قوله: "وإن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى".
ش: الاصطفاء والاجتباء والارتضاء: متقارب المعنى. واعلم أن كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله تعالى. وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته ومن توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه، وأن الخروج عنها أكمل، فهو [من] أجهل الخلق وأضلهم، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٢٦]، إلى غير ذلك من الآيات. وذكر الله نبيه ﷺ باسم العبد في أشرف المقامات، فقال في ذكر الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [سورة الإسراء: ١]. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [سورة الجن: ١٩]. وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [سورة النجم: ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [سورة البقرة: ٢٣]. وبذلك استحق التقديم على الناس في الدنيا والآخرة. ولذلك يقول المسيح ﵇ يوم القيامة، إذا طلبوا منه الشفاعة بعد الأنبياء ﵈: "اذهبوا إلى محمد، عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" (^١). فحصلت له تلك المرتبة بتكميل عبوديته لله تعالى.
_________________
(١) متفق عليه وهو قطعة من حديث سيأتي بطوله في الكتاب.
[ ١٤٩ ]
وقوله: "وإن محمدا" بكسر الهمزة، عطفا على قوله: "إن الله واحد لا شريك له". لأن الكل معمول القول، أعني: قوله "نقول في توحيد الله".
والطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر، تقرير نبوة الأنبياء بالمعجزات، لكن كثيرا منهم لا يعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات، وقرروا (^١) ذلك بطرق مضطربة، والتزم كثير منهم إنكار خرق العادات لغير الأنبياء، حتى أنكروا كرامات الأولياء والسحر، ونحو ذلك.
ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح، لكن الدليل غير محصور في المعجزات، فإن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما، وتعرف بهما والتمييز (^٢) بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوة النبوة؟ وما أحسن ما قال حسان ﵁:
لو لم يكن فيه آيات مبينة … كانت بديهته تأتيك بالخبر
وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز، فإن الرسول لا بد أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور، ولا بد أن يفعل أمورا [يبين بها صدقه]. والكاذب يظهر في نفس ما يأمر به ويخبر عنه وما يفعله ما يبين به كذبه من وجوه كثيرة. والصادق ضده، بل كل شخصين ادعيا أمرا: أحدهما صادق والآخر كاذب لا بد أن يظهر صدق هذا وكذب هذا ولو بعد مدة، إذ الصدق مستلزم للبر، والكذب مستلزم للفجور، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، [وإن] البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق [ويتحرى الصدق]، ح تى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال
_________________
(١) في المطبوعة: وقد روي. وهو خطأ.
(٢) في الأصل: التميز.
[ ١٥٠ ]
الرجل يكذب ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذابا" (^١). ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ، يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ، وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٦]. فالكهان ونحوهم، وإن كانوا أحيانا يخبرون بشيء من المغيبات، ويكون صدقا، فمعهم من الكذب والفجور ما يبين (^٢) أن الذي يخبرون به ليس عن ملك، وليسوا بأنبياء (^٣)، ولهذا لما قال النبي ﷺ لابن صياد: "قد خبأت لك خبأ"، فقال: [هو] الدخ"، قال له النبي ﷺ: "اخسأ، فلن تعدو قدرك" (^٤) يعني: إنما أنت كاهن. وقد قال للنبي ﷺ: "يأتيني صادق وكاذب" (^٥). وقال: "أرى عرشا على الماء" (^٦)، وذلك هو عرش الشيطان وبين أن الشعراء يتبعهم الغاوون، والغاوي: الذي يتبع هواه وشهوته، وإن كان ذلك مضرا له في العاقبة.
_________________
(١) قال الشيخ أحمد شاكر: الزيادتان ثابتتان في رواية مسلم ٢: ٢٢٨٩، وكان في المطبوعة "ولا يزال" في الموضعين، وأثبتنا ما في مسلم أيضا؛ لأن الرواية التي نقلها المؤلف أقرب الألفاظ إلى رواية مسلم، من طريق وكيع وأبي معاوية، كلاهما عن الأعمش، وكذلك رواه أحمد ٤١٠٨، عن وكيع وأبي معاوية بنحوه، وقد تساهل المؤلف في نسبة الحديث بهذا اللفظ للصحيحين؛ لأن البخاري إنما روى بعضه بنحو معناه مختصرا من طريق آخر، ولعله تبع في ذلك المنذري في الترغيب والترهيب ٤: ٢٦ - ٢٧، فقد تساهل أيضا ونسبه للبخاري. انظر فتح الباري ١٠: ٤٢٢ - ٤٢٣. قال ناصر الدين: صحيح، وهو في "الأدب" من صحيح البخاري مختصرا، كما ذكر الشيخ شاكر رحمه الله تعالى، لكنه في "الأدب المفرد" له رقم "٣٨٦" أتم منه.
(٢) في الأصل: بين.
(٣) الجملة في الأصل: يخبرونه وليس عن ملك وامسوا بأنبياء.
(٤) صحيح، وهو من حديث ابن عمر أخرجاه في الصحيحين.
(٥) صحيح، وهو قطعة من حديث ابن عمر، الذي قبله.
(٦) صحيح، أخرجه مسلم "٨/ ١٩٠" من حديث أبي سعيد الخدري، وفيه أن النبي ﷺ قال له: "ترى عرش إبليس على البحر".
[ ١٥١ ]
فمن عرف الرسول وصدقه ووفاءه ومطابقة قوله لعمله (^١)، علم علما يقينا أنه ليس بشاعر ولا كاهن.
والناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة، حتى في المدعي للصناعات والمقالات، كمن يدعي الفلاحة والنساجة والكتابة، وعلم النحو والطب والفقه وغير ذلك، والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لا بد أن يتصف الرسول بها، وهي أشرف العلوم وأشرف الأعمال، فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب؟ ولا ريب أن المحققين على أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة، قد يقترن به من القرائن ما يحصل معه العلم ضروري، كما يعرف الرجل رضى الرجل وحبه [وبغضه] وفرحه وحزنه وغير ذلك مما في نفسه، بأمور تظهر على وجهه، قد لا يمكن التعبير عنها، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [سورة محمد: ٣٠] ثم قال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [سورة محمد: ٣٠]. وقد قيل: ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفات وجهه وفلتات لسانه. فإذا كان صدق المخبر وكذبه يعلم بما يقترن من القرائن، فكيف بدعوى المدعي أنه رسول الله، كيف يخفى صدق هذا من كذبه؟ وكيف لا يتميز الصادق في ذلك من الكاذب بوجوه من الأدلة؟
ولهذا لما كانت خديجة ﵂ تعلم من النبي ﷺ أنه الصادق البار، قال لها لما جاءه الوحي: "إني قد خشيت على نفسي" (^٢)، فقالت: كلا والله لا يخزيك الله، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب
_________________
(١) في الأصل: العلم والتصحيح من مطبوعة دار المعارف.
(٢) صحيح، وهو قطعة من حديث بدء الوحي الطويل في أول "صحيح البخاري" "رقم ٣ مختصر البخاري طبع المكتب الإسلامي"، وكان في الأصل وفي مطبوعة مكة "على عقلي"! وقد قال الشيخ أحمد شاكر في ذلك: "هو خطأ فاحش، لعله من الناسخ، بل هو كلام غير معقول، وحاشا رسول الله ﷺ أن يقول هذا، بل إن بعض العلماء فسر خشيته على نفسه، في هذا الحديث، بأنه خشي الجنون! واستنكره الحافظ في الفتح ١: ٢٣، قال: "وأبطله أبو بكر بن العربي، وحق له أن يبطل. ا. هـ".
[ ١٥٢ ]
الحق (^١). فهو لم يخف من تعمد الكذب، فهو يعلم من نفسه ﷺ أنه لم يكذب، وإنما خاف أن يكون [قد] عرض له عارض سوء، وهو المقام الثاني، فذكرت خديجة ما ينفي هذا، وهو ما كان مجبولا عليه من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وقد علم من سنة الله أن من جبله على الأخلاق المحمودة ونزهه عن الأخلاق المذمومة، فإنه لا يخزيه.
وكذلك قال النجاشي لما استخبرهم عما يخبر به واستقرأهم القرآن فقرءوا عليه: "إن هذا والذي جاء به موسى ﵇ ليخرج من مشكاة واحدة" (^٢). وكذلك ورقة ابن نوفل، لما أخبره النبي ﷺ بما رآه، وكان ورقة [قد] تنصر، وكان يكتب الإنجيل بالعربية، فقالت له خديجة: "أي عم! اسمع من ابن أخيك ما يقول، فأخبره النبي ﷺ بما رأى فقال: هذا [هو] الناموس الذي كان يأتي موسى" (^٣).
وكذلك هرقل ملك الروم، فإن النبي ﷺ لما كتب إليه كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، طلب من كان هناك من العرب، وكان أبو سفيان قد قدم في طائفة من قريش في تجارة إلى الشام، وسألهم عن أحوال النبي ﷺ، فسأل أبا سفيان، وأمر الباقين إن كذب أن يكذبوه، فصاروا بسكوتهم موافقين له في الأخبار، سألهم: هل كان في آبائه من ملك؟ فقالوا: لا، قال: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فقالوا: لا، وسألهم: أهو ذو نسب فيكم؟ فقالوا: نعم، وسألهم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقالوا: لا، ما جربنا عليه كذبا، وسألهم: هل اتبعه ضعفاء الناس أم أشرافهم؟ فذكروا أن الضعفاء اتبعوه؟ وسألهم: هل يزيدون أم ينقصون؟ فذكروا أنهم يزيدون، وسألهم: هل يرجع
_________________
(١) أخرجه البخاري من حديث عائشة، وهو طرف من الحديث الذي قبله.
(٢) حسن، وهو طرف من حديث أم سلمة في هجرتها إلى الحبشة الهجرة الأولى. أخرجه ابن إسحاق في "السيرة" "١/ ٣٥٧ - ٣٦٣ ابن هشام" وعنه أحمد "١/ ٢٠١ - ٢٠٣"، وسنده حسن.
(٣) أخرجه البخاري، وهو من تمام حديث عائشة الذي قبله.
[ ١٥٣ ]
أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ فقالوا: لا، وسألهم: هل قاتلتموه؟ قالوا: نعم، وسألهم عن الحرب بينهم وبينه؟ فقالوا: يدال علينا مرة وندال عليه أخرى، وسألهم: هل يغدر؟ فذكروا أنه لا يغدر، وسألهم: بماذا يأمركم؟ فقالوا: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. وهذه أكثر من عشر مسائل، ثم بين لهم ما في هذه المسائل من الأدلة، فقال: سألتكم هل كان في آبائه من ملك؟ فقلتم: لا، قلت: لو كان في آبائه [من] ملك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتكم هل قال هذا القول [فيكم] أحد قبله؟ فقلتم: لا، فقلت: لو قال هذا القول أحد [قبله] لقلت: رجل ائتم بقول قيل قبله، وسألتكم هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقلتم: لا، فقلت: قد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله تعالى، وسألتكم أضعفاء الناس يتبعونه أم أشرافهم؟ فقلتم: ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل، يعني في أول أمرهم، ثم قال: وسألتكم هل يزيدون أم ينقصون؟ فقلتم، بل يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتكم هل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ فقلتم: لا، وكذلك الإيمان، إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد (^١).
وهذا من أعظم علامات الصدق والحق، فإن الكذب والباطل لا بد أن ينكشف في آخر الأمر، فيرجع عنه أصحابه، ويمتنع عنه من لم يدخل فيه، والكذب لا يروج إلا قليلا ثم ينكشف.
وسألتكم كيف الحرب بينكم وبينه؟ فقلتم: إنها دول، وكذلك الرسل تبتلى وتكون العاقبة لها، قال: وسألتكم هل يغدر؟ فقلتم: لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وهو لما كان عنده من علمه بعادة الرسل وسنة الله فيهم أنه تارة ينصرهم وتارة يبتليهم وأنهم لا يغدرون علم أن هذه علامات الرسل، وأن سنة الله في الأنبياء
_________________
(١) البخاري من حديث أبي سفيان بطوله، وله عنده تتمة.
[ ١٥٤ ]
والمؤمنين أن يبتليهم بالسراء والضراء، لينالوا درجة الشكر والصبر (^١).
كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "والذي نفسي بيده، لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له" (^٢).
والله تعالى قد بين في القرآن ما في إدالة العدو عليهم يوم أحد من الحكمة فقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، الآيات. وقال تعالى: ﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، الآيات. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على سنته في خلقه وحكمته التي بهرت العقول.
قال: وسألتكم عما يأمر به؟ فذكرتم أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والصلة، وينهكم عما كان يعبد آباؤكم، وهذه صفة نبي، وقد كنت أعلم أن نبيا يبعث، ولم أكن أظنه منكم، ولوددت أني أخلص إليه، ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه، وإن يكن ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، وكان المخاطب بذلك أبو سفيان بن حرب، وهو حينئذ كافر من أشد الناس بغضا وعداوة للنبي ﷺ، قال أبو سفيان بن حرب: فقلت (^٣) لأصحابي ونحن خروج، لقد أمِر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليعظمه ملك بني الأصفر، وما زلت موقنا بأن أمر النبي ﷺ سيظهر، حتى أدخل الله عليّ الإسلام وأنا كاره.
_________________
(١) في الأصل: البصر.
(٢) صحيح مسلم "٨/ ٢٢٧"، وأحمد "٤/ ٣٣٢، ٣٣٣، ٦/ ١٥، ١٦" بلفظ: "عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد … "، الحديث والباقي مثله سواء، وفي رواية لأحمد: بينما رسول الله ﷺ مع أصحابه إذ ضحك فقال: "ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: يا رسول الله ومم تضحك؟ قال: عجبت لأمر المؤمن … " الحديث، وسنده صحيح على شرط مسلم وله شاهد مختصر، خرجته في "الصحيحة" "١٤٧".
(٣) في الأصل: قلت.
[ ١٥٥ ]
ومما ينبغي أن يعرف: أن ما يحصل في القلب بمجموع أمور، قد لا يستقل بعضها به، بل ما يحصل للإنسان من شبع وري (^١) وشكر وفرح وغم فأمور مجتمعة، لا يحصل ببعضها (^٢)، لكن ببعضها قد يحصل بعض الأمر (^٣).
وكذلك العلم بخبر من الأخبار، فإن خبر الواحد يحصل للقلب نوع ظن، ثم الآخر يقويه، إلى أن ينتهي إلى العلم، حتى يتزايد ويقوى، وكذلك الأدلة على الصدق والكذب ونحو ذلك.
وأيضا: فإن الله سبحانه أبقى في العالم الآثار الدالة على ما فعله بأنبيائه والمؤمنين من الكرامة، وما فعله بمكذبيهم من العقوبة، كثبوت الطوفان، وإغراق فرعون وجنوده، ولما ذكر سبحانه قصص الأنبياء نبيا بعد نبي، في سورة الشعراء، كقصة موسى وإبراهيم ونوح ومن بعده، يقول في آخر كل قصة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.
وبالجملة: فالعلم بأنه كان في الأرض من يقول: إنه رسول الله، وأن أقواما اتبعوهم، وأن أقواما خالفوهم، وأن الله نصر الرسل والمؤمنين، وجعل العاقبة لهم، وعاقب أعداءهم، هو من أظهر العلوم المتواترة وأجلاها. ونقل أخبار هذه الأمور أظهر وأوضح من نقل أخبار من مضى من الأمم من ملوك الفرس وعلماء الطب، كبقراط وجالينوس وبطليموس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وأتباعه.
ونحن اليوم إذا علمنا بالتواتر من أحوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم، علمنا يقينا أنهم كانوا صادقين على الحق من وجوه متعددة: منها: أنهم أخبروا الأمم بما سيكون من انتصارهم وخذلان أولئك وبقاء العاقبة لهم. ومنها: ما أحدثه الله لهم من نصرهم وإهلاك عدوهم، إذا عرف الوجه الذي حصل عليه، كغرق فرعون وغرق قوم نوح وبقية أحوالهم، عرف صدق الرسل. ومنها: أن من عرف ما جاءت به الرسل من الشرائع وتفاصيل أحوالها، تبين له أنهم أعلم الخلق، وأنه
_________________
(١) في المطبوعة: شفيع ووزير وهو خطأ، وبهذا تصحح الجملة ويستقيم الكلام.
(٢) في الأصل: بعضها.
(٣) في الأصل: الأمور.
[ ١٥٦ ]
لا يحصل مثل ذلك من كذاب جاهل، وأن فيما جاءوا به من المصلحة والرحمة والهدى والخير ودلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرهم ما يبين أنه لا يصدر إلا عن راحم بر يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق.
ولذكر دلائل نبوة محمد ﷺ من المعجزات وبسطها موضع آخر، وقد أفردها الناس بمصنفات، كالبيهقي وغيره.
بل إنكار رسالته ﷺ طعن في الرب ﵎، ونسبة له إلى الظلم والسفه، تعالى الله عن ذلك (^١) علوا كبيرا، بل جحد للرب بالكلية وإنكار.
وبيان ذلك: أنه إذا كان محمد عندهم ليس بنبي صادق، بل ملك ظالم، فقد تهيأ له أن يفتري على الله ويتقول عليه، ويستمر حتى يحلل (^٢) ويحرم، ويفرض الفرائض، ويشرع الشرائع وينسخ الملل، ويضرب الرقاب، ويقتل أتباع الرسل [وهم] أهل الحق، ويسبي نساءهم ويغنم أموالهم وذراريهم وديارهم، ويتم له ذلك حتى يفتح الأرض، وينسب ذلك كله إلى أمر الله له به ومحبته له، والرب تعالى يشاهده وهو يفعل بأهل الحق، وهو مستمر في الافتراء عليه ثلاثا وعشرين سنة، وهو مع ذلك كله يؤيده وينصره، ويعلي أمره، ويمكن له من أسباب النصر الخارجة عن عادة البشر، وأبلغ من ذلك أنه يجيب دعواته، ويهلك أعداءه، ويرفع له ذكره، هذا وهو عندهم في غاية الكذب والافتراء والظلم، فإنه لا أظلم ممن كذب على الله وأبطل شرائع أنبيائه وبدلها وقتل أولياءه، واستمرت نصرته عليهم دائما، والله تعالى يقره على ذلك، ولا يأخذ منه باليمين، ولا يقطع منه الوتين فيلزمهم أن يقولوا: لا صانع للعالم ولا مدبر، ولو كان له مدبر قدير حكيم، لأخذ على يديه ولقابله أعظم مقابلة، وجعله نكالا للصالحين. إذ لا يليق [بالملوك] غير ذلك، فكيف بملك الملوك وأحكم الحاكمين؟ ولا ريب أن الله [تعالى] قد رفع له ذكره، وأظهر دعوته والشهادة له بالنبوة على رءوس الأشهاد في سائر البلاد، ونحن لا ننكر أن كثيرا من الكذابين قام في الوجود، وظهرت له شوكة، ولكن لم يتم أمره، ولم تطل مدته، بل سلط الله
_________________
(١) في الأصل: ذكر.
(٢) في الأصل: يتحلل.
[ ١٥٧ ]
عليه رسله وأتباعهم، وقطعوا دابره واستأصلوه. هذه سنة الله التي قد خلت من قبل، حتى إن الكفار يعلمون ذلك. قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: (٣٠)، ٣١]. أفلا تراه يخبر أن كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يقر من تقول عليه بعض الأقاويل، لا بد أن يجعله عبرة لعباده كما جرت بذلك سنته في المتقولين (^١) عليه. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤]. وهنا انتهى جواب الشرط، ثم أخبر خبرا جازما غير معلق: أنه يمحو الباطل ويحق الحق. وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام: ٩١]. فأخبر سبحانه أن من نفى عنه الإرسال والكلام لم يقدره حق قدره.
وقد ذكروا فروقا بين النبي والرسول، وأحسنها: أن من نبأه الله بخبر السماء، إن أمره أن يبلغ غيره، فهو نبي رسول، وإن لم يأمره أن يبلغ غيره، فهو نبي وليس برسول، فالرسول أخص من النبي، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا، ولكن الرسالة أعم من جهة نفسها، فالنبوة جزء من الرسالة، إذ الرسالة تتناول النبوة وغيرها، بخلاف الرسل، فإنهم لا يتناولون الأنبياء وغيرهم، بل الأمر بالعكس، فالرسالة أعم من جهة نفسها، وأخص من جهة أهلها.
وإرسال الرسل من أعظم نعم الله على خلقه، وخصوصا محمد ﷺ، كما قال [تعالى]: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة آل عمران: ١٦٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ١٠٧].
قوله: "وإنه خاتم الأنبياء".
ش: قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [سورة الأحزاب: ٤٠]. وقال ﷺ: "مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بناؤه، وترك منه موضع لبنة، فطاف
_________________
(١) في الأصل: المقتولين.
[ ١٥٨ ]
به النظار يتعجبون من حسن بنائه، إلا موضع تلك اللبنة، لا يعيبون سواها، فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة ختم بي البنيان وختم بي الرسل" (^١)، أخرجاه في الصحيحين. وقال ﷺ: "إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي، يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر، الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي" (^٢)، [وفي صحيح مسلم عن ثوبان، قال: قال رسول الله: "وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي]، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي" (^٣)، الحديث. ولمسلم: أن رسول الله ﷺ قال: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأرسلت [إلى] الخلق كافة، وختم بي النبيون" (^٤).
قوله: "وإمام الأتقياء".
ش: هو ﷺ، الإمام الذي يؤتم به، أي: يقتدون به. والنبي ﷺ إنما بعث للاقتداء به، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. وكل من اتبعه واقتدى به فهو من الأتقياء.
قوله: "وسيد المرسلين".
ش: قال ﷺ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر،
_________________
(١) صحيح، غير أن عزوه بهذا اللفظ للصحيحين وهمٌ، وإنما هو عند ابن عساكر في "تاريخ دمشق" من حديث أبي هريرة كما في "الجامع الكبير" للسيوطي "٢/ ٢٠٣ /١"، وأخرجه الشيخان عنه وعن جابر نحوه، وكذا رواه أحمد "٢/ ٢٤٤، ٢٥٦، ٣١٢، ٣٩٨، ٤١٢، ٣/ ٣٦١"، ورواه أيضًا "٣/ ٩" عن أبي سعيد الخدري.
(٢) أخرجه الشيخان من حديث جبير بن مطعم.
(٣) وأخرجه أبو داود أيضًا وأحمد وغيرهما.
(٤) صحيح، وهو من حديث أبي هريرة وأخرجه الترمذي أيضًا "١/ ٢٩٣"، وقال: "حديث حسن صحيح"، وأحمد "٢/ ٤١٢"، وله عنده طرق بألفاظ أخرى، وهو مخرج في "الإرواء" "٢٨٥".
[ ١٥٩ ]
وأول شافع، وأول مشفع" (^١). رواه مسلم. وفي أول حديث الشفاعة: "أنا سيد الناس يوم القيامة" (^٢) [و] روى مسلم والترمذي عن واثلة بن الأسقع ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "أن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم" (^٣).
فإن قيل: يشكل على هذا قوله ﷺ: "لا تفضلوني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشا بساق العرش، فلا أدري هل أفاق قبلي، أو كان ممن استثنى الله؟ " (^٤)، خرجاه في الصحيحين، فكيف يجمع بين هذا وبين قوله: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" (^٥).
_________________
(١) مسلم "٧/ ٥٩"، وكذا أبو داود "٣/ ٤٦٧"، وابن سعد في "الطبقات" "١/ ٢٠"، وأحمد "٢/ ٥٤٠" من حديث أبي هريرة. وله شواهد كثيرة، خرجت بعضها في "ظلال الجنة" "٧٩٢ - ٧٩٦".
(٢) مسلم "١/ ١٢٧"، وكذا البخاري "٢/ ٣٣٤، ٣/ ٢٧٢"، وأحمد "٢/ ٤٣٥" من حديث أبي هريرة أيضا، والدارمي "١/ ٢٧ - ٢٨"، وأحمد "٣/ ١٤٤" بسند صحيح عن أنس، وزاد: "ولا فخر" والترمذي عن أبي سعيد وسيأتي.
(٣) وقال الترمذي "٢/ ٢٨١": "حديث حسن صحيح" واللفظ لمسلم ولفظ الترمذي أتم، لكن فيه من هو كثير الغلط، كما بينته في "الصحيحة" "٣٠٢".
(٤) البخاري في "الخصومات" "٢/ ٨٩" و"الأنبياء" "١٢/ ٣٥٩" و"الرقاق" "٤/ ٢٣٤" و"التوحيد" "٤/ ٤٧٤"، ومسلم في "الفضائل" "٧/ ١٠١" وكذا أحمد "٢/ ٢٦٤" من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: "لا تخيروني"، وأما لفظ: "لا تفضلوني" فإنما هو عند الشيخين من طريق الأعرج عنه في سياق آخر يأتي بعد حديث. وفي حديث أبي سلمة: "فإذا موسى باطش بجانب العرش"، وقال الأعرج: "فإذا موسى آخذ بالعرش"، ورواية أحمد من طريق الأعرج وأبي سلمة معا: "فأجد موسى ممسكا بجانب العرش".
(٥) صحيح، أخرجه الترمذي "٢/ ٢٨٢"، وابن ماجه "٤٣٠٨"، وأحمد "٣/ ٢" من حديث أبي سعيد الخدري، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح" ورواه أحمد "١/ ٢٨١، ٢٩٥" من هذا الوجه عن ابن عباس، وله شاهد من حديث أبي هريرة بلفظ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة". أخرجه مسلم "٧/ ٥٩" وأبو داود "٤٦٧٣" وابن سعد "١/ ٢٠" وهو في الصحيحين نحوه، وتقدم قريبا، وذكرنا له هنا شاهد آخر، وله في "الصحيحة" "١٥٧١" شاهد ثالث عن سلمان.
[ ١٦٠ ]
فالجواب: أن هذا كان له سبب، فإنه كان قد قال يهودي: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فلطمه مسلم، وقال: أتقول هذا ورسول الله ﷺ بين أظهرنا؟ فجاء اليهودي فاشتكى من المسلم الذي لطمه، فقال النبي ﷺ هذا؛ لأن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس كان مذموما، بل نفس الجهاد إذا قاتل الرجل حمية وعصبية كان مذموما، فإن الله حرم الفخر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [سورة الإسراء: ٥٥]. وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٣]. فعلم أن المذموم إنما هو التفضيل على وجه الفخر، أو على وجه الانتقاص بالمفضول. وعلى هذا يحمل أيضا قوله ﷺ: "لا تفضلوا بين الأنبياء" (^١)، إن كان ثابتا، فإن هذا قد روي في نفس حديث موسى، وهو في
_________________
(١) صحيح، وهو رواية من حديث أبي هريرة المتقدم من طريق عبد الرحمن الأعرج عنه قال: "بينما يهودي يعرض سلعة له أعطى بها شيئا كرهه أو لم يرضه، قال: لا والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر، فسمعه رجل من الأنصار، فلطم وجهه، قال: تقول: والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا؟! قال: فذهب اليهودي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا أبا القاسم إن لي ذمة وعهدا، وقال: فلان لطم وجهي، فقال رسول الله ﷺ: لم لطمت وجهه؟ قال: قال يا رسول الله: والذي اصطفى موسى ﵇ على البشر وأنت بين أظهرنا، قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى عرف الغضب في وجهه، ثم قال: "لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض، إلا من شاء الله، قال: ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث، أو في أول من بعث، فإذا موسى ﵇ آخذ بالعرش، فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور، أو بعث قبلي، ولا أقول: إن أحد أفضل من يونس بن متى ﵇". أخرجه البخاري "٢/ ٣٦٠ - ٣٦١"، ومسلم "٧/ ١٠٠ - ١٠١" وقد غمز الشارح من صحته، ولا أعلم له علة، ولم يتكلم عليه الحافظ في "الفتح" "٦/ ٣١٨"، وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا بلفظ: "لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون … " الحديث نحوه، أخرجه البخاري "٢/ ٨٩"، ومسلم "٧/ ١٠٢" وأحمد "٣/ ٣٣"، وروى أبو داود "٤٦٦٨" الجملة الأولى منه، وهي رواية لأحمد "٣/ ٣١".
[ ١٦١ ]
البخاري وغيره. لكن بعض الناس يقول: إن فيه علة، بخلاف حديث موسى، فإنه صحيح لا علة فيه باتفاقهم.
وقد أجاب بعضهم بجواب آخر، وهو: أن قوله ﷺ: "لا تفضلوني على موسى" (^١)، وقوله: "لا تفضلوا بين الأنبياء" نهي عن التفضيل الخاص، أي: لا يفضل بعض الرسل على بعض بعينه، بخلاف قوله: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" (^٢) فإنه تفضيل عام فلا يمنع منه. وهذا كما لو قيل: فلان أفضل أهل البلد، لا ينصب على أفرادهم، بخلاف ما لو قيل لأحدهم: فلان أفضل منك. ثم إني رأيت الطحاوي ﵀ قد أجاب بهذا الجواب في "شرح معاني الآثار".
وأما ما يروى أن النبي ﷺ قال: "لا تفضلوني على يونس [بن متي] " (^٣)، وأن بعض الشيوخ قال: لا يفسر لهم هذا الحديث حتى يعطى مالا جزيلا، فلما أعطوه فسره بأن قرب يونس من الله وهو في بطن الحوت كقربي من الله ليلة المعراج وعدوا هذا تفسيرا عظيما، وهذا يدل على جهلهم بكلام الله وبكلام رسوله لفظا ومعنى، فإن هذا الحديث بهذا اللفظ لم يروه أحد من أهل الكتب التي يعتمد عليها، وإنما اللفظ الذي في الصحيح: "لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس ابن متي" (^٤). وفي رواية: "من قال: إني خير من يونس بن متى فقد كذب". وهذا اللفظ يدل على العموم، "لا ينبغي لأحد أن يفضل نفسه على يونس بن متى"، ليس فيه نهي المسلمين أن يفضلوا محمدا على يونس، وذلك لأن الله تعالى قد أخبر عنه أنه التقمه الحوت وهو مليم، أي: فاعل ما يلام عليه. وقال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ٨٧]. فقد يقع في نفس بعض
_________________
(١) صحيح، وتقدم قريبا.
(٢) صحيح، وتقدم قريبا.
(٣) لا أعرف له أصلا بهذا اللفظ، وتقدم قريبا في حديث أبي هريرة: "ولا أقول: إن أحدا أفضل من يونس بن متى".
(٤) مسلم وأحمد وغيرهما ولفظه عند مسلم "٢٣٧٦": "قال: يعني الله ﵎: لا ينبغي لعبد لي". وفي لفظ: "لعبدي". والرواية الأخرى للبخاري في "التفسير".
[ ١٦٢ ]
الناس أنه أكمل من يونس، فلا يحتاج إلى هذا المقام، إذ لا يفعل ما يلام عليه، ومن ظن هذا فقد كذب، بل كل عبد من عباد الله يقول ما قال يونس: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، كما قال أول الأنبياء وآخرهم، فأولهم آدم، قد قال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٣]. وآخرهم وأفضلهم وسيدهم: محمد ﷺ، قال في الحديث الصحيح، حديث الاستفتاح، من رواية علي بن أبي طالب ﵁ وغيره، بعد قوله: وجهت وجهي آخره: "اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، لا يغفر الذنوب إلا أنت" (^١)، إلى آخر الحديث، وكذا قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة القصص: ١٦]. وأيضا فيونس ﷺ لما قيل فيه: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [سورة القلم: ٤٨]، فنهى نبينا ﷺ عن التشبه به، وأمره بالتشبه بأولي العزم حيث قيل له: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [سورة الأحقاف: ٣٥]، فقد يقول من يقول: "أنا خير من يونس"، للأفضل أن يفخر على من دونه، فكيف إذا لم يكن أفضل، فإن الله لا يحب كل مختال فخور، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: "أوحي إليَّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد" (^٢). [فالله تعالى نهى أن يفخر على عموم المؤمنين]، فكيف على نبي كريم؟ فلهذا قال: "لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى". فهذا نهي عام لكل أحد أن يتفضل ويفتخر على يونس. وقوله: من قال إني خير من يونس بن متى فقد كذب، فإنه لو قدر أنه كان أفضل، فهذا الكلام يصير نقصا، فيكون كاذبا، وهذا لا يقوله نبي كريم، بل هو تقدير مطلق، أي: من قال هذا
_________________
(١) مسلم وأحمد وغيرهما من حديث علي ﵁، وهو قطعة من دعاء التوجه بعد الإحرام، وهو مخرج في "صفة الصلاة" "ص ٨٥ الطبعة السادسة".
(٢) مسلم "٨/ ١٦٠" من حديث عياض بن حمار، وله شاهد من حديث أنس، وقد خرجتهما في "الصحيحة" "٥٧٠".
[ ١٦٣ ]
فهو كاذب، وإن كان لا يقوله نبي، كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [سورة الزمر: ٦٥]، وإن كان ﷺ معصوما من الشرك، لكن الوعد والوعيد لبيان مقادير الأعمال.
وإنما أخبر ﷺ أنه سيد ولد آدم؛ لأنا لا يمكننا أن نعلم ذلك إلا بخبره، إذ لا نبي بعده يخبرنا بعظيم قدره عند الله، كما أخبرنا هو بفضائل الأنبياء قبله، صلى الله عليهم وسلم أجمعين، ولهذا أتبعه بقوله ولا فخر، كما جاء في رواية. وهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر: إن مقام الذي أسري به إلى ربه وهو مقرب معظم مكرم كمقام الذي ألقي في بطن الحوت وهو مليم؟! وأين المعظم المقرب من الممتحن المؤدب؟! فهذا في غاية التقريب، وهذا في غاية التأديب. فانظر إلى هذا الاستدلال؛ لأنه بهذا المعنى المحرف اللفظ لم يقله الرسول، وهل يقاوم هذا الدليل على نفي علو الله تعالى عن خلقه الأدلة الصحيحة الصريحة القطعية على علو الله تعالى على خلقه، التي تزيد على ألف دليل، كما يأتي الإشارة إليها عند قول الشيخ ﵀ "محيط بكل شيء وفوقه"، إن شاء الله تعالى.
قوله: "وحبيب رب العالمين".
ش: ثبت له ﷺ أعلى مراتب المحبة، وهي الخلة، كما صح عنه ﷺ أنه قال: "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا" (^١). وقال: "ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن" (^٢). والحديثان في الصحيح وهما يبطلان قول من قال: الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد، فإبراهيم خليل الله ومحمد حبيبه. وفي الصحيح أيضا: "إني أبرأ الى كل خليل من خلته (^٣). والمحبة قد ثبتت لغيره. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ
_________________
(١) مسلم وأبو عوانة من حديث جندب، وهو طرف منه مخرج في "أحكام الجنائز" "٢١٧".
(٢) مسلم من حديث عبد الله بن مسعود، بلفظ "خليل الله"، وكذا رواه الترمذي "٢/ ٢٨٩" وصححه وابن أبي عاصم في "السنة" ١٢٢٦".
(٣) هو من حديث ابن مسعود الذي قبله.
[ ١٦٤ ]
الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٢]. فبطل قول من خص الخلة بإبراهيم والمحبة بمحمد، بل الخلة خاصة بهما، والمحبة عامة، وحديث ابن عباس ﵄ الذي رواه الترمذي الذي فيه: "إن إبراهيم خليل الله، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر" (^١) لم يثبت.
والمحبة مراتب: أولها: العلاقة، وهي تعلق القلب بالمحبوب. والثانية: الإرادة، وهي ميل القلب إلى محبوبه وطلبه له. الثالثة: الصبابة، وهي انصباب القلب إليه بحيث لا يملكه صاحبه، كانصباب الماء في الحدور. الرابعة: الغرام، وهي الحب اللازم للقلب، ومنه الغريم، لملازمته، ومنه: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [سورة الفرقان: ٦٥]. الخامسة: المودة، والود، وهي صفو المحبة وخالصها ولبها، قال تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [سورة مريم: ٩٦]. السادسة: الشغف، وهي وصول المحبة إلى شغاف القلب. السابعة: العشق: وهو الحب المفرط الذي يخاف على صاحبه منه، ولكن لا يوصف به الرب تعالى ولا العبد في محبة ربه، وإن كان قد أطلقه بعضهم، واختلف في سبب المنع، فقيل: عدم التوقيف، وقيل غير ذلك. ولعل امتناع إطلاقه أن العشق محبة مع شهوة. الثامنة: التيم، وهو بمعنى التعبد. التاسعة: التعبد. العاشرة: الخلة، وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه. وقيل في ترتيبها غير ذلك. وهذا الترتيب تقريب حسن، [لا] يعرف حسنه [إلا] بالتأمل في معانيه.
واعلم أن وصف الله تعالى بالمحبة والخلة هو كما يليق بجلال الله تعالى وعظمته، كسائر صفاته تعالى، وإنما يوصف الله تعالى من هذه الأنواع بالإرادة والود والمحبة والخلة، حسبما ورد النص.
وقد اختلف في تحديد المحبة على أقوال، نحو ثلاثين قولا. ولا تحد المحبة بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء. وهذه الأشياء الواضحة لا تحتاج إلى تحديد، كالماء والهواء والتراب والجوع ونحو ذلك.
_________________
(١) ضعيف، لضعف زمعة بن صالح وسلمة بن وهرام أيضا.
[ ١٦٥ ]
قوله: "وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى".
ش: لما ثبت أنه خاتم النبيين، علم أن من ادعى بعده النبوة فهو كاذب. ولا يقال: فلو جاء المدعي للنبوة بالمعجزات الخارقة والبراهين الصادقة كيف يقال بتكذيبه؟ لأنا نقول: هذا لا يتصور أن يوجد، وهو من باب فرض المحال؛ لأن الله تعالى لما أخبر أنه خاتم النبيين، فمن المحال أن يأتي مدع يدعي النبوة ولا يظهر أمارة كذبه في دعواه. والغي: ضد الرشاد. والهوى: عبارة عن شهوة النفس. أي: أن تلك الدعوى بسبب هوى النفس، لا عن دليل، فتكون باطلة.
قوله: "وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى، بالحق والهدى، وبالنور والضياء".
ش: أما كونه مبعوثا إلى عامة الجن، فقال تعالى حكاية عن قول الجن: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [سورة الأحقاف: ٣١]، الآية. وكذا سورة الجن تدل على أنه أرسل إليهم أيضا. قال مقاتل: لم يبعث الله رسولا إلى الإنس والجن قبله، وهذا قول بعيد. فقد قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [سورة الأنعام: ١٣٠]، الآية، والرسل من الإنس فقط، وليس من الجن رسول، كذا قال مجاهد وغيره من السلف والخلف، وقال ابن عباس ﵄: الرسل من بني آدم، ومن الجن نذر. وظاهر قوله تعالى حكاية عن الجن: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [سورة الأحقاف: ٣٠]، الآية: تدل على أن موسى مرسل إليهم أيضا. والله أعلم.
وحكى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم: أنه زعم أن في الجن رسلا، واحتج بهذه الآية الكريمة. وفي الاستدلال بها على ذلك نظر لأنها محتملة وليست بصريحة، وهي -والله أعلم- كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [سورة الرحمن: ٢٢] والمراد: من أحدهما.
وأما كونه مبعوثا إلى كافة الورى، فقد قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [سورة الأعراف: ١٥٨]. وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِه
[ ١٦٦ ]
وَمَنْ بَلَغَ﴾ [سورة الأنعام: ١٩]. أي: وأنذر من بلغه. وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [سورة النساء: ٧٩] وقال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سورة يونس: ٢]، الآية. وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [سورة الفرقان: ١]. وقد قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [سورة آل عمران: ٢٠]. وقال ﷺ: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" (^١)، أخرجاه في الصحيحين. وقال ﷺ: "لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار" (^٢)، رواه مسلم. وكونه ﷺ مبعوثا إلى الناس كافة معلوم من دين الإسلام بالضرورة.
وأما قول بعض النصارى إنه رسول إلى العرب خاصة، فظاهر البطلان، فإنهم لما صدقوا بالرسالة لزمهم تصديقه في كل ما يخبر به، وقد قال إنه رسول الله إلى الناس عامة، والرسول لا يكذب، فلزم تصديقه حتما، فقد أرسل رسله وبعث كتبه في أقطار الأرض إلى كسرى وقيصر والنجاشي والمقوقس وسائر ملوك الأطراف، يدعو إلى الإسلام.
وقوله: وكافة الورى في جر كافة نظر، فإنهم قالوا: لم تستعمل كافة في كلام العرب إلا حالا، واختلفوا في إعرابها في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سورة سبأ: ٢٨]، على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها حال من الكاف في
_________________
(١) صحيح، وهو من حديث جابر، وقد خرجته في "إرواء الغليل" "٢٨٥".
(٢) صحيح، وهو من حديث أبي هريرة، وهو في مسلم "١/ ٩٣"، ولكنه مغاير في بعض الأحرف لسياق الكتاب، وقد رواه ابن منده في "التوحيد" "ق ٤٤/ ١" ولفظه أقرب، وقد خرجته في "الصحيحة" "١٥٧".
[ ١٦٧ ]
"أرسلناك" وهي اسم فاعل والتاء فيها للمبالغة، أي: إلا كافا للناس عن الباطل، وقيل: هي مصدر كف، فهي بمعنى كفا أي: إلا [أن] تكف الناس كفا، [و] وقوع المصدر حالا كثير. الثاني: أنها حال من "الناس". واعترض بأن حال المجرور لا يتقدم عليه عند الجمهور، وأجيب بأنه قد جاء عن العرب كثيرا فوجب قبوله، وهو اختيار ابن مالك ﵀، أي: وما أرسلناك إلا للناس كافة. الثالث: أنها صفة لمصدر محذوف، أي: رسالة كافة. واعترض بما تقدم أنها لم تستعمل إلا حالا.
وقوله: بالحق والهدى وبالنور والضياء. هذه أوصاف ما جاء به رسول الله ﷺ من الدين والشرع المؤيد بالبراهين الباهرة من القرآن وسائر الأدلة. والضياء: أكمل من النور، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [سورة يونس: ٥].
[ ١٦٨ ]