بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد فإن مبحث الكلام مبحث عظيم، وهو من المسائل التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين المخالفين لهم كما سبق بيان ذلك، وقلنا: إن المسألة فيها ثمانية أقوال للناس في مسمى كلام الله ﷿.
المذهب الأول مذهب الاتحادية: سبق الكلام عليه بالأمس، والمذهب الثاني مذهب الفلاسفة وأتباعهم، الفلاسفة المَشَّاءون ومن تبعهم من متكلم ومن متصوف كابن سينا والفارابي وابن عربي وغيرهم، الفلاسفة مذهبهم في كلام الله ﷿ أنه خيرٌ فَاضَ من العقل الفَعَّال على النفس الفاضلة الذكية فحصل لها تصورات وتصديقات لحصر ما قبلت منه فكلام الله ليس حرفا ولا صوت، ولكنه معانٍ تفيض على النفوس الفاضلة الذكية.
ويحصل لها تصورات وتصديقات بحسب ما قبلته من هذا الفيض، وهذا المذهب في الكلام مبني على مذهبهم في القول بقِدَم العالم، وأن العالم لازم لله أزلا وأبدا، فالفلاسفة يذهبون إلى أن العالم لازم لله لا ينفك عنه في الأزل، ولا في الأبد كلزوم الضوء للسراج فلا يقولون: إن العالم حادث بل يقولون: إن العالم قديم كقدم الله وهذا المعنى إنكار لوجود الله وأنه واجب الوجود بذاته وأنه الأول الذي ليس قبله شيء فَبَنَوْا على هذا الأصل، وهو القول بقِدَم العالم أن الكلام معنى يفيض على النفس الفاضلة الذكية فيحصل لها تصورات وتصديقات بحسب ما قبلت منه.
وأصل هذا أنهم لم يؤمنوا بالرب الذي أخبر عن نفسه أنه الأول، وليس قبله شيء، والذي عرف اسمه الرسل الفعال لما يريد المتصف بالصفات القادر على كل شيء المتكلم بقدرته ومشيئته؛ لما لم يؤمنوا بالرب -﷾- الذي وصف نفسه وسماها بأسماء وصفات؛ لما لم يؤمنوا بذلك قالوا: إن العالم قديم، ثم إن الكلام فضل فاض من العقل الفعال.
وحقيقة هذا المذهب الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. فهم لم يؤمنوا برسله فهم كفرة ملاحدة؛ لأنهم لم يؤمنوا بالله ربا وإلها ومعبودا بالحق، وأنه الأول الذي ليس قبله شيء، وأنه الغني بذاته الذي لا يحتاج إلى أحد، وأن له الكمال في أسمائه وصفاته فلم يؤمنوا به بالرب ولا بالملائكة ولم يؤمنوا بالكتب المنزلة ولم يؤمنوا بالرسل، ولم يؤمنوا باليوم الآخر، ولا بالبعث والنشور، ولا بالجنة والنار، ولم يؤمنوا بالقدر فهم كفرة ملاحدة، نسأل الله السلامة والعافية.
وهم يلتقون مع الاتحادية الذين يقولون: الوجود واحد، العبد هو الرب، والرب هو العبد، وهؤلاء يقولون: إن العالم قديم ولازم للرب ولم يثبتوا ربا غنيا خالقا قادرا بمشيئته، وقالوا: إن الرب هو أول هذا العالم، وهو المحرك له، وهو العلة، وهو مبدأ هؤلاء الكفرة، وهو العلة الغائية لحركته هم بهذا يلتقون مع الاتحادية كلهم كفرة كلهم ملاحدة زنادقة، نسأل الله السلامة والعافية.
هذان المذهبان كفريان، ولكن العلماء يذكرون هذه المذاهب؛ لأن الملاحدة تستروا باسم الإسلام، وهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والإلحاد، وكذلك الفلاسفة هناك من يظن من الناس أنهم على حق، وأنهم على صواب، وأنهم أهل علم، وأهل قواعد، وأصول فاغتر بهم كثير من الناس من أهل البدع، وظنوا أنهم على حق وصواب، هذان المذهبان كفريان.
المذهب الثالث: مذهب السالمية أتباع هشام بن سالم الجواليقي وتبعهم بعض أتباع الأئمة الأربعة أو بعض من ينتسب للحديث ذهبوا إلى أن كلام الله ألفاظ ومعاني وحروف وأصوات قديمة في الأزل لم تزل ولا تزال ولا يقولون: إن الكلام متعلق بقدرة الله ومشيئته بل يقولون: إن الكلام قديم ألفاظه ومعانيه، والحروف والأصوات وما دامت الألفاظ قديمة فالحروف التي تؤلف هذه الأصوات قديمة، وما دامت المعاني قديمة، فالحروف التي تتألف من هذه الألفاظ قديمة.
وهم يقولون: إن كلام الله نوعان نوع يصنع بواسطة ونوع يصنع بغير واسطة كما سُمِع بجبرائيل وبواسطة كما سَمِع محمدٌ ﷺ كلام الله بواسطة جبرائيل، لكن الكلام وإن كان لفظا ومعنى، وإن كان بحرف وصوت إلا أنه قديم لم يزل ولا يزال ولا يزال الرب يتكلم في القدم والأزل، وأيضا حروف الكلمات كلمات الرب مقترنة لا يسبق بعضها بعضا. الباء مع السين مع الميم كلها يتكلم بها للرب دفعة واحدة هكذا يقولون.
[ ٨٣ ]
وقالوا: إن الحروف إنما تسمع متعاقبة بالنسبة لسمع الإنسان وإلا فالحروف مقترنة وشبهتهم في ذلك؛ لأن هذا المذاهب مبني على أن الكلام لا بد أن يقوم بمتكلم وأن الرب ليس محلا للحوادث قالوا: لو قلنا: إن كلام الرب متعلق بقدرته ومشيئته لصار محلا للحوادث لصار يحفظ الكلام في ذاته فلا أقول: إن الكلام متعلق بقدرته ومشيئته بل يقولون: إن الكلام قديم في الأزل لم يزل ولا يزال وإن كانت حروف وأصوات لم يزل الرب يتكلم في القدم والأزل، لكن لا يتعلق الكلام بقدرته ومشيئته متى شاء تكلم بل يقولون: إن الكلام قديم أزلي لا يزال الرب يتكلم الحروف مقترنة.
ولهذا يسمونهم بالأقرانية نسبة إلى الاقتران الذي ذكروا في الحروف، وأن الرب يتكلم بها دفعة واحدة الباء مع السين مع الميم ليست متعاقبة، تأتي السين بعد الياء قالوا لو قلنا: إن الحروف متعاقبة للزم ذلك أن يحدث الحرف الثاني في ذات الرب فيكون ذلك محل للحوادث، وهذا مذهب باطل.
وقولهم: إن الكلام ألفاظ ومعان وحروف وأصوات قائمة بذات الرب فهذا حق، لكن قولهم: إنه لا يتعلق بقدرته ومشيئته فهذا باطل، الرب لم يزل يتكلم الكلام قديم لكن ألفاظه لم تزل حادثة متعلق بمشيئته فهو يكلم جبريل ويكلم الملائكة ويكلم الأنبياء ويكلم الناس يوم القيامة، فالقول بأنه لا يتعلق بقدرته ومشيئته تعطيل للرب من الكمال وتنقص للرب.
فكذلك قولهم: إن الحروف مقترنة وأنه لا يسبق بعضها بعضا تخليط وهذيان مخالفٌ للحِسِّ، وما هو معلوم بالفطرة؛ لأن الكلمة إذا كانت مكونة من حرفين فلا يمكن للمتكلم أن يتكلم بالحرف الثاني إلا بعد الأول، ولا وجود للكلمة إلا بالتعاقب والقول بأنها غير متعاقبة تخليط وهذيان غير متصور، وقولهم: إنه يلزم من ذلك أن تحدث الحروف في ذات الرب، فهذا باطل؛ لأن هذا يلزم بالنسبة للمخلوق أما الخالق فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين؛ لأن الرب لا يشابه المخلوقين لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه.
المذهب الرابع مذهب الكلابية: أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب يرون أن كلام الرب معنى قائم بنفس الرب ليس بحرف ولا صوت أن كلام الرب معنى قائم بنفس الرب ليس بحرف ولا صوت ولا يسمع، وهو لازم لذاته كلزوم السمع والبصر والعلم فالكلام معنى قائم بالنفس ليس بحرف ولا صوت ولا يسمع وهو لازم لذات الرب كلزوم الحياة والسمع وللبصر وهو أربع معانٍ في نفسه: الأمر والنهى والخبر والاستفهام.
وأما الحروف والأصوات فهذه الحكاية دالة على كلام الله وليست كلام الله وليس في المصحف كلام بزعمهم بل ما فيه إنما هو حروف وكلمات دالة على كلام الله، وليس هي كلام الله فكلامه الله في نفسه لا يسمع والحروف والأصوات حكاية دالة عليه، وهذا المذهب مبني بأن الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم، وعلى هذا أيضا أن الله ليس محلا الحوادث؛ لأنه لو كان حرفا وصوتا لكان محلا للحوادث ومرارا من ذلك قالوا ليس بحرف ولا صوت، وإنما هي حكاية دالة عليه.
ويُنَاقش هؤلاء الكلابية: أنتم تقولون: إن الحروف والأصوات حكاية عن كلام الله. فحكاية الشيء إنما تكون بالإتيان بمثل الشيء من غير زيادة ولا نقصان ولا تقديم ولا تأخير تقول: حكيت الحديث بعينه تريد أن الرواية مطابقة للحديث من غير زيادة ولا نقص، والحروف والأصوات ليست مطابقة للمعنى القائم بنفس الرب فكيف يقال: إنها حكاية لكلام الله.
ثانيا: لو كانت الحروف والأصوات حكاية عن كلام الرب كما تزعمون فلزم من ذلك أن تكون صفات الله محكية، وله مثل وشبيه والله ليس له مثل ولا شبيه.
ثالثا: لو كانت الحروف والأصوات حكاية عن كلام الله، لكان الناس قد أتوا بكلام مثل كلام الله، وحينئذ يبطل تحديهم، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ وقال أيضا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ .
فلو كانت الحروف والأصوات حكاية لكلام الله لأتى الناس بمثل كلام الله، وهنا يبطل تحديهم أين عجزهم؟
ورابعا: لو كان الحروف والأصوات حكاية عن كلام الله للزم عليه أن يحكي بحرف وصوت ما ليس بحرف ولا صوت، وهذا باطل ومذهب الكلابية مذهب باطل.
المذهب الخامس: مذهب الأشاعرة أتباع أبي الحسن الأشعري يقولون: إن الكلام معنًى قائم بنفس الرب بمعنى واحد قائم بنفس الرب ليس بحرف ولا صوت لا يسمع لكنه معنى واحد، شيء واحد، لا يتنوع لأربع أشياء كما يقول الكلابية الذين يقولون بأن الكلام أربع أنواع: الأمر، والخبر، والنهي، والاستفهام.
[ ٨٤ ]
أما الأشاعرة فيقولون: بأن الكلام معنًى واحد لا يتعدد ولا يتبعض ولا يتجزأ ولا يتكثر، بل هو معنًى واحد، والحروف والأصوات عبارة دالة عليه، فهذا يقول حكاية، وهذا يقول عبارة، وكونه أمر ونهى وخبر واستفهام قالوا: هذه الصفات الإضافية لهذا المعنى الواحد، ولكنها ليست أنواع بل صفات إضافية لذلك النوع الواحد فهو نوع واحد وهم صفات تضيف لهذا المعنى يكون الخطاب أمر يكون أمرا بالإضافة نهيا بالإضافة وخبرا بالإضافة واستفهاما بالإضافة فهي صفة إضافية كما أن الإنسان له صفات إضافية، فأنت شخص واحد توصف بأنك أب بالإضافة إلى أبنائك، وتوصف بأنك ابن بالإضافة إلى آباءك وتوصف بأنك خال بالنسبة لأولاد الأخت.
وأنت شخص واحد فهذه الصفات إضافية تسمى أباَ وابنا وعما وخالا بالإضافة كذلك كلام الرب بمعنى واحد، وكونه أمرا ونهيا وخبرا واستفهاما من الصفات الإضافية، وقوله: توراة وإنجيل وقرآن وزبور، قالوا: هذا تقسيم للعبارة للدلالات، لا للمدلول، فالمدلول واحد، وهو المعنى القائم بنفس الرب بحسب العبارة كلام الرب معنى قائم بالنفس لكن إن عبرت عنه بالعربية فهو القرآن، وإن عبرت بالعبرانية فهو التوراة، وإن عبرت عنه بالسيريانية فهو الإنجيل، وإن عبرت عنه بالداودية فهو الزبور، وهو شيء واحد ومعنى واحد فقالوا: إن الحروف تقصير بالنسبة للدلالات والعبارات فالحروف والأصوات عبارة دالة عليه.
وبعضهم يرى أنه لا فرق بين مذهب الكلابية والأشاعرة فبعض الأشاعرة يقول: إن المذهب واحد؛ لأن كُلًّا من المذهبين يتفق على أن الكلام معنى قائم بنفس الرب، واتفقوا على أن الحروف والأصوات دالة على كلام الرب فتكون الكلابية قالوا: حكاية والأشاعرة قالوا: عبارة لا يتعلق بغرض علمي فيكون مذهبا الأشاعرة والكلابية متقاربين، ومذهب الأشاعرة هو المذهب الذي يكاد يقنع العقل ويسمون أنفسهم بأهل السنة والجماعة.
وفي بعض الأزمنة طبق الأمر أهل السنة إلا عدد قليل منهم فيسمونهم بأهل السنة أيضا فَمُهِم معرفة مذهب الأشاعرة.
المذهب السادس مذهب الكرامية: وكان الترتيب أن يكون قبل مذهب الكلابية والأشاعرة وهم أتباع محمد بن كرام يقولون: إن كلام الله حروف وأصوات وألفاظ ومعان قائمة بذات الرب ويتعلق بقدرته ومشيئته، فالحروف ألفاظ ومعان وحروف وأصوات وكلام الله متعلق بمشيئته وقدرته يتكلم متى شاء إن شاء إلا أن الكلام حادث في ذاته كان الكلام ممتنعا عن الرب لا يقدر عليه، ثم انقلب فجأة فصار ممكنا.
فقولهم: إن كلام الرب ألفاظ ومعان، حروف أصوات قائم بذاته، ومتعلق بقدرته ومشيئته فهذا حق، وهو موافق لأهل السنة والجماعة لكن قولهم: إن كلام الرب حادث في ذاته فهذا باطل قالوا: إن الكلام كان ممتنعا عن الله، ثم انقلب فجأة فصار ممكنا. كان هناك فترة أولا لا يقدر أن يتكلم ثم انتقل فجأة فصار يتكلم، وهذا مَبْنِيّ على أن القول بأن الكلام قديم يوجب أن تتسلسل الحوادث والموجودات.
قالوا: لو قلنا بأن كلام الرب قديم ليس حادثا لزم التسلسل في الحوادث والموجودات ولو حدث طريق إثبات الأولية، فلا نستطيع أن نثبت أن الله هو الأول وليس قبله شيء ففرارا من ذلك قالوا: إن الكلام كان ممتنعا على الرب، ثم انقلب فجأة فصار ممكنا، وهذا باطل أولا أن الكلام صفة كمال، وصفة الرب الكمال، فكيف يخلو الرب من هذا الكمال في وقت من الأوقات؟!
وإذا خلا من الكمال صار ذلك نقصا، والله لا يوصف بالنقص كان الكلام ممتنعا أي كان عاجزا عن الكلام فوصفتم الله بالنقص، ونفيتم الكمال عنه، وكيف يكون كلامه ممتنعا، ثم يصير ممكنا؟ إذا كانت حال الرب سواء، ولم تتجدد له صفة الكلام، فكيف يكون الكلام ممتنعا كما قالوا، إذن ما الذي جعله ينقلب من الامتناع إلى الكلام إذا كان ممتنعا كما قالوا؟ إذن ما الذي جعله ينقلب من الامتناع إلى الكلام؟
فإذا كان الرب كاملا في صفاته وذاته وأسمائه، وفيها الكمال، ما الذي يجعل الرب يخلو من هذا الكمال في وقت من الأوقات، ويوصف بالنقص والعجز، وهم لم تتجدد له صفة الكلام ولم يستفدها من غيره، فالرب لم يزل ولا يزال متصفا بالكمال من صفاته وأسمائه.
أما القول بأن الطريق ينسد بإثبات الأولية، فنقول: لا ينسد فالله هو الأول، وليس قبله شيء، وهو فعال -﷾- ويتكلم ويخلق بالكلام، إنما أمره إذا أراد شيئا فإنما يقول له: كن فيكون، وكل فرد من أفراد المخلوقات مسبوق بالعدم، مخلوق بعد أن كان معدوما خلق الله بقدرته ومشيئته، وإذا وصف كل فرد من المخلوقات بهذا فلا يلزم من ذلك أن يكون هناك فترة يعطل فيها الرب.
السابع وهو مذهب الجهمية: وتلقاه منهم المعتزلة فنسب إليهم يقال مذهب الجهمية ومذهب المعتزلة وهو القول بأن كلام الرب ألفاظ ومعان وحروف وأصوات متعلق بقدرته ومشيئته إلا أنه مخلوق خارج عن ذاته، خلقه الرب خارجا عن ذاته فصار به متكلما.
[ ٨٥ ]
وقولهم: إن كلام الرب ألفاظ ومعان وحروف وأصوات متعلق بقدرته ومشيئته فهذا حق ولكن قولهم: إنه مخلوق فهذا باطل فقالوا: نحن نقول: إن كلام الرب ألفاظ ومعان وحروف وأصوات تتعلق بقدرته فيتكلم متى شاء إذا شاء إلا أن الكلام مخلوق، خلقه خارج عن ذاته فصار به متكلما هذه الحروف والأصوات خلقها خارجة عن ذاته فصار متكلما بها خلقها من الهواء فمن ذلك الجسم ابتدأ الكلام بدأ من الله لا من اللوح المحفوظ، ولا من الجسم.
قالوا: إن الله -تعالى- لما نادى موسى من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة قالوا: إن الله خلق الكلام في الشجرة فهي التي قالت: إنما أرى الله رب العالمين، فإذن يقولون: إن الكلام مخلوق خارج ذاته وإن كان ألفاظا ومعان وحروفا وأصوات بمشيئته إلا أنه مخلوق، وهذا المذهب مبني على نفس الصفات عن الرب لئلا يذهب إلى التشبيه والتجسيد مبني على أنه يلزم لإثبات الصفات للرب التشبيه والتجسيد ومشابهة المخلوقات، ففرارا من ذلك نفوا الصفات، نفوا الصفات فرارا من التشبيه والتجسيد.
هذه سبعة مذاهب، وكلها باطلة وهي التي تدور في العالم لكن هذه المذاهب مذاهب الاتحادية، ومذاهب الفلاسفة، ومذاهب السالمية، ومذاهب الكرامية هذه كلها مذاهب باطلة واضحة البطلان وليست منتشرة انتشارا كبيرا، وقد رددنا عليها وبقية المذاهب المنتشرة والسائدة: الأشاعرة، والكلابية، فالأشاعرة والكلابية يكادان يكونان مذهبًا واحدًا مذهب الأشاعرة مذهب منتشر طبق الأرض حتى إن كثيرا من الفقهاء وغيرهم مذهبهم يتمشى مع مذهب الأشاعرة.
الفقهاء من الحنابلة وغيرهم ومذهب أيضا كثير من الأحناف مذهبهم أشعري بعض الحنابلة حتى صاحب "الروض المربع" أول ما بدأ في الشرح: بسم الله الرحمن فسر الرحمة بالإنعام على طريقة الأشاعرة والإنعام ليست الرحمة، كثير من الفقهاء وغيرهم مذهبهم يتماشى مع مذهب الأشاعرة وقد يوافقهم بعض المحدثين في بعض كالحافظ ابن حجر -﵀- فبعض الصفات أَوَّلَهَا على طريقة الأشاعرة الغضب والرضا والكلام وكذلك النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم يؤول الصفات على طريقة الأشاعرة.
والسبب في هذا أن هؤلاء العلماء الفطاحل المحدثين لم يوفقوا لمن ينشئهم على معتقد أهل السنة والجماعة في سن الطلب ظنوا أن هذا هو الحق.
المحصلة لهم أعمال عظيمة في خدمة الإسلام لكن هذه الأخطاء صدرت منهم عن اجتهاد لم يتعمدوا، ولم ينشئوا مع مذهب أهل السنة والجماعة، فإذا كان هؤلاء العلماء الكبار وقعوا في الغلط ولم يهتدوا إلى مذهب أهل السنة والجماعة، فإذا قرأت ما في الحديث تجد تأويلاتهم الكثيرة فتذكر أقوال كثيرة تأويل اليد خطأ وتأويل السنة والجماعة ولا يزل، فإذا كان بمعتقد أهل السنة والجماعة ولا يزال فإذا كان العلماء الفطاحل زلوا فأنت يخشى عليك أن تزل، فإذن مذهب الأشاعرة مذهب سائد، وكذلك المعتزلة والجهمية ومذهب أهل السنة والجماعة. تبقى هذه المذاهب الثلاث هي المنتشرة الآن.
المذهب الثامن مذهب أهل السنة والجماعة: وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأتباعهم والأئمة وهم أتباع الرسل، وهذا الباب عن الرسل مذهبهم في كلام الرب أن الله موصوف بالكلام وأن الكلام من صفاته الذاتية لاتصافه به في الأزل فالله تعالى موصوف بالكلام أزلا وأبدا فهو من صفاته الذاتية لاتصافه سبحانه به في الأزل، ومن صفاته الفعلية لكون الكلام بمشيئة الرب واختياره فالكلام من صفاته الذاتية ومن صفاته الفعلية فهو من صفاته الذاتية؛ لأن نوع الكلام قديم ومن صفاته الفعلية؛ لأن الله يتكلم بقدرته ومشيئته ويتكلم بما شاء إذا شاء كيف شاء سبحانه، وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديما.
وأن كلام الله ألفاظ ومعانٍ بحرف وصوت يُسْمَع وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديما، وأن كلام الرب -﷾- ليس حالا في المخلوقات ولا متحدا بهم، بل الرب بائن بذاته وصفاته من خلقه منفصل عنهم، والقرآن كلام الله لفظه ومعانيه ليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف، وأما ألفاظ العباد وأصواتهم وحركاتهم وأداتهم وأفعالهم فكل ذلك مخلوق بأمر الله ﷿.
هذا معتقد أهل السنة والجماعة في الكلام أن كلام الله من صفاته الفعلية والذاتية أن الله متصف بالكلام أزلا وأبدا، ومن صفاته الذاتية لأنه مُتَّصِفٌ به في الأزل، ومن صفاته الفعلية لكون الكلام واقعا بمشيئته وقدرته هو يتكلم بما شاء كيف يشاء متى يشاء، وأن كلام الله ألفاظ ومعانٍ بحرف وصوت يسمع، وأن نوعه قديم، ولكن الصوت المعين قديم.
[ ٨٦ ]
وأن الله بائن من خلقه في ذاته وصفاته، وأن كلام الله ليس حالا في المخلوقات بل هو بائن في ذاته وصفاته -﷾- وكونه يتكلم بمشيئته وقدرته من لوازم ذاته المقدسة -﷾- والقرآن كلام الله لفظه ومعناه ليس اللفظ دون المعنى، ولا المعنى دون اللفظ، أما ألفاظ العباد وحركاتهم وأدائهم فكل ذلك مخلوق بائن عن الله ﷿.
هذه المذاهب الثمانية هي أبرز المذاهب في كلام الرب، وهذه المذاهب تدور على أصلين: الأصل الأول هل كلام الرب واقع بمشيئته واختياره وقدرته أو بغير مشيئته واختياره، والأصل الثاني هل كلام الرب قائم بذاته ومتصف به أو هو خارج عن ذاته ومنفصل عنه.
هذه المذاهب الثمانية كلها تدور على هذين الأصلين، الأصل الأول اختلفوا في ذلك فقال بعضهم: إن كلام الرب واقع بغير مشيئته واختياره، وهم أربعة طوائف:
الأولى قالت: إن كلام الرب واقع بغير مشيئته واختياره، وهو معنى يفيض منه على نفس شريفة تتكلم به وهم الفلاسفة.
وطائفة قالت: إن كلام الرب معنى قائم به ألفاظ ومعان وحروف وأصوات قديمة في الأزل لم تزل ولا تزال وهم السالمية.
وطائفة قالت: بأن كلام الرب واقع بغير مشيئته واختياره وهو معنى قائم بنفسه جامع لأربعة معان: هي الأمر والنهي والخبر والاستفهام وهم الكلابية، وطائفة قالت: إن كلام الرب معنى قائم بنفسه وهو واحد لا يتبعض ولا يتعدد ولا يتكثر وهم الأشعرية هذه أربعة طوائف، وقال بعضهم: إن كلام الرب واقع بمشيئته واختياره، وهم أربعة طوائف:
طائفة قالت: إن كلام الرب واقع بمشيئته واختياره، وهو الذي يتكلم به الناس كلهم وهو يسمع من جميع الناس وهم الاتحادية، وطائفة قالت: إن كلام الرب واقع بمشيئته واختياره وهو ألفاظ ومعان وحروف وأصوات إلا أنه حادث في ذاته كائن بعد أن لم يكن وهم الكرامية.
وطائفة قالت: إن كلام الرب واقع بمشيئته واختياره وهو ألفاظ وحروف ومعان وأصوات إلا أنها مخلوقة خارجة عن ذاته وهم الجهمية والمعتزلة وطائفة قالت: إن كلام الرب قائم بذاته واقع بمشيئته واختياره وهو قديم النوع حادث الآحاد بحرف وصوت يُسْمَع وهم أهل السنة والجماعة.
أما الأصل الثاني: وهو هل كلام الرب قائم بذاته ومتصف به أو خارج عن ذاته ومنفصل عنه، فاختلفوا فيه فقال بعضهم: إن كلام الرب خارج عن ذاته ومنفصل عنه، وهم ثلاثة طوائف:
طائفة قالت: إن كلام الرب خارج عن ذاته ومنفصل عنه، وهو معانٍ تفيض على النفوس الفاضلة الذكية وهم الفلاسفة وطائفة قالت: إن كلام الرب خارج عن ذاته ومنفصل عنه، وهو الذي يتكلم به الناس كلهم حقه وباطله وهم الاتحادية.
وطائفة قالت: إن كلام الرب خارج عن ذاته ومنفصل عنه وهو هذه الحروف والأصوات خلقها خارجة عن ذاته فصار بها متكلما، وقال بعضهم: واقع بذاته متصف به، وهم خمس طوائف:
طائفة قالت: إن كلام الرب قائم بذاته متصف به وهو ألفاظ ومعان وحروف والأصوات لم تزل، ولا تزال، وهم السالمين.
وطائفة قالت: إن كلام الرب قائم بذاته ومتصف به وهو ألفاظ ومعانٍ وحروف وأصوات إلا أنه حادث في ذاته كائن بعد أن لم يكن، وهم الكرامية.
وطائفة قالت: إن كلام الرب قائم بذاته ومتصف به، وهو معنى جامع لا معانٍ هي الأمر والنهي والخبر والاستفهام، وهم الكلابية.
وطائفة قالت: إن كلام الرب قائم بذاته ومتصف به وهو معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض ولا يتجزأ ولا يتكثر وهم الأشاعرة.
وطائفة قالت: إن كلام الله قائم بذاته ومتصف به وهو قديم النوع حادث الآحاد وهم أهل السنة والجماعة فتبين بهذا أن هذه المذاهب ترجع لهذين الأصلين.
والذين أثبتوا الصوت في كلام الله خمس طوائف: طائفة قالت: إن كلام الله بصورة وهو الذي يتكلم به للناس كلهم وهم الاتحادية.
وطائفة قالت: إن كلام الله بالصوت وهذه الحروف والأصوات خلقها خارجة عن ذاته فصار بها متكلما، وهم الجهمية والمعتزلة.
وطائفة قالت: إن كلام الله بالصوت حادث في ذاته كائن بعد أن لم يكن وهم الكرامية.
وطائفة قالت: إن كلام الله بصوت، وهو ألفاظ معان لم تزل، ولا تزل في الأزل وهم السالمية، وطائفة قالت: إن كلام الله بالصوت قديم النوع وحادث الآحاد وهم أهل السنة والجماعة.
والذين لم يثبتوا الصوت ثلاث طوائف: طائفة قالت: إن كلام الله ليس بصوت وهو معنى يفيض على النفس الشريفة فتتكلم بها وهم الفلاسفة.
وطائفة قالت: إن كلام الله ليس بحرف ولا صوت لكنه معنى جامع لأربع معان: الأمر والنهى والخبر والاستفهام وهم الكلابية.
وطائفة قالت: إن كلام الله ليس بصوت، وهو معنى واحد لا يتجزأ ويتعدد ولا يتبعض ولا يتكثر وهم الأشاعرة.
هل الصوت المسموع من كلام الله هل يقال: إنه مخلوق أو غير مخلوق؟ هذا فيه تفسير إن أُرِيدَ به الصوت المسموع عن الله، فهذا كلام غير مخلوق، وإذا أريد به الصوت المسموع عن المبلغ ففيه تفصيل.
وإن أريد به الصوت الذي روي به كلام الله فهذا مخلوق، وإن أريد به الكلام المُؤَدَّى بالصوت فهذا كلام الله.
[ ٨٧ ]
ومسمى الكلام اختلفوا فيه هل اللفظ أو المعنى؟ قال بعضهم: إن مسمى الكلام حقيقة في المعنى مجاز في اللفظ وهم الأشاعرة، والأصل في الكلام المعنى، وأما اللفظ مجاز.
وقيل: إن الكلام حقيقة في اللفظ مجاز في المعنى، وهذا مذهب المعتزلة، وقيل: إن الكلام حقيقة في كل من اللفظ والمعنى فإطلاقه على المعنى وحده حقيقة وإطلاقه على اللفظ حقيقة، وهذا مذهب ابن علي الجويني: وقيل إن الكلام حقيقة في اللفظ والمعنى على سبيل الجواز فإطلاقه على أحدهما إطلاقه على جزء معناه، وإطلاقه عليهم على سبيل الجمع إطلاق على كل معناه.
وهذا هو الذي عليه أكثر العقلاء وهو: الصواب مسمى الكلام اللفظ والمعنى، ليس مسمى الكلام اللفظ فقط، كما تقول المعتزلة، ولا مسمى الكلام المعنى كما تقول الأشاعرة، ولا مسمى اللفظ وحده والمعنى وحده كما يقول ابن علي الجويني فمسمى الكلام اللفظ والمعنى.
بسم الله الرحمن الرحيم
وقيل: إن الكلام حقيقة في كل من اللفظ والمعنى، فإطلاقه على المعنى وحده حقيقة، وإطلاقه على اللفظ حقيقة، وهذا مذهب أبي علي الجويني، وقيل: إن الكلام حقيقة في اللفظ والمعنى على سبيل الجمع، فإطلاقه على أحدهما إطلاق على جزء المعنى، وإطلاقه عليهما على سبيل الجمع إطلاق على كل المعنى.
وهذا هو الذي عليه أكثر العقلاء، وهو الصواب أن مسمى الكلام اللفظ والمعنى، ليس مسمى الكلام اللفظ فقط كما تقول المعتزلة، ولا مسمى الكلام المعنى كما تقول الأشاعرة، ولا مسمى اللفظ وحده والمعنى وحده كما يقول أبو علي الجويني.
فالمسمى الكلام واللفظ والمعنى، لكي أتكلم أو كلام أو هذا الكلام اسم للفظ والمعنى.
حقيقة مذهب أهل السُّنة والجماعة في كلام الرب ﷿ أن كلام الله محفوظ في الصدور مقروء بالألسن مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور معلوم في القلوب، مقروء مسموع بالآذان، وهو في هذه المواضع كلها حقيقة.
فإذا قيل في المصحف كلام الله فُهم منه معنًى حقيقي، وإذا قيل فيه مداد كتب به فهم منه معنى حقيقي، وإذا قيل: في المصحف خط فلان الكاتب فهم منه معنى الحقيقية.
وإذا قيل المداد في المصحف فالظرفية فيه غير الظرفية المفهومة من قولك: فيه السماوات والأرض وفيه محمد وعيسى، وهي غير الظرفية المفهومة من قولك: فيه خط فلان الكاتب، وهي غير الظرفية المفهومة من قولك: فيه مداد كتب به، وهي غير الظرفية المفهومة من قولك: في المصحف كلام الله.
هذه كلها حقائق فالمصحف فيه كلام الله، وفيه خط فلان، وفيه مداد كتب به وفيه محمد وعيسى يعني ذكر محمد وعيسى وفيه السماوات والأرض أي ذكر السماوات والأرض.
ومن لم يتنبه لهذه الفروق ضل ولن يهتدي إلى الصواب، وكذلك لا بد من الانتباه للفرد بين القراءة والمقروء فالقراءة فعل القارئ والمقروء كلام الرب.
وقد استدل الإمام البخاري -﵀- في كتابه الصحيح على أن أفعال العباد مخلوقة في نصوص التبليغ على أن أفعالهم -ومن ذلك كلامهم وأفعالهم وأصواتهم- كلها مخلوقة، استدل بنصوص التبليغ كقوله سبحانه: ﴿* يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ وقوله: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ وهذا من رسوخه في العلم، فإن ذلك يتضمن أصلين عظيمين ضل فيها أهل الزيغ:
الأصل الأول: أن المبلغ ليس له من الكلام إلا مجرد التبليغ فليس مُنْشِئًا ولا محدثًا للكلام؛ إذ لو كان الكلام من عنده لكان مُنْشئًا محدثًا للكلام ولم يكن مبلغًا؛ فالمبلغ إنما يبلغ كلام غيره إذا قرأت: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) تقول هذا كلامك أو كلام الرسول؟ كلام الرسول.
وإذا قرأت قول امرئ القيس:-
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل *** بسقط اللوى بين الدخول فحومل
تقول هذا كلام امرئ القيس، أنت مبلغ عنه، والكلام لامرئ القيس ليس لك. (إنما الأعمال بالنيات) - الكلام للرسول ليس لك، فالمبلغ إنما يبلغ كلام غيره.
الأصل الثاني: أن التبليغ فعل المبلغ وحقيقته أن يورد إلى الموصل إليه ما حمله إليه غيره فله مجرد التبليغ، قد ترجم الإمام البخاري -﵀- في الصحيح في كتاب التوحيد باب قراءة الفاجر والمنافق لا تجاوز حناجرهم، أراد من ذلك أن أفعال العباد وقراءتهم وأصواتهم مخلوقة، هم يقرءون كلام الله بأصواتهم فأصواتهم وقراءتهم هي أفعالهم، والمقروء كلام الله.
[ ٨٨ ]
وحقيقة كلام الله الخارجية هي ما يسمع منه أو من المبلغ عنه حقيقة كلام الله الخارجية ما يسمع منه كما سمعه جبرائيل، وكما سمعه نبينا محمد ﷺ وكما سمعه موسى وكما يسمعون نص كلام الله يوم القيامة، فحقيقة كلام الله الخارجية هي ما يُسمع منه أو من المبلغ عنه، فإذا سمعه السامع فكلام الله له مسموع، وإذا علمه وحفظه فكلام الله له محفوظ، وإذا قرأه فكلام الله له مقروء، وإذا كتبه فكلام الله له مكتوب، وهو حقيقة في هذه المواضع كلها لا يصح نفيها، ولو كان مجازًا صح نفيه.
ولو كان مجازًا لقيل ما قرأ القارئ كلام الله، وما كتب الكاتب كلام الله، وما سمع السامع كلام الله أو ما حفظ الحافظ كلام الله وهذا حق لأن ده فيه خطأ فهو حقيقة في هذه المواضع كلها.
فكلام الله محفوظ في الصدور، معلوم في القلوب، مقروء بالألسن، مكتوب في المصاحف، والفرق بين كون القرآن في زبر الأولين، وبين كون القرآن في لوح محفوظ، وفي كتاب مكنون، وفي رق منشور واضح فإن معنى ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)﴾ يعني: ذكره ووصفه والإخبار عنه، وفي زبر الأولين في كتب الأولين، فالقرآن في الإنجيل والتوراة ذكره وخبره، والوصف عنه وليس المراد أن القرآن نزل في التوراة والإنجيل؛ لأن القرآن إنما أنزله الله على محمد ﷺ كما أن فيه خبر النبي ﷺ.
وأما ما ترى في رق منشور في لوح محفوظ في كتاب مكنون يعني مكتوب فيه؛ ولهذا قال الإمام أبو حنيفة -﵀- في كتابه، في رسالة سماها "الفقه الأكبر" قال ما معناه:
"وكلام الله في المصاحف مكتوب، وعلى الألسن مقروء، وفي القلوب محفوظ، وعلى النبي ﷺ منزل، ولفظنا في القرآن مخلوق والقرآن غير مخلوق، وما ذكر الله في القرآن عن موسى -﵊وعن إبليس وفرعون كذلك كلام الله إخبارًا عنهم، وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق.
وكلام الله ليس ككلام المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا، ويتكلم لا ككلامنا"، أو كما قال ﵀.
والأدلة على ثبوت كلام الرب ﷿ وأن الله يتكلم بحرف وصوت، وأن الله موصوف بالكلام كثيرة منها قول الله ﷿ منها: تكلم الله -﷾- كلام الله لأنبيائه ورسله، وكلام الله مع أهل الجنة قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ وقال: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ وقال: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ .
ومن السنة ما ثبت في الحديث الذي رواه ابن ماجه: (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رءوسهم فإذا الرب -ﷻ- قد أشرق عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، فلا يزالون في نعيم حتى يتوارى عنهم فطاب بركة ونورًا) أو كما جاء في الحديث، والحديث وإن كان فيه ضعف إلا أن له شواهد.
ومن الأدلة على أن الله يتكلم، وأن الكلام قائم به قول الله -تعالى- ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عذابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ نفى التكليم عنهم عن أعدائه قال: لا يكلمهم أي لا يكلمهم كلام الله تكليم بل يكلمهم كلام سخط وغضب كما أخبر الله أنه يكلم أهل النار ويقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ .
ونفي الكلام عن أعداء الله يدل على أن الله يكلم عباده مقررًا، ولو كان لا يكلمهم لتساووا هم وأعدائه في عدم الكلام، أي: لو كان لا يكلم أعدائه فسخطه عليهم فهو يكلم أولياءه لرضاه عنهم.
ومن الأدلة قول الله -تعالى- أو قول النبي في الحديث الصحيح: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر) فالنبي ﷺ استعاذ بكلمات الله، فدل على أن كلام الله غير مخلوق كما تقول المعتزلة؛ لأن النبي ﷺ لا يستعيذ بمخلوق.
فالبخاري -﵀- بَوَّبَ في صحيحه: باب كلام الرب مع أهل الجنة وغيرهم وذكر فيه عدة أحاديث.
ومن الأدلة العقلية على أن الرب يتكلم والكلام قائم به: أن الكلام صفة كمال، والرب -﷾- لا يخلو من الكلام فلا بد أن يتصف الرب بالكلام، فالكلام صفة كمال، فلا يخلو الرب من هذا الكمال، وعدم الكلام نقص ينزه عنه الرب كما قال الله -تعالى- عن العجل وعُبّاده: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ وقال في الآية الأخرى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ .
[ ٨٩ ]
فعلى أن عدم الكلام نقص يستدل به على عدم ألوهية العجل، فالعجل ما يتكلم، بنو إسرائيل عبدوا العجل قال الله -تعالى- ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ .
هذا نقص يستدل به على عدم ألوهية العجل، فنفي رجوع القول يدل على عدم ألوهية العجل، وبنو إسرائيل سكتوا ما قالوا: إن الله لا يتكلم فهم في هذه الخصلة أحسن من المعتزلة، المعتزلة قالوا: إن الله لا يتكلم، والكلام مخلوق، وأما بنو إسرائيل الذين عبدوا العجل ما قالوا: ربك لا يتكلم لما قيل لهم: إن العجل لا يتكلم ما قالوا: وربك لا يتكلم فكانوا في هذه الخصلة أحسن من المعتزلة.
ومن الأدلة على أن كلام الله قديم النوع حادث الآحاد قول الله -تعالى-: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾ وفي الآية الأخرى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ فقوله "محدث" صريح في حدوث آحاد كلام الله، ولا يفهم من ذلك أن تحل الحوادث في ذات الرب؛ لأن كلام الله لا يماثل كلام المخلوقين، إنما كلام المخلوقين هو الذي يلزم منه الحدوث في ذواتهم، أما كلام الرب فلا يماثل كلام المخلوقين.
ومن الأدلة أيضًا على أن كلام الله آحاده حادثة قول الله -تعالى-: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾ الله -تعالى- أخبر عن سماعه لكلام المجادلة بلفظ الماضي "سمع" وهذا يدل على أن المجادلة والجدال الذي حصل كان قبل نزول الآية.
ثم نزلت الآية بعد المجادلة فدل هذا على نزول الآية، وأن الرب تكلم في هذه الآية بعد حصول الحادثة، وهي المجادلة.
فالمرأة التي جاءت تجادل النبي ﷺ في زوجها هي خولة بنت حكيم لما ظاهر منها قالت: (أشكو إلى الله صبية إن ضممتهم إليّ ضاعوا أو إليه جاعوا وجعلت تجادل النبي فيقول: "ما أرك إلا حرمت عليه" فجاءت تشتكي إلى الله فقالت: أشكو إلى الله صبية (أولادها الصغار) إن ضممتهم إلي ضاعوا أو إليه جاعوا قالت عائشة -﵂- إنه يخفى علي بعض الكلام من المرأة سبحان من وسع سمعه الأصوات) لكن الله سمع كلامها من فوق سبع سماوات وأنزل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ .
فهذا دليل على أن آحاد كلام الله حادثة متى تكلم الله، قد سمع تكلم بعد حصول القصة بعد المجادلة، فهذا دليل على حدوث آحاد كلام الله، وأن كلام الله وإن كان قديم النوع لكن أفراده حادثة، ومثل قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١)﴾ فالله أخبر عن خروج نبيه ﷺ أول النهار بلفظ الماضي قد غدوت، وهذا يدل على سبق التبوؤ للخبر يعني أن النبي خرج أول النهار وبوأ المؤمنين مقاعد للقتال ثم أنزل الله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ فالتبوؤ والخروج سابق لنزول الآية، وهذا يدل على أن كلام الله أفراده حادثة.
ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ﴾ "ثم" تفيد الترتيب والتراخي، فالخلق والتصوير خلق آدم وتصويره سابق ثم تكلم الله قال للملائكة: اسجدوا لآدم.
والأدلة في هذا كثيرة، والمعتزلة لهم شُبَهٌ في قولهم: إن كلام الله مخلوق وهي موجودة الآن ومنتشرة في فكر تراه، مذهب الأشاعرة والمعتزلة يدرس الآن في بعض البلدان العربية ولهم مؤلفات موجودة حتى كثير من المفسرين الآن غلطوا في هذا فالزمخشري كتابه "الكشاف" مبني على هذا حتى قال البلقيني: "استخرجت من الكشاف اعتزالًا بالمناقيش" بالمنقاش خفي منها أنه قال في قوله ﷿ ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾ قال: أي فوز أعظم من الجنة هو قصده بذلك إمكان رؤية الله يوم القيامة الرؤية أعظم نعيم وهو الجنة.
إذا كانت كتب التفسير الآن موجود فيها مذهب المعتزلة فقد يقرأ طالب العلم وينطلي عليه فلا بد لطالب العلم أن يكون على إلمام ببعض الشبه، فمذهب المعتزلة ومذهب الأشاعرة مذهبان منتشران، ومذهب الأشاعرة أكثر ولهم شُبَه، ونحن حينما نستعرض يعني شيئًا من شبههم حتى يكون طالب العلم على شيء من الإلمام بشبههم والرد عليها.
من شبه المعتزلة العقلية أنهم يقولون: إنه يلزم من إثبات الكلام لله التشبيه والتجزيء لو قلنا: إن الله يتكلم والمخلوق يتكلم تشابه الخالق والمخلوق والله ليس كمثله شيء.
[ ٩٠ ]
والجواب عن هذه الشبهة أن نقول: إننا إذا قلنا: إن الله يتكلم، ولا نعلم كيف يتكلم زالت هذه الشبهة نقول: إن الله يتكلم ليس ككلام المخلوق يتكلم، ولا نعلم كيف يتكلم الله ليس له مثيل لا في ذاته، ولا في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله هو يتكلم، ولا نعرف كيف يتكلم قالوا: لو قلنا: إن الله يتكلم لزم من ذلك صوت يخرج من الرئة يكون أضراس يلزم من الكلام أضراس وأسنان ولسان ولثة وشفتان، والله منزه عن ذلك فلا نقول: إن الله يتكلم حتى لا يشابه المخلوقين الذين يتكلمون بألسنتهم ويخرج الكلام من الرئة.
وكذلك أيضًا من الشفتين ومن الأضراس والحروف منها ما يخرج من الأضراس الخ ففرارًا من ذلك قالوا: لا يتكلم نقول: إن الله يتكلم ولا نعلم كيف يتكلم، ونحن نرى بعض المخلوقات تتكلم، ولا نرى كيف تتكلم فهذه الجلود تنطق يوم القيامة والأرجل والأيدي تشهد قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نختمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ هل الجلود والأيدي والأرجل لها لسان ولها شفتان ولها أضراس؟ قال تتكلم بلا بدون شيء بدون أضراس وأسنان ولا شفة ولا رئة كيف تتكلم؟ كيف تتكلم الجلود كيف تتكلم الأرجل؟ ما نعلم.
كذلك ثبت تسبيح الحصا والطعام بين يدي النبيﷺ- يسبح الحصا والطعام كيف يتكلم الحصا والطعام هل لها أضراس وأسنان، وقال: (إني أعرف الحجر يسلم علي بمكة -﵊) -كذلك الجذع حنَّ وصاح وبكى مثل بكاء الصبي وجعل يهدئه فجعل يهدأ شيئًا فشيئًا كما يهدأ الصبي، الجذع له لسان؟ .
إذا كانت بعض المخلوقات تتكلم، ولا نعلم كيف تتكلم فمن باب أولى أن الله يتكلم ولا نعلم كيف يتكلم، وعلى هذا تبطل هذه الشبهة من شبههم يقولون إن الله خلق الكلام في محل لا في محل عند بعضهم وفي محل آخر عند بعضهم مخلوق أضيف إلى الله نقول لهم: الذين يقولون: إن الكلام خلق لا في محل كيف يكون الكلام مخلوقًا لا في محل الكلام معنى من المعاني لا بد أن يقوم بغيره محال أن يكون الكلام مخلوقًا لا في محل.
ونقول للطائفة الثانية الذين يقولون: إنه خلق في محل لكنه أضيف إلى الله فصار الله متكلمًا به نقول كيف يكون الكلام قائمًا بغير ذات الرب، ويكون متصلًا به، الكلام لا بد أن يكون بمتكلم كيف يقولون: إن الكلام مخلوق خارج عن ذات الله فصار الله به متكلمًا لو صح الله أن يوصف الله بكلامه صفات لم تقم به لصح أن يوصف فيما خلقه في غيره من المخلوقات من الصفات من الروائح والألوان والطعوم والطول والقصر لو صح أن يتكلم الله بكلام قام بغيره للزم أن يكون ما خلقه في غيره من الحيوانات، وما أحدثه من الجمادات كلامًا له كما فرض ذلك الاتحادية وهذا باطل.
وكيف يوصف الله بصفة قامت بغيره لو صح أن يوصف الله بصفة قامت بغيره لو صح أن يوصف الشخص بصفة قامت بغيره لصح أن يقال للأعمى بصير، ولصح أن يقال للبصير أعمى؛ لأن الأعمى قام وصف البصر بغيره والبصير قام وصف العمى بغيره وهذا باطل لو كان الكلام بدأ من الله بدأ من غيره وقام به متكلمًا لكان قول فرعون ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ صدقًا وهذا باطل.
ومن شُبَههم يقولون: إن الكلام كلام الله مخلوق لكنه أضيف إلى الله إضافة تشريف وتكريم، كما أن البيت بيت الكعبة أضيف إلى الله للتشريف بيت الله والناقة أضيفت إلى الله ناقة الله تشريف والعبد عبد الله أضيف إلى الله تشريف والروح أضيف إلى تشريف، كذلك الكلام أضيف إلى الله وإن كان مخلوقًا كغيره للتشريف والتكريم هذه من شبههم.
والجواب أن هذه الشبهة باطلة وذلك أن المضاف نوعان: النوع الأول أعيان قائمة بذاتها كالبيت والعبد والرسول والروح قال عبد الله، روح الله عيسى روح الله وكلمته، هذا بيت الله ناقة الله هذه إضافة مخلوق إلى خالقه لأنها أعيان قائمة البيت عين قائم بنفسه، الناقة عين قائمة بنفسها، العبد عين قائم بنفسه الروح عين قائم بنفسها، فإذا أضيفت إلى الله فهي إضافة مخلوقة إلى خالقه، وهذه الإضافة للتشريف والتكريم وتقتضي هذه الإضافة التشريف والتكريم لما امتاز به ذلك المضاف من الصفات.
النوع الثاني إضافة معاني وأوصاف لا تقوم بنفسها كالعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام هل هذه تقوم بنفسها هل الكلام ذات قائم بنفسه هل العلم ذات قائم بنفسه، هذه إضافة صفة إلى موصوف إضافة معاني إلى الموصوف وتقتضي هذه الإضافة اتصاف الموصوف بهذه الصفات وقيامها به وهذا فرق بديهي لا ينكره إلا من أنكر المحسوسات.
[ ٩١ ]
هذه من أبرز الشبه التي يشبه بها المعتزلة الذين يقولون: إن القرآن ليس كلام الله وإنما هو مخلوق خلقه في غيره فصار به متكلمًا، وبهذا القدر نكتفي ونسأل الله للجميع العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ٩٢ ]