والشفاعة التي أثبتها الله ﷾ أنواع: النوع الأول: الشفاعة العظمى لأهل الموقف، وهي المقام المحمود الذي يقول الله ﷾ فيه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، فقد روى البخاري عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الشمس لتدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم موسى ثم بمحمد ﷺ، فيشفع ليقضي بين الخلق أو ليقضى بين الخلق، فيومئذٍ يبعثه -يعني: الله ﷿- مقامًا يحمده فيه أهل الجمع كلهم).
أما حديث أبي هريرة الطويل فقد ذكر الشارح ابن أبي العز الحنفي ﵀ أن سياق الحديث في بدايته يدل على أنه في الموقف، فإنهم يأتون إلى آدم ثم إلى نوح ثم إلى إبراهيم ثم إلى موسى ثم إلى عيسى يطلبون أن يحاسبهم الله ﷾، وأن يخرجهم من هذا الموقف، لكن في ختام الحديث ليس فيه شيء من ذلك، بل فيه أنه بعد أن يسجد ويقول الله ﷿ له: (ارفع رأسك، سل تعط واشفع تشفع، فيقول: يا رب! أمتي أمتي، يا رب! أمتي أمتي، يا رب! أمتي أمتي، فيقول: أدخل من أمتك من لا حساب عليه من العذاب من الباب الأيمن من أبواب الجنة)، فليس فيه أنه شفع لهم في الموقف، مع أن أهل العلم يستدلون بهذا الحديث في مسألة الشفاعة العظمى للنبي ﷺ، ولهذا يقول: والعجب كل العجب من إيراد الأئمة لهذا الحديث من أكثر طرقه، ولا يذكرون أمر الشفاعة الأولى، وهذا الكلام هو نص كلام الحافظ ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية.
والصحيح أن حديث أبي هريرة ﵁ يدل على الشفاعة العظمى، وقد استدل به ابن خزيمة في كتاب (التوحيد) على هذا الأمر، كما استدل به القرطبي في كتابه (التذكرة) على الشفاعة العظمى، ووجه الدلالة في هذه المسألة هي أن الحديث اشتمل في بدايته على طلب الشفاعة، فالنبي ﷺ يقول -كما في حديث أبي هريرة -: (فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ ألا ترون إلى ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟) يعني: فيخرجكم من هذا الموقف، وليس في نهاية الحديث أنه شفع لهم للخروج من الموقف، لكن فيه أن الله ﷿ يقول: (أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة) وفيه بعد ذلك حصول الشفاعة لأهل الكبائر، وهذا يدل على أنهم حوسبوا، فيبدو أن في الحديث اختصارًا، وأن الصحيح هو أن سياق الحديث بأكمله أنه بعد أن جاءوا إلى النبي ﷺ طلب الشفاعة من ربه فشفع للناس، فنزل ﷾ فحاسب الناس، ثم شفع النبي ﷺ مرة أخرى لدخول من لا حساب عليه ولا عذاب الجنة.
وحينئذٍ فلا حاجة للقول بما قال به الشارح من أن الدليل هو حديث الصور؛ فإن حديث الصور حديث طويل ساقه الشارح بأكمله، وفيه: فيقول ﷾: (شفعتك، أنا آتيكم فأقضي بينهم، قال: فأرجع فأقف مع الناس) يعني: النبي ﷺ، ثم ذكر انشقاق السماوات وتنزل الملائكة بالغمام، ثم يجيء الله ﷾ لفصل القضاء.
وحديث الصور لا يكون مثل حديث أبي هريرة، فإن حديث أبي هريرة أقوى منه، فحديث أبي هريرة في الصحيحين وحديث الصور تكلم عليه العلماء وقالوا: إن فيه ضعفًا، وفي إسناده إسماعيل بن رافع المدني وهو قاص أهل المدينة، ويبدو أنه ركب الحديث من أحاديث مجموعة وجعلها في سياق واحد، ولهذا ضعف هذا الحديث أهل العلم، وذكروا أن ما وجد فيه من فقرات يشهد لها أحاديث أخرى في الصحيحين أو في غيرها مما ثبت إسناده فهي صحيحة، ووجد فيه ألفاظ منكرة ولا تكون ثابتة، ووجد فيه أشياء لا شواهد لها، وهذه لا تكون صحيحة؛ لضعف إسماعيل بن رافع القاص الذي سبق ذكره.
النوع الثاني من الشفاعة: الشفاعة في دخول أهل الجنة فيها، وهذه الشفاعة ثابتة في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أنا أول شفيع في الجنة).
وكذلك روى الإمام مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد من قبلك).
وهاتان الشفاعتان -الشفاعة الأولى والشفاعة الثانية- خاصتان بالنبي ﷺ لا يشاركه فيها أحد.
النوع الثالث من أنواع الشفاعة: الشفاعة بتخفيف العذاب عمن يستحق، وهذه الشفاعة هي شفاعة النبي ﷺ في تخ
[ ٢ / ١٢ ]