الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا، إنك أنت العليم الحكيم.
أما بعد: قال الطحاوي رحمه الله تعالى: [والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثًا لأمته حق].
هذه الفقرة مشتملة على إثبات الحوض يوم القيامة لنبينا محمد ﷺ، والحوض: هو مجمع الماء، والحوض ثبت بالأحاديث النبوية التي بلغت حد التواتر، فقد ذكر القاضي عياض في شرحه لصحيح مسلم المسمى: (إكمال المعلم) بأنه رواه خمسة وعشرون نفسًا من أصحاب النبي ﷺ، وزاد عليه النووي في شرح مسلم ثلاثة، وزاد عليهم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرحه لأحاديث الحوض في (فتح الباري) ما يقارب قدر ما ذكروه، فزاد عدد الذين رووا حديث الحوض على خمسين راويًا من الصحابة.
بل إن الحافظ ابن حجر ﵀ ذكر في شرحه: أن بعض المتأخرين أوصل عدد الصحابة الذين رووا أحاديث الحوض إلى ثمانين راويًا، وقد صنف الحافظ الضياء المقدسي صاحب المختارة كتابًا مستقلًا في أحاديث الحوض، كما أن أحاديث الحوض جمعها البيهقي ﵀ في كتابه: (البعث والنشور)، ورواها جميعًا بأسانيدها، وممن جمع أحاديث الحوض أيضًا الحافظ ابن كثير ﵀ في كتابه (البداية والنهاية)، وكتاب (البداية والنهاية) يعتبر هو المرجع الأساسي لشارح العقيدة الطحاوية ابن أبي العز الحنفي ﵀، فإن ابن كثير هو شيخه، بل إنه ينقل عنه بالنص كما سيأتي في قضية الشفاعة بإذن الله.
ومما ينبغي أن يتنبه له الإنسان: أن هناك فرقًا بين الكوثر والحوض، فالكوثر: هو نهر بالجنة، وهو الذي أعطاه ربنا ﷾ لمحمد ﷺ، كما دلت عليه السورة المشهورة سورة الكوثر: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]، ودل على أن هذا الكوثر نهر في الجنة حديث أنس بن مالك ﵁ في صحيح البخاري حيث قال: (لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء قال: أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟! قال: هذا الكوثر)، بل جاء في رواية للبخاري توضح هذه الرواية وهي قوله: (بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر)، فهذا يدل على أن الكوثر نهر في الجنة، كما روى الترمذي عن ابن عمر ﵁ مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال: (الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي حديث عائشة ﵂ في صحيح البخاري في كتاب التفسير في تفسير سورة الكوثر قالت: (هو نهر أعطيه نبيكم ﷺ)، وذكرت: (أن عليه درًا مجوفًا، وآنيته كعدد نجوم السماء)، وزاد النسائي: (في بطنان الجنة، قلت: وما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها) الراوي عن عائشة سأل عن بطنان الجنة؟ فقالت: وسطها، يعني: أن نهر الكوثر في وسط الجنة.
لكن روى البخاري عن ابن عباس ﵁ أنه قال في الكوثر: (هو الخير الذي أعطاه الله إياه).
فإن قيل: كيف يمكن أن نجمع بين ما ثبت عن النبي ﷺ من أن الكوثر نهر في الجنة وبين كلام ابن عباس الذي دعا له رسول الله ﷺ بعلم التفسير، وهو علم التأويل؟ ف
الجواب
يمكن أن نجمع بما جمع به تلميذ ابن عباس سعيد بن جبير؛ فإنه سأله أبو بشر الراوية عنه فقال: إن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة! يعني: عندما سمع رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن الكوثر هو الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه، قال: إن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد بن جبير: (النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه) يعني: فلا إشكال.
ويؤكد كلام سعيد بن جبير ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس ﵁ قال: (بينما نحن عند النبي ﷺ إذ غفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟! قال: نزلت علي سورة آنفًا، وقرأ عليهم سورة الكوثر، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة).
وهذا الحديث الذي
[ ٢ / ٢ ]