما في قول الترمذي في كثير من الأحاديث: "وهو أصح شيء في الباب" فهذا لا يؤخذ منه صحة الحديث كما هو مقرر في "المصطلح" فكذلك قول الحافظ ابن كثير هنا، والله أعلم.
(٣) حديث عبد الله بن أحمد بسنده عن الأنصاري، فلا شك في عدالة رواته باستثناء الأنصاري، وإنما البحث في كون الأنصاري إنما هو أنس بن مالك ﵁، لأنه إن كان =
[ ٣٠٧ ]
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]. قال الآخرون: قد يذكر "العالمون"، ولا يقصد به العموم المطلق، بل في كل مكان بحسبه، كما في قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠]. ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥]. ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٢٢]. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧]. والبرية: مشتقة من البرء، بمعنى الخلق، فثبت أن صالحي البشر خير الخلق. قال الآخرون: إنما صاروا خير البرية لكونهم آمنوا وعملوا الصالحات،
_________________
(١) = هو فالحديث متصل الإسناد، صحيح كما قال الشيخ أحمد، لكن استئناسه على ذلك برواية ابن عساكر التي نقلها عن تفسير ابن كثير، مما لا يصلح له؛ لأن ابن عساكر أورده "١٥/ ٦٦/ ١ - ٢" من طريق محمد بن أيوب بن الحسن الصديلاني وفي ترجمته ساق الحديث، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، ودونه جماعة لم أجد من ترجمهم، فمثل هذا الإسناد الواهي، لا يترجح كون الأنصاري هو أنس، على أنني قد وقفت له في ابن عساكر على طريق أخرى ضعيفة أيضا، سمى فيه الصحابي عبد الله جابر الأنصاري، أخرجه "٩/ ٤٠٧/ ٢" من طريق هشام بن عمار، نا عبد ربه بن صالح القرشي قال: سمعت عروة بن رويم يحدث عن جابر بن عبد الله الأنصاري مرفوعا به، والقرشي هذا لم أجد له ترجمة وهشام بن عمار وإن أخرج له البخاري فهو متكلم فيه أيضا قال الحافظ في "التقريب": صدوق، مقرئ، كبر فصار يتلقن، وجملة القول أن حديث ابن رويم هذا ضعيف لجهالة الأنصاري واضطراب الروايتين الأخيرتين في تعيينه، فأولاهما تقول أنه أنس، والأخرى تقول: أنه جابر، ولا يصلح عندي تقويته بحديث عبد الله بن صالح لاحتمال أنه مما أدخل عليه، قال ابن حبان: "كان في نفسه صدوقا، إنما وقعت المناكير في حديثه من قبل جار له، كان بينه وبينه عداوة، كان يضع الحديث على شيخ أبي صالح ويكتبه بخط يشبه عبد الله، ويرميه في داره بين كتبه، فيتوهم عبد الله أنه خطه فيحدث به! ". هذا، ويحتمل أن يكون أصل الحديث من الإسرائيليات التي كان يحدث بها بعض الذين أسلموا من أهل الكتاب، ثم أخطأ بعض الرواة فرفعه إلى النبي ﷺ كما صنعوا بقصة هاروت وماروت. والله أعلم.
[ ٣٠٨ ]
والملائكة في هذا الوصف أكمل، فإنهم لا يسأمون ولا يفترون، فلا يلزم أن يكونوا خيرا من الملائكة، هذا على قراءة من قرأ "البريئة"، بالهمز وعلى قراءة من قرأ بالياء، إن قلنا: إنها مخففة من الهمزة، وإن قلنا: إنها نسبة إلى البرى وهو التراب، كما قاله الفراء فيما نقله عنه الجوهري في "الصحاح"؛ يكون المعنى: أنهم خير من خلق من التراب، فلا عموم فيها، إذ الغير من خلق من التراب. قال الأولون: إنما تكلمنا في [تفضيل] صالحي البشر إذا كملوا، ووصلوا إلى غايتهم وأقصى نهايتهم، وذلك إنما يكون إذا دخلوا الجنة، ونالوا الزلفى، وسكنوا الدرجات العلى، وحباهم الرحمن بمزيد قربه، وتجلى لهم ليستمتعوا بالنظر إلى وجهه الكريم. وقال الآخرون: الشأن في أنهم هل صاروا إلى حالة يفوقون فيها الملائكة أو يساوونهم فيها؟ فإن كان قد ثبت لهم أنهم يصيرون إلى حال يفوقون فيها الملائكة سلم المدعى، وإلا فلا.
ومما استدل به على تفضيل الملائكة على البشر: قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]. وقد ثبت من طريق اللغة أن مثل هذا الكلام يدل على أن المعطوف أفضل من المعطوف عليه؛ لأنه لا يجوز أن يقال: لن يستنكف الوزير أن يكون خادما للملك، ولا الشرطي أو الحارس! وإنما يقال: لن يستنكف الشرطي أن يكون خادما للملك [ولا] الوزير. ففي مثل هذا التركيب يترقى من الأدنى إلى الأعلى، فإذا ثبت تفضيلهم على عيسى ﵇ ثبت في حق غيره، إذ (^١) لم يقل أحد إنهم أفضل من بعض الأنبياء دون بعض، أجاب الآخرون بأجوبة، أحسنها، أو من أحسنها: أنه لا نزاع في فضل قوة الملك وقدرته وشدته وعظم خلقه، وفي العبودية خضوع وذل وانقياد، وعيسى ﵇ لا يستنكف عنها ولا من هو أقدر منه وأقوى وأعظم خلقا، ولا يلزم من مثل هذا التركيب الأفضلية المطلقة من كل وجه.
ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]. ومثل هذا يقال بمعنى: إني لو قلت ذلك
_________________
(١) في الأصل: إذا.
[ ٣٠٩ ]
لادعيت فوق منزلتي، ولست ممن يدعي ذلك. أجاب الآخرون: إن الكفار كانوا قد قالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧]. فأمر أن يقول لهم: إني بشر مثلكم أحتاج الى ما يحتاج إليه البشر من الاكتساب والأكل والشرب، لست من الملائكة الذين لم يجعل الله لهم حاجة إلى الطعام والشراب، فلا يلزم حينئذ الأفضلية المطلقة.
ومنه ما روى مسلم بإسناده، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير" (^١). ومعلوم أن قوة البشر لا تداني قوة الملك ولا تقاربها. قال الآخرون. [الظاهر] أن المراد المؤمن من البشر -والله أعلم- فلا تدخل الملائكة في هذا العموم.
ومنه ما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال فيما يروي عن ربه ﷿، قال: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم" (^٢)، الحديث. وهذا نص في الأفضلية. قال الآخرون: يحتمل أن يكون المراد خيرا منه للمذكور لا الخيرية المطلقة.
ومنه ما رواه إمام الأئمة محمد بن خزيمة، بسنده في كتاب التوحيد عن أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "بينا أنا جالس إذ جاء جبرائيل، فوكز بين كتفي، فقمت إلى شجرة مثل وكري الطير، فقعد في إحداها، وقعدت في الأخرى، فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين، وأنا أقلب بصري، ولو شئت أن أمس السماء مسست، فنظرت إلى جبرائيل كأنه حلس لاطئ، فعرفت فضل علمه بالله [عليّ] " (^٣)، الحديث. قال الآخرون: في سنده [مقال] فلا نسلم الاحتجاج به إلا بعد ثبوته.
_________________
(١) وهو طرف حديث عند مسلم "٨/ ٥٦" وهو مخرج في "ظلال الجنة" "٣٥٦".
(٢) صحيح، لإخراج الشيخين له، وهو مخرج في "الصحيحة" تحت الحديث "٢٢٨٧".
(٣) ضعيف، فيه الحارث بن عبيد الأيادي وهو ضعيف لسوء حفظه، وقول الشيخ أحمد =
[ ٣١٠ ]
وحاصل الكلام: أن هذه المسألة من فضول المسائل، ولهذا لم يتعرض لها كثير من أهل الأصول، وتوقف أبو حنيفة ﵁ في الجواب عنها، كما تقدم. والله أعلم بالصواب.
وأما الأنبياء والمرسلون، فعلينا الإيمان بمن سمى الله تعالى في كتابه من رسله، والإيمان بأن الله تعالى أرسل رسلا سواهم وأنبياء، لا يعلم أسماءهم وعددهم إلا الله تعالى الذي أرسلهم. فعلينا الإيمان بهم جملة لأنه لم يأت في عددهم نص، وقد قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]. وعلينا الإيمان بأنهم بلغوا جميع ما أرسلوا به على ما أمرهم الله به، وأنهم بينوه (^١) بيانا لا يسع أحدا ممن أرسلوا إليه جهله، ولا يحل خلافه. قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينِ﴾ [النحل: ٨٢]. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢]. [﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾] ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]. ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢].
وأما أولو العزم من الرسل. فقد قيل فيهم أقوال أحسنها: ما نقله البغوي وغيره عن ابن عباس وقتادة: أنهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ومحمد، صلوات
_________________
(١) = شاكر: "تكلم فيه بغير حجة، والراجح توثيقه" مردود، فقد قال فيه الإمام أحمد: مضطرب الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن حبان: كان ممن كثر وهمه حتى خرج عن جملة من يحتج بهم إذا انفردوا. ومن المقرر في "المصطلح" أن الجرح المفسر مقدم على التعديل، وقد تبين من هذه الكلمات أن ضعفه بسبب وهمه، ومن الغريب أنه ليس هناك نقل عن إمام في توثيقه، وأحسن ما قيل فيه قول النسائي: "صالح" أفمثل هذا يرد نصوص الأئمة الجارحة؟! ثم وجدت للحديث علة أخرى، وهي المخالفة والإرسال، أشار إلى ذلك البيهقي في "شعب الإيمان" "١/ ١٠٩ - هندية"، ولا يتسع المجال لبيان ذلك هنا، فإلى "الضعيفة" "٥٤٤٤".
(٢) في الأصل: بينوا.
[ ٣١١ ]
الله وسلامه عليهم. قال: وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]. وفي قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣].
وأما الإيمان بمحمد ﷺ، فتصديقه واتباع ما جاء به من الشرائع إجمالا وتفصيلا.
وأما الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين، فنؤمن بما سمى الله تعالى منها في كتابه، من التوراة والإنجيل والزبور، ونؤمن بأن لله تعالى سوى ذلك كتبا أنزلها على أنبيائه، لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله [تعالى].
وأما الإيمان بالقرآن، فالإقرار به، [و] اتباع ما فيه، وذلك أمر زائد على الإيمان بغيره من الكتب، فعلينا الإيمان بأن الكتب المنزلة على رسل الله أتتهم (^١) من عند الله، وأنها حق وهدى ونور وبيان وشفاء. قال تعالى: ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]. إلى قوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٣٦]. ﴿الم، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١، ٢]. إلى قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٢]. ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تكلم بها، وأنها نزلت من عنده، وفي ذلك إثبات صفة الكلام والعلو، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٢١٣]. ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [حم السجدة: ٤٢]. ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]. ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [حم السجدة: ٤٤]. ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨]. وأمثال ذلك في القرآن كثيرة.
_________________
(١) في الأصل: آيتهم.
[ ٣١٢ ]