السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد
فلا يزال الحديث موصولًا عن صفة الكلام وقلنا: إن هناك ثلاثة مذاهب منتشرة في مسألة الكلام انتشارًا عظيمًا، وهي مذهب أهل السنة والجماعة، ومذهب المعتزلة، ومذهب الأشاعرة.
سبق الكلام على مذهب أهل السنة وأدلتهم، واستعرضنا بعض الشُّبَه للجهمية والمعتزلة الشبه العقلية؛ ولهم شبه شرعية بالأدلة بنصوص من الكتاب والسنة من شبه شرعية، استدلوا على ما ذهبوا إليه من أن القرآن مخلوق، وأن كلام الله مخلوق استدلوا بقول الله --﷿-: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فوجه الاستدلال أنهم قالوا: إن كل من صيغ العموم فتعم كل شيء ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ويدخل في هذا العموم صفة الكلام، ويدخل في هذا العموم صفة الكلام فيكون الكلام مخلوقًا فيكون القرآن مخلوقًا ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ والقرآن شيء من الأشياء، وكلام الله شيء من الأشياء فيكون مخلوقًا.
أجاب أهل السنة والجماعة عن هذه الشبهة بأجوبة:
الجواب الأول: أن الخالق -﷾- اسم الخالق يشمل الذات والصفات فصفاته ليست خارجة عن مسمى ذاته فالله -﷾- بذاته وصفاته هو الخالق، وما سواه مخلوق، فهو الخالق بذاته وصفاته، وكلامه صفة من صفاته ليست خارجة عن مسمى اسمه فالله هو الخالق بذاته وصفاته وما سواه مخلوق.
ويقال للمعتزلة: كيف أدخلتم كلام الله الذي هو صفة من صفاته في هذا العموم وأخرجتم أفعال العباد فقلتم: إن الله لم يخلقها مَن الذي أخرج أفعال العباد عن هذا العموم هذا يدل على أنكم أهل هوى، كيف أخرجتم من هذا العموم أفعال العباد ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ للذوات والصفات والأفعال وأفعال العباد داخلة في هذا العموم فتكون مخلوقة، فكيف أخرجتموها عن عموم الكل وأدخلتم في هذا العموم الكلام الذي هو صفة من صفاته؟
وهذا يدل على أن المعتزلة أصحاب هوى متناقضون كيف يدخلون في هذا العموم صفات الله، صفة الكلام الذي هو صفة من صفات الله الذي هو داخل في مسمى اسمه، ويخرجون عن هذا العموم أفعال العباد فيقولون: إنها ليست مخلوقة لله بل هو خالق لها، هذا يدل على أنهم أهل هوى.
الجواب الثاني: أن الكلام صفة من صفات الله، به تكون المخلوقات فالله تعالى يخلق بالكلام قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ وقد فرق الله -﷾- بين الخلق والأمر فقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ فالخلق شيء والأمر شيء آخر، فلو كان الكلام مخلوقًا ولو كان الأمر مخلوقًا للزم أن يكون مخلوقًا بأمر آخر، والآخر بآخر إلى ما لا نهاية فيلزم التسلسل وهو باطل، ويتبين بهذا أن الكلام صفة من صفات الله به تكون المخلوقات؛ لأن الله يخلق كل شيء ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ .
والجواب الثالث: أن عموم كل في كل موضع بحسبه فلما قال الله ﷿ في الريح التي أهلك الله بها عاد ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ تدمر كل شيء هذه من صيغ العموم؛ لكن العموم في كل موضع بحسبه بدليل أن هناك بعض الأشياء ما دمرتها؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ فالمساكن ما دمرتها الريح ولا دمرت الريح السماوات والأرض فالمعنى -والله أعلم- ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يصلح للتدمير أو يستحق التدمير عادة.
ومثل قول الله ﷿ عن ملكة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ هناك أشياء ما أوتيتها، والمعنى -والله أعلم- وأوتيت من كل شيء يصلح للملوك، فكذلك عموم كل في هذه الآية الكريمة المراد الله خالق كل شيء مخلوق كل شيء المراد به المخلوقات، ولا يدخل في ذلك صفات الله، لا يدخل في ذلك الكلام؛ لأنه صفة من صفاته داخل في مسمى اسمه.
الجواب الرابع: أن فرض مذهب المعتزلة أن تكون جميع الصفات مخلوقة من العلم والقدرة والحياة، وهذا صريح الكفر يعني فرض مذهبهم أن يقولوا كل الصفات مخلوقة، أليس الكلام صفة من صفات الله، فإذا كان الكلام مخلوقًا إذا يلزمكم أن تقولوا: جميع الصفات مخلوقة: العلم، والقدرة، والحياة ومن قال: إن حياة الله مخلوقة فهو كافر كفرًا صراح، إذن فرض مذهبهم يوصل إلى الكفر لكنه لا يلتزم بهذا، لو التزموا كانوا كفارًا صرحاء.
[ ٩٥ ]
ومن شبههم الشرعية التي استدلوا بها قول الله -تعالى- ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ قالوا: "جعل" بمعنى خلق والمعنى إنا خلقناه قرآنا عربيا وهذا يدل على أن القرآن مخلوق أجاب أهل الحق عن هذا الاستدلال بأنه استدلال باطل؛ لأن جعل إنما تكون بمعنى خلق إذن تعدت إلى مفعول واحد لا إلى مفعولين إذا تعدت إلى مفعول واحد جعل تصدر عن خلق كقوله -تعالى-: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)﴾ ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ .
"جعل" بمعنى خلق في هذه الآيات، ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ وخلقنا من الماء كل شيء حي، أما إذا تعدت إلى مفعولين فلا تكون بمعنى خلق وفي هذه الآية تعدت إلى مفعولين ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ فلو فسرت جعل بمعنى خلق لفسد المعنى ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ هل يستطيع معتزلي أن يقول المعنى وقد خلقتم الله كفيلا، ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ (٩١)﴾ هل يقول المعتزلي الذين خلقوا القرآن عضين ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ هل يمكن أن تفسر جعل بمعنى خلق لا يمكن، وكذلك في هذه الآية ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا﴾ لا تكون بمعنى خلق، وبهذا يبطل استدلال المعتزلة بهذه الآية.
الدليل الثالث: استدلوا بقول الله ﷿ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾ قالوا: هذا وجه الدلالة أن الله أخبر أن القرآن قول رسول، ودل على أن القرآن مخلوق، وليس كلام الله؛ لأن الله نسبه إلى الرسول قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ وهو مخلوق، والله خلق الرسول، وخلق كلامه فيكون القرآن مخلوقًا.
أجيب عن هذه الشبهة بأجوبة:
الجواب الأول: أن الله تعالى قال: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ والرسول إنما يبلغ عن المرسل فلم يقل: إنه قول نبي، بل قال قول رسول الرسول لا ينشئ الكلام، وإنما يبلغ كلام غيره، فدل على أن الكلام كلام الله، والرسول يبلغ كلام الله، إنه لقول رسول الرسول يبلغ عن المرسل، ولهذا لم يقل: إنه نبي.
الجواب الثاني: أن الرسول جاء في موضعين من كتاب الله ﷿ في موضع في سورة التكوير: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾ وهذا المراد به الرسول الملكي وهو جبريل، وجاء في سورة الحاقة ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾ وهذه المراد به الرسول البشري وهو محمد -﵊أي الرسولين أحدث نظم القرآن أي الرسولين على زعمكم أيها المعتزلة أحدث نظم القرآن إن أحدثه محمد امتنع أن يحدثه جبريل، وإن أحدثه جبريل امتنع أن يحدثه محمد.
وهذا يدل على بطلان قولكم هذا يدل على أن المراد أن الرسول مبلغ والله تعالى تكلم بالقرآن وسمعه جبرائيل وبلغه إلى محمد ثم قرأه محمد -﵊وبلغه الأمة.
رابعًا: أنه قال في وصفه ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ في سورة التكوير والأمين ووصفه بالأمانة يدل على أنه يبلغ ما أرسل به كما أنزل لا يزيد ولا ينقص فجبريل يبلغه كما سمعه من الله ﷿ على ما أرسل به لا يزيد فيه ولا ينقص منه.
خامسًا: أن قولكم: إن قول المعتزلة: إن محمد أحدث نظم القرآن هذا القول يجعله داخلًا في الوعيد الذي توعد الله به الوليد بن المغيرة الذين قال الله عنه ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ الله قال توعد من قال بأن هذا القرآن قول البشر بأن يصليه سقر فمن قال إن القرآن قول محمد ومحمد بشر -﵊فهو داخل في هذا الوعيد ويكون المعتزلة داخلين في هذا الوعيد.
ومن أدلة أهل السنة والجماعة على أن القرآن كلام الله أن الله أخبر بأنه منزل ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)﴾ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ .
[ ٩٦ ]
فهذه النصوص صريحة في أن القرآن منزل، اعترض المعتزلة على هذه النصوص التي فيها أن القرآن منزل قالوا: إن الأخبار عن القرآن أنه منزل لا يمنع أن يكون مخلوقًا؛ لأننا نجد أن بعض المخلوقات أخبر الله عنها بأنها منزلة وهي مخلوقة، وقد اتفقتم معنا يا أهل السنة على أنها مخلوقة، فالله تعالى قال عن الحديد: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ فالله أخبر عن الحديد أنه منزل؛ ومع ذلك فهو مخلوق؛ وأنتم توافقوننا على هذا.
وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أخبر الله عن الأنعام بأنها منزلة وهي مخلوقة وأنتم توافقننا على هذا قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أخبر الله أنه أنزل من السماء ماء، والمطر مخلوق وأنتم توافقننا على هذا، الحديد والأنعام والمطر مخلوقة مع أن الله أخبر أنها منزلة فكذلك القرآن مخلوق، ولو أخبر الله بأنه منزل، فلا يمنع أن يكون مخلوقًا.
أجيب عن هذا الاعتراض أجاب أهل الحق أن هناك فرق بين إنزال القرآن وإنزال الحديد والأنعام والمطر. فإنزال القرآن صريح في الآيات أنه منزل من عند الله لا من غيره منزل من عند الله، تنزيل الكتاب من الله العزيز الحميد من الله ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ فهو صريح بأنه منزل من عند الله.
أما الحديد فإن إنزاله مطلق ما أخبر الله أن الحديد منزل من عنده قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ فهو مطلق وذلك أن الحديد إنما يؤخذ من الجبال والجبال عالية على وجه الأرض فإنزال الحديد يؤخذ من أعالي الجبال؛ وكلما كان أخذ الحديد من أعلى الجبل كان حديده أجود فهذا إنزال من الجبال ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ .
والأنعام أخبر الله أنها منزلة ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ وذلك أن الأنعام إنما تخلق بالتوالد والتوالد يستلزم إنزال الذكور الماء من أصلابها إلى أرحام الإناث فهذا إنزال الماء من أصلاب الذكور إلى أرحام الإناث، ثم الأجنة تنزل من بطون الأمهات على وجه الأرض فهذا إنزال.
﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ﴾ وأما إنزال المطر قال الله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ هو مقعد بأنه من السماء والسماء العلو من جهة العلو وأنزلنا من السماء ماء طهورًا، وفي الآية الأخرى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤)﴾ والمعصرات السحاب الآية الأخرى ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ والمزن هو السحاب فتبين بهذا الفرق بين إنزال القرآن وإنزال الحديد والأنعام والمطر، وذلك أن إنزال القرآن صريح بأنه منزل من عنده سبحانه بخلاف الحديد والأنعام والمطر.
هذه أمثلة لشبه الأشاعرة حتى يكون طالبي العلم على بصيرة من هذا؛ لأنك لو فتحت "الكشاف" للزمخشري أو غيره تجد هذه التأويلات تجد هذه التأويلات فيكون طالب العلم على بصيرة من أمره إذا عرف بعض الأمثلة يقيس عليها بقية الأمثلة، وهذه موجودة ومُدَوَّنَة في الكتب وفي التفاسير، فطالب العلم حينما يبحث ويقرأ قد ينطلي عليه بعض هذه التأويلات فيكون على بصيرة، ومسألة الكلام من المسائل العظيمة المهمة.
ننتقل إلى شبه الأشاعرة، الأشاعرة وهم طائفة كبيرة يسمون أنفسهم أهل السنة وتأويلاتهم موجودة ومنتشرة في الكتب التي بين أيديكم في كتب الفقه وغيرها في كتب الأصول، أصول الفقه وغيرها، كلها موجودة تأويلات الأشاعرة وقد يسمون أنفسهم أهل السنة، وهم ينافسون أهل السنة في كثير من الأزمان فلا بد للمسلم لطالب العلم على إلمام بحقيقة مذهب الأشاعرة وبيان بعض الشبه التي يركزون عليها حقيقة مذهب الأشاعرة في كلام الله ﷿ والقرآن يقولون: إن كلام الله معنى قائم بالنفس ليس بحرف ولا صوت معنى قائم بنفس الرب ﷿ والله تعالى لا يُسْمَع منه الكلام بل الكلام معنى قائم بنفسه لا يسمع.
وأما الموجود في المصاحف فهذا عبارة عن كلام الله عبر به جبريل أو عبر به محمد ويسمى ما في المصحف كلام الله مجازًا، ولهذا إذا قلت لبعض الأشاعرة عند التسامح يقول الأشاعرة: المصحف فيه كلام الله يقولون المصحف كلام الله، كلام الله في المصحف لكن عند المناظرة وبيان حقيقة المذهب يقولون: لا ليس في المصحف كلام الله لكن نسميه كلام الله مجازًا؛ لأنه تأدى به كلام الله؛ ولأنه دليل على كلام الله؛ أما كلام الله فهو معنى قائم بنفسه ولهذا -والعياذ بالله- بعضهم قد يدوس في المصحف بين قدميه ويقول ليس فيه كلام الله نسأل الله السلامة والعافية.
[ ٩٧ ]
فإذن حقيقة مذهب الأشاعرة أن كلام الله معنى قائم بنفسه، وأما النظم المسموع المقروء في المصاحف فهو دليل على القرآن مخلوق فعلى هذا يكون القرآن من شيئين أو كلام الله من شيئين، شيء له نصفان، نصفه غير مخلوق وهو المعنى القائم بنفس الرب والحروف والكلمات مخلوقة فيقولون نصفه مخلوق ونصفه غير مخلوق نصفه مخلوق وهو الحروف والكلمات التي يقرؤها القارئ ونصفه غير مخلوق وهو المعنى القائم بنفس الرب كيف عرف جبريل ما في نفس الله قالوا: لهم أقوال في ذلك بعضهم يقول: إن الله اضطر جبريل ففهم المعنى القائم بنفسه اضطرارًا فعبر عنه فهذا عبارة عبر بها جبريل، الله اضطره ففهم المعنى القائم بنفسه فعبر عنه يعني مثل، مثال ذلك أن يكون عندك أخرس لا يتكلم فيشير إليك بالإشارة ثم تكتب إشارته تفهم إشارته وتكتبها هذا، والعياذ بالله، جعل الله كالأخرس نسأل الله العافية عاجز عن الكلام.
وبعضهم يقول: إن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ وبعضهم يقول: فهمه من الرب؛ لأن الله اضطره ففهم المعنى القائم بنفسه؛ فإذن حقيقة مذهب الأشاعرة أن نصفه مخلوق، وهو الحروف والكلمات ونصفه غير مخلوق، وهو المعنى القائم بنفسه، وهذا يوافق نصف مذهب المعتزلة، المعتزلة يقولون: القرآن مخلوق لفظه ومعناه اللفظ والمعنى مخلوق، والأشاعرة يقولون: معناه غير مخلوق، ولفظه مخلوق.
فهم يوافقون المعتزلة في نصف مذهبهم كما أن الأشاعرة يشابهون النصارى في مسألة اعتقادهم في عيسى، فإن النصارى يعتقدون أن عيسى مكون من شيئين جزء من الإله وجزء من الناس اتحدا وامتزجا فصارا شيئًا واحدًا يقال له المسيح المسيح عيسى ابن مريم فيه جزء من الإله وجزء من الناس امتزجا وصارا هذا هو المسيح عندهم.
والأشاعرة له شبه بهذا المذهب، فإن الأشاعرة يقولون: إن كلام الله معنى قائم بنفسه، وأما الألفاظ والحروف والكلمات دليل يفهم بها المعنى القائم بنفس الرب فإفهام المعنى القديم الذي هو في نفس الرب بواسطة الألفاظ والحروف والكلمات يشبه امتزاج اللاهوت بالناسوت الذي قالته النصارى في عيسى، عيسى النصارى قالوا: امتزج اللاهوت بالناسوت والأشاعرة قالوا: إن القرآن معنى قائم بنفس الرب لكنه لا يفهم إلا بواسطة الألفاظ التي يتكلم بها الآدميون فإفهام المعنى القديم بواسطة اللفظ الذي يتكلم به الآدميون يشبه امتزاج اللاهوت بالناسوت الذي قالته النصارى في عيسى.
كما أن قول الأشاعرة: إن محمدًا أحدث لفظ القرآن؛ لأنهم يقولون إما أحدثه جبريل أو محمد يشبه قول الوليد بن المغيرة عن القرآن إنه قول البشر قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ ويتناولهم هذا الوعيد فإن الوليد بن المغيرة قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ والأشاعرة قالوا: هذا الذي في المصحف قول البشر فيدخلون في هذا الوعيد من أدلة الأشاعرة على أن القرآن معنى قائم بالنفس لا يُسْمَع ليس بحرف ولا صوت ولا لفظ استدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾ .
قالوا: وجه الدلالة أن الله قال: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فدل على أن القول إنما يكون في النفس وأما الألفاظ والحروف والأصوات فليست من القول؛ لأن الله قال: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فدل على أن كلام الله معنى قائم بنفسه.
وأجيب عن هذا الاستدلال بجوابين: الجواب الأول جواب بالمنع والجواب الثاني جواب بالتسليم.
الجواب الأول جواب بالمنع، وهو أن نقول: نمنع أن يكون المراد في الآية في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ المعنى القائم بالنفس، وإنما المراد القول سرًا ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني يقولون سرا يتكلمون بألسنتهم سرا كما قاله أكثر المفسرين، وذلك أن اليهود كانوا يأتون النبي ويقولون سام عليك، والسام الموت، وهم يظهرن أنهم يلقون السلام فيحلفون لله ويقولون سام عليك يعني الموت ثم إذا خرجوا من عند النبي ﷺ قال بعضهم البعض سرًا لو كان نبيًا عذبنا بقولنا له ما نقول، فأنزل الله ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ يعني يقولون سرًا فيما بينهم وبين بعضهم إذا خرجوا من عند النبي ﷺ لو كان نبيًا لعذبنا بقولنا؛ لأننا نقول سام عليك وهذا هو الذي عليه أكثر المفسرين ويؤيده ما ثبت في الصحيحين في الحديث القدسي أن النبي ﷺ قال (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم من ذكرني في نفسه) معناه تكلم سرًا ذكر الله سرًا بدليل قوله: (ومن ذكرني في ملأ) (من ذكرني في نفسه) يعني سرًا ذكرته في نفسي (ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) .
[ ٩٨ ]
الجواب الثاني: جواب بالتسليم وهو أن نقول سلمنا جدلًا ومعنى التسليم أن توافق الخصم من هذه الجهة لترد عليه من جهة أخرى هذا معنى التسليم عندنا معنى التسليم يعني أن توافق الخصم على ما يقوله من هذه الجهة لترد عليه من جهة أخرى مثل الفارس الذي يأتي إلى العدو وقد تحصن بحصن فينصرف يوهم العدو بأنه منهزم فإذا خرج العدو كر عليه فضربه، سلمنا أن قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ قول في النفس وأنه ليس فيه حروف ولا كلمات.
سلمنا جدلًا لكن الآية مقيدة بأنه قول في النفس، وإذا قيد القول بأنه في النفس تقيد وإذا قيد تقيد، ويقولون في أنفسهم ونظيره الحديث الصحيح: (إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل) فإذا قيد القول بأنه في النفس تقيد هل قيد كلام الله أنه في النفس ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ هل قال الله: وكلم الله موسى في نفسه ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ هل قال: وكلمه في نفسه، فإذا قيد القول بأنه في النفس تقيد أما إذا لم يتقيد فلا يكون القول في النفس، وإنما يكون قولًا يتكلم به المتكلم حروف وألفاظ وكلمات.
ومن الأدلة التي يركز عليها الأشاعرة وهي منتشرة وموجودة في الكتب الاستدلال ببيت من الشعر منسوب إلى الأخطل.
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما *** جعل اللسان على الفؤاد دليلًا
وجه الدلالة: قالوا: إن هذا بيت عربي، والقرآن نزل بلغة العرب، وأثبت الشاعر العربي أن الكلام إنما يكون في الفؤاد أي: في النفس، وأما ما يكون في اللسان الحروف والكلمات، واللفظ فهذا دليل على الكلام الذي في النفس فدل على أن كلام الله معنى قائم بنفسه لا بحرف ولا صوت إن الكلام لفي الفؤاد.
الكلام في الفؤاد، وأما اللسان فهو دليل على ما في الفؤاد، والقرآن نزل بلغة العرب وهذا شاعر عربي أثبت أن الكلام إنما يكون في النفس، أما الألفاظ والحروف والأصوات فهي دليل عليه، فدل هذا على أن كلام الله معنى قائم بنفسه ليس بحرف ولا صوت، وهذا هو الذي نقرره هكذا يقول الأشاعرة أجاب أهل الحق عن هذا الاستدلال في أجوبة.
الجواب الأول: أنا لا نسلم أن هذا البيت للأخطل فهذا البيت مصنوع مختلق لا يوجد في ديوان الأخطل وكثير من النحويين ينكرون نسبته إليه فكيف تستدلون ببيت مصنوع مختلق لا أساس له من الصحة منسوب إلى الأخطل خطأ غلط أنتم نسبتموه إلى الأخطل، والأخطل ما قاله بدليل أنه لا يوجد في ديوانه، وبدليل أن النجاة وأهل اللغة أنكروا نسبته إليه وبهذا يبطل استدلاتكم تصنعون بيتًا ثم تستدلون به على كلام الله وكلام رسوله هذا الجواب الأول.
الجواب الثاني: سلمنا وهذا التسليم كما سبق من جهة للرد من جهة أخرى سلمنا بصحة البيت وأن الأخطل قاله لكنه قول واحد من أهل اللغة فلا يقبل حتى يوافقه أهل اللغة، وإذا كان حديث رسول الله ﷺ لا يقبل حتى يصح سنده وتعدل رواته ولا يكون شاذًا ولا معللًا فكيف ببيت من الشعر لا يدرى من قاله بيت من الشعر قاله واحد لكن ما وافقه أهل اللغة فيكون شاذًا.
حديث الرسول -﵊إذا جاء مخالفا للأصول صار علة ما يقبل؛ لأن من شرط الصحيح أن يكون السند متصل، وأن يكون الرواة عدول ثقات، وأن لا يكون الحديث شاذ ولا معلل وهذا بيتي شاذ لا يقبل.
الجواب الثالث: سلمنا صحة البيت وسلمنا نسبته إلى الأخطل سلمنا قبول أهل اللغة له لكن ليس مقصود الشاعر بقوله: إن الكلام لفي الفؤاد. الكلام العاري عن الألفاظ والحروف والكلمات بل مقصود الشاعر أن الكلام الحقيقي هو الذي يهيئه الإنسان في نفسه ويزنه بعقله قبل أن ينطق به ويتروى إن كلامنا في الرد على الكلام الحقيقي الكلام الموزون.
الكلام الذي يتروى فيه صاحبه ويهيئه في نفسه ويزنه في عقله قبل أن ينطق به هذا هو الكلام الحقيقي، أما الكلام الذي يجري على اللسان من دون تَرَوٍ ومن دون نظر فهذا يشبه كلام النائم والهاذي لا قيمة له اللسان إذا أراد أن يتكلم يتكلم بكلام موزون وبكلام مهيأ، ولهذا روي البيت برواية أخرى وهي أقرب إلى الصحة.
إن البيان لفي الفؤاد وإنما ***
إن البيان لفي الفؤاد وهذا أقرب للصحة.
رابعًا: سلمنا صحة البيت وأنه للأخطل وسلمنا موافقة أهل اللغة له وسلمنا أن المراد بالبيت الكلام النفسي العاري عن الحروف والألفاظ لكنه قول نصراني الأخطل نصراني قول نصراني، والنصارى قد ضلوا في معنى الكلام فإن النصارى زعموا أن المسيح هو كلمة الله كلمة كن نفس الكلمة قال النصارى: إن عيسى نفس الكلمة.
[ ٩٩ ]
وأهل السنة يقولون: ليس نفس الكلمة عيسى مخلوق بالكلمة، وليس نفس الكلمة: ﴿إِن مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ إذن عيسى مخلوق بالكلمة، هذا عند أهل الحق النصارى يقولون عيسى نفس الكلمة النصارى هم أنفسهم ضلوا في معنى الكلام فكيف تستدل بقول نصراني ضل أفيستبدل بقول نصراني قد ضل في معنى الكلام على معنى الكلام؟
كيف نستدل بقول نصراني ضل في معنى الكلام على معنى الكلام؟ ويترك ما يعرف بمعنى الكلام من النصوص واللغة.
سادسًا: سلمنا جدلًا الاستدلال بقول النصارى لكن البيت يلزم عليه معنى فاسدًا وهو أن يسمى الأخرس متكلمًا، يلزم على البيت لو سلمنا الاستدلال به معنى فاسدا وهو التسمية الأخرى متكلمًا، لقيام الكلام بنفسه، وإن لم يتكلم به يلزم عليه أن يسمى الأخرس متكلما لقيام الكلام بنفسه، وإن لم ينطق به والأخرس لا يسمى متكلمًا لا شرعًا ولا عقلا ولا لغة ولا حسًا، وبهذا يبطل استدلال الأشاعرة بهذا البيت.
ومما ناقش به أهل الحق الأشاعرة أنهم قالوا: الأشاعرة يقولون: إن الكلام معنى واحدًا لا يتعدد ولا يتجزأ ولا يتكثر معنى واحدًا، والتعدد والتجزؤ والتكثر في الدلالات والعبارات.
قالوا لهم: الله تعالى أخبر أن موسى سمع كلام الله فهل سمع موسى جميع المعنى أو بعض المعنى هل سمع موسى جميع المعنى، أو بعض المعنى إن قلتم سمع جميع المعنى فقد زعمتم أن موسى سمع جميع كلام الله، وهذا باطل، وإن قلتم سمع بعض كلام الله فقد قلتم بالتبعض وأبطلتم مذهبكم بأنفسكم، لا محيد لكم عنهما، إن قلتم سمع جميع المعنى فقد زعمتم أن موسى سمع جميع كلام الله، وإن قلتم سمع البعض فقد قلتم بالتبعض وهذا خلاف مذهبكم.
ومن المناقشات أن يقال: لو كان الكلام معنى قائما بالنفس كما تزعمون أيها الأشاعرة وأن الدلالات والعبارات هي التي تختلف للزم على ذلك ملازم فاسدة منها: أولًا: أن يلزم على قولكم: إن الكلام معنى قائم بالنفس وأنه لا يتعدد ولا يتبعض أن يكون معنى قوله ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هو معنى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ وأن يكون معنى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هو معنى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ وأن يكون معنى آية الدين هو معنى آية الربا، وأن يكون معنى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ هو معنى ﴿تَبَّتْ يَدَا﴾ وهذا باطل.
ثالثًا: لو كان الكلام معنى قائم بالنفس وأن المصحف ليس فيه شيء من كلام الله لجاز للمُحْدِث مس المصحف، وهذا خلاف ما أجمع عليه الأئمة الأربعة أنه يجب على المحدث أن يتوضأ لِمَسِّ المصحف، كما جاء في الحديث الذي كتبه النبي ﷺ لعمرو بن حزم: (ألا يمس القرآن إلا طاهر) .
فلو كان المصحف ما فيه كلام الله لجاز للمحدث مسه ولو كان القارئ ما يقرأ كلام الله لجاز للجنب أن يقرأ وهو لم يغتسل وكذلك الحائض عند كثير من الفقهاء على الخلاف في المسألة لو كان الكلام معنى قائم بالنفس للزم أن يسمى الأخرس متكلمًا والأخرس لا يسمى متكلمًا، ويقال للأشاعرة: إن النصوص الكثيرة تبطل قولكم: إن الكلام معنى قائم بالنفس إن كلام الله معنى قائم بنفسه منها قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ الإشارة إلى أين تعود ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ﴾ هل الإشارة تعود إلى ما في نفس الله؟ أو تعود إلى القرآن المتلو المسموع المكتوب في المصاحف لا شك أن الإشارة تعود إلى القرآن المتلو بالألسن المكتوب في المصاحف؛ لأن ما في نفس الله غير مشار إليه ما في نفس الله غير مشار إليه ولا متلو ولا مسموع.
وكذلك قوله: لا يأتون بمثله الضمير يعود إلى ما في نفس الله، أو إلى ما في هذا القرآن المتلو المكتوب في المصاحف، لا شك أنه يعود إلى ما في المصحف؛ لأن ما في نفس الله لا حيلة إلى الوصول إليه فهو غير متلو، وغير مسموع كذلك أيضًا قول الله ﷿ ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ .
صريح في أن الذي يسمعه المشرك كلام الله، ولم يقل حتى يسمع ما هو عبارة عن كلام الله كما تقولون حتى يسمع كلام الله، دل على أن السامع إنما يسمع كلام الله والقارئ إنما يقرا كلام الله كذلك أيضا من الأدلة ما ثبت في الأحاديث الصحيحة: (أن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة) وحديث (إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتهليل قراءة القرآن) أو كما ورد.
[ ١٠٠ ]
وقد أجمع العلماء على أن الإنسان المصلي لو تكلم عامدًا بغير مصلحتها بطلت صلاته، وقد أجمعوا أيضًا على أنه لو حدث نفسه بشيء في صلاته، وأن ما يقوم في القلب من تصديق بأمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة فحديث النفس الذي يكون في القلب من تصديق بأمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة وإنما يبطله عندما يتكلم بلسانه عامدًا لغير مصلحتها، فدل على أن الكلام إنما هو لفظ ومعنى، والكلام الذي يتكلم به اللسان بلسانه دل على أن كلام الله لفظ ومعنى وأن الله تكلم به بحرف وصوت يسمع.
ومن الأدلة أيضًا ما ثبت في الصحيحين عن النبيﷺ- أنه قال: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل) ففرق النبي ﷺ بين حديث النفس وبين الكلام، وأخبر أن الله عفا عن حديث النفس وأن ما تكلم به الإنسان بلسانه لا يعفى عنه فدل على أن الكلام لفظ ومعنى حروف وأصوات.
ومن الأدلة أيضًا ما ثبت في السنين من حديث معاذ - ﵁ - لما قال النبي ﷺ (ألا أدلك على ملاك ذلك كله ) في حديث معاذ الطويل لما سئل النبيَّ ﷺ فسأله الرجل ( عن عمل يدخله الجنة ويبعده عن النار قال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله لا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله ثم أخذ بلسان نفسه ثم قال: كف عليك هذا قال معاذ فقلت يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوهم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) .
فأخبر النبي ﷺ أن الإنسان إنما يؤاخذ بما يتكلم به بلسانه فدل على أن الكلام ألفاظ ومعاني حروف وأصوات وكذلك كلام الله ﷿ تكلم به كلام الله اسم للمعنى واللفظ جميعًا والله تكلم به وحرف وصوت يسمع بهذا يتبين أن مسمى كلام الله المعنى واللفظ جميعًا، وأن كلام الله بحرف وصوت يسمع والحق أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن كلهم من كلام الله وكلام الله لا يتناهى، ولو كان البحر ومد بسبعة أبحر وجعل ما في الأرض من الأشجار كله أقلام والبحار مداد يكتب به لتكرث الأقلام ونفذت مياه البحر وما نفذت كلمات الله:
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ .
فهذه المسألة مسألة الكلام مسألة عظيمة اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين المخالفين لهم، والتبس الأمر على كثير من الناس، ولا سيما مذهب الأشاعرة ثم مذهب المعتزلة فينبغي لطالب العلم أن يعتني بهذا الأمر، وأن يعتني بالنصوص، وأن ينبغي لطالب العلم أن يعتني بهذا الأمر، وأن يعتني بالنصوص، وأن يتأمل حينما يقرأ في الكتب حتى لا يلتبس عليه معتقد أهل السنة والجماعة المأخوذ من نصوص الكتاب والسنة من كتاب الله وسنة رسوله في مذهب المعتزلة والأشاعرة المبني على الأراء والأهواء والشهوات. نعم اقرأ وإن القرآن كلام الله.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: "وإن القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولًا".
وإن القرآن كلام الله، الطحاوي الآن يقرر مذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله يعني لفظه ومعناه، هذا هو الأصل، فالكلام هي لفظة تشمل اللفظ والمعنى، وإن القرآن كلام الله لفظ ومعنى منه بدا.
هذا فيه الرد على المعتزلة والرد على الأشاعرة فإن المعتزلة لا يقولون منه بدا يقولون بدا من شيء آخر بدأ من الشجرة أو بدأ من الهواء أو بدأ من اللوح المحفوظ خلقه الله في اللوح المحفوظ فأضافه إليه إضافة تشريف وتكريم وكذلك الأشاعرة لا يقولون منه بدا بل يقولون: لم يبد منه شيء، الكلام معنى قائم بنفسه لم يبد ما سمع منه ما سمع جبريل كلامًا ولا لفظًا ولا حرفًا ولا صوتًا وإنما جبريل هو الذي أحدث لفظ القرآن أو أحدثه محمد لأنه فهم المعنى القائم بنفس الرب اضطره الله ففهم المعنى أو أن الله خلقه في الهواء وأخذه من الهواء.
وأهل السُّنة يقولون: القرآن منزل غير مخلوق منه بدا وإليه يعود، فالقرآن كلام الله منزل نزله الله ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ غير مخلوق كما تقوله المعتزلة منه بدا، بدا من الله ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾ وإليه يعود في آخر الزمان في آخر الزمان.
من أشراط الساعة الكبار التي تعقبها الساعة مباشرة أشراط الساعة كما هو معروف عشرة:
[ ١٠١ ]
أولها: خروج المهدي في آخر الزمان يبايع له اسمه اسم النبي ﷺ وكنيته أبو عبد الله محمد المهدي، يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، يبايع له في وقت ليس للناس فيه إمام، فيه أحاديث كثيرة بعضها صحيح وبعضها ضعيف وبعضها موضوع فهي ثابتة.
ثم يخرج الدجال في زمنه يدعي الصلاح، ثم يدعي النبوة ثم يدعي الربوبية، ثم ينزل عيسى ابن مريم يقتله، ثم يخرج يأجوج ومأجوج ثم بعدها تتتابع أشراط الساعة، تهدم الكعبة -والعياذ بالله- ثم يصلي الناس إلى الجهة ثم ينسوا الجهة وينزع القرآن من الصدور ومن السطور في آخر الزمان؛ إذا ترك الناس العمل به نزع من صدورهم من صدور الرجال، ونزع من المصاحف، فيصبح الناس لا يجدون في صدورهم آية ولا في المصاحف آية -نعوذ بالله- إذا ترك الناس العمل به. هذه هي أشراط الساعة.
ومنها الدخان الذي يملأ الأرض، ومنها طلوع الشمس من مغربها، ومنها الدابة، ثم يعقب ذلك نار تخرج من قعر عدن تسوق، الناس إلى المحشر فهو شرط من أشراط الساعة، وقوله: "وإليه يعود" يعني يعود إلى الله في آخر الزمان، فالقرآن منزل غير مخلوق منه بدا، بدا من الله، وإليه يعود في آخر الزمان يعود إلى الله حينما يترك الناس العمل به فينزع من صدور الناس ومن المصاحف -نسأل الله السلامة والعاقبة- نعم.
[ ١٠٢ ]