بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن العلم الذي سندرسه معكم -إن شاء الله- هو في العقائد، وشرح متن العقيدة الطحاوية في كل ليلة -إن شاء الله- من ليالي هذه الدورة المباركة، وستكون المدة (مدة الدرس) في الغالب ساعة قد تزيد أحيانا وقد تنقص أحيانا، في الغالب ستنتهي في الساعة العاشرة -إن شاء الله-.
لكن قد تزيد المدة أحيانا؛ نظرا لكون البحث يحتاج إلى استكمال، وقد تنقص، ثم تكون بعدها الأسئلة -إن شاء الله- وقد مضى على وفاة سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمة الله عليه- نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجمعنا به في دار كرامته، قد مضى على وفاته شهر نسأل الله أن يغفر له، وأن يتغمده برحمته، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
وأسأل الله -﷾- وسوف يكون الشرح شرح العقيدة الطحاوية -إن شاء الله- سوف يكون شرحا متوسطا، أسأل الله أن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم، وأن يجعل هذا العمل نافعا لعباد الله، وأسأله -﷾- أن ينفع به الغائب والحاضر، وأن يجعله من العمل الذي لا ينقطع إنه جواد كريم.
هذا العلم الذي ندرسه وهو علم العقائد ودراسة العقيدة الطحاوية يتعلق بعلم الأصول هو علم الأصول، وعلم الأصول بالنسبة (علم أصول الدين) بالنسبة إلى غيره هو أشرف العلوم، فهو أشرف العلوم، علم أصول الدين أشرف العلوم؛ لأن شرف العلم بشرف المعلوم، والمعلوم هو الله -﷾-، والعلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فالعلم يشرف بشرف المعلوم، والمعلوم هو الله سبحانه، العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله.
فتبين بهذا أن علم أصول الدين أشرف العلوم؛ لأن شرف العلم إنما يكون بشرف المعلوم، والمعلوم هو الله -﷾-، فعلم أصول الدين يتعلق بالعلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهذا هو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروض؛ ولهذا لما كتب الإمام أبو حنيفة النعمان -﵀- أوراقا جمعها في أصول الدين سماها الفقه الأكبر، وأما فقه فروع الدين فهو الفقه الأصغر، فيكون العلم علمين: علم أصول الدين وهذا هو الفقه الأكبر، وعلم فروع الدين وهذا هو الفقه الأصغر.
علم أصول الدين هو علم العقائد، العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله هذا العلم الأكبر، وهذا هو الفقه الأكبر، والثاني فقه الفروض، وهو العلم بالأوامر والنواهي والحلال والحرام.
فيكون العلم علمين: علم أصول الدين وهذا هو الفقه الأكبر، وعلم فروع الدين وهذا هو الفقه الأصغر، وإن كان لشيخ الإسلام -رحمة الله عليه- ابن تيمية، شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- له كلام فيه تقسيمه إلى أصول وفروع.
وعلم أصول الدين وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته الحاجة إليه فوق كل حاجة، حاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة، وحاجتهم إليه أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب، بل أشد من حاجتهم إلى النفس الذي يتردد بين جنبي الإنسان؛ لأن الإنسان إذا فقد الطعام والشراب وفقد النفس مات الجسد، والموت لا بد منه، ولا يضر موت الجسد إذا صلح القلب، أما إذا فقد العلم بالله وأسمائه وصفاته والعلم بشرعه ودينه مات قلبه وروحه.
وبهذا يتبين أن حاجة العباد إلى علم أصول الدين والعلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ وذلك لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة ولا سعادة إلا بأن تعرف ربها وخالقها، وفاطرها، ومعبودها بأسمائه وصفاته وأفعاله.
ويكون مع ذلك أحب إليها من كل شيء، ويكون سعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه.
هذا هو نعيم القلوب وروحها وطمأنينتها وسعادتها أن تعرف ربها وخالقها وفاطرها ومعبودها بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون مع ذلك أحب إليها من كل شيء، ويكون مع ذلك سعيها وعملها فيما يقربها إليه -﷾-.
ولما كانت العقول عقول البشر لا تستقل بمعرفة هذا الأمر وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، لا تستقل بمعرفة ذلك على التفصيل اقتضت حكمة الله ورحمته بعباده أن أرسل الرسل يعرّفون بالله، ويدعون إلى الله، ويبشرون من أجابهم، وينذرون من عصاهم وخالفهم، وجعل -﷾- مفتاح دعوة الرسل وزبدة رسالتهم معرفة المعبود -﷾- بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعلى هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها، وعلى هذه المعرفة تبنى مطالب هذه الرسالة كلها من أولها إلى آخرها، على معرفة المعبود بأسمائه وصفاته وأفعاله تبنى مطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها، هذا هو الأصل العظيم أصل الدين، أصل الدين أن تعلم ربك، أن تعلم الله، أن تعرف ربك بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان:
[ ١ ]
الأصل الأول: معرفة شريعة الله المتضمنة معرفة الطريق الموصل إلى الله، معرفة الطريق الموصل إلى الله، وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه تعرف الطريق الموصل، وذلك بأن تعرف الطريقة الموصلة إلى الله، ما هو الطريق الموصل إلى الله؟ هي شريعة الله المتضمنة لأمره ونهيه.
والأصل الثاني: معرفة حال السالكين والسائرين إلى الله ما لهم بعد الوصول إليه من النعيم المقيم.
هذه هي الأصول الثلاثة العظيمة، وأصلها وأساسها معرفة الله، والعلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، والثاني: معرفة الطريق الموصل إلى الله وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه، والثالث: معرفة حال الناس وجزائهم في الآخرة، وهذه هي أقسام العلم النافع، هذه الثلاثة هي أقسام العلم النافع، وليس هناك قسم رابع.
أقسام العلم النافع ثلاثة:
القسم الأول: معرفة الله والعلم بالله ومعرفته بأسمائه وصفاته وأفعاله.
الثاني: معرفة دين الله وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه.
الثالثة: معرفة جزاء الناس وحالهم بعد الموت، ماذا يكون جزاء المتقين المؤمنين الموحدين؟ الجنة، وجزاء الكفار والعصاة النار، ويتبع ذلك معرفة ما يكون في أمور البرزخ من سؤال منكر ونكير، ومن عذاب القبر ونعيمه.
ومعرفة العلم بأحكام البعث والنشور، والوقوف بين يدي الله ﷿ وتطاير الصحف، ووزن الأعمال والأشخاص والورود على الحوض، والمرور على الصراط، ثم الاستقرار في الجنة أو في النار.
هذه هي أقسام العلم النافع الثلاثة وليس هناك قسم رابع كما قال العلامة ابن القيم -﵀- في الكافية الشافية:
والعلم أقسام ثلاث ما لها *** من رابع والحق ذو تبيان
علم بأوصاف الإله وفعله *** وكذلك الأسماء للرحمن
والأمر والنهي الذي هو دينه *** وجزاؤه يوم الميعاد الثاني
هذه أقسام العلم ثلاثة:
"علم بأوصاف الإله وفعله" هذا الأول.
"والأمر والنهي الذي هو دينه" هذا الثاني
"وجزاؤه يوم الميعاد الثاني" هذا الثالث.
وأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصل إليه، والطريق الموصل إلى الله كما سبق هي شريعته -﷾- المتضمنة لأمره ونهيه.
فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصل إليه الذي يمتثل الأوامر، ويجتنب النواهي، ويعمل بشرع الله ودينه، هذا هو أقوم الناس، وأتبعهم أتبع الناس للصراط المستقيم؛ ولهذا سمى الله -﷾- كتابه المنزل على رسوله ﷺ وهو القرآن العظيم روحا؛ لتوقف الحياة الحقيقية عليه، وسماه نورا؛ لتوقف الهداية عليه قال سبحانه: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ .
سماه الله شفاء قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ والله -﷾- أرسل رسوله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وقد بلغ النبي ﷺ البلاغ المبين، وأوضح الحجة للمستغفرين، ومضى على طريقه ﷺ الصحابة، السلف الصالح الصحابة والتابعون والأئمة من بعدهم، فاهتدوا بهديه ﷺ وترسموا خطاه، وآمنوا بالله وبملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر والقدر خيره وشره، وامتثلوا أوامر الله، واجتنبوا نواهيه، واستناروا بنور الله، فكانوا على الهدى المستقيم.
وهم أهل السنة والجماعة والصحابة والتابعون وتابعوهم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين هم أهل السنة والجماعة، وهم أهل الحق، وهم الطائفة المنصورة، ثم لما بَعُدَ العهد، خلف من بعدهم خلوف، غيروا وبدلوا وتفرقوا في دينهم شيعا وأحزابا، ولكن الله -﷾- حفظ على هذه الأمة أصول دينها، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم) وفي لفظ آخر: (لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎) .
فتصدى العلماء والأئمة لإيضاح أصول الدين وفروعه، والرد على أهل البدع بدعهم وإيضاح الحق، فنصر الله بهم الحق وألفوا المؤلفات، وكتبوا الردود، ألفوا المؤلفات في عقائد في عقيدة السلف الصالح.
ومن هؤلاء الأئمة الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأسدي الطحاوي نسبة إلى قرية طحا من صعيد مصر المولود سنة تسع وثلاثين ومائتين، والمتوفى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ألف هذه الرسالة في العقيدة المعروفة بالعقيدة الطحاوية مؤلفها أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأسدي الطحاوي.
[ ٢ ]
ألف هذه الرسالة في عقيدة السلف الصالح، وتلقتها الأمة بالقبول، وتلقاها العلماء بالقبول سلفا وخلفا، وفي هذه الرسالة بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، وإن كان قد يلاحظ على هذه الرسالة ملحوظات يسيرة قد تتمشى مع معتقد المرجئة، نبه عليها العلماء، وسيأتي التنبيه عليها -إن شاء الله-، وهناك أيضا عبارات مشتبهة وفيها إيهام، لكن القاعدة في هذا أن العبارات المشتبهة تفسر بالعبارات الواضحة؛ لأن القاعدة عند أهل العلم أن النصوص المشتبهة من كتاب الله ﷿ تفسر بالنصوص الواضحة المحكمة وترد إليها.
هذه هي طريقة أهل العلم الراسخين في العلم يردون المتشابه إلى المحكم، ويفسرون النصوص المتشابهة من النصوص المحكمة فيتضح الأمر، وكذلك أيضا النصوص المتشابهة في سنة رسول الله ﷺ تفسر بالنصوص الواضحة المحكمة فيزول الاشتباه، وكذلك أيضا النصوص المشتبهة في كلام أهل العلم تفسر بالنصوص الواضحة من كلامهم، ولا يتعلق بالنصوص المتشابهة لا يتعلق بالنصوص المتشابهة ويترك النصوص المحكمة الواضحة إلا أهل الزيغ والظلام، كما قال الله -﷾- في كتابه العظيم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ .
قد ثبت عن عائشة -﵂- أنها قالت: " (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) "، ثم قرأت هذه الآية، فأهل الزيغ يتعلقون بمتشابهه ويتركون المحكم، فمثلا إذا تعلق النصراني بقول الله ﷿ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ وقال: نحن ضمير الجمع، وهذا يدل على أن الآلهة ثلاثة، يقول أهل الحق: أنت من أهل الزيغ هذه من النصوص المشتبهة، الواجب عليك أن تردها إلى النصوص الواضحة المحكمة، كقول الله ﷿ ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ .
عليك أن ترجع هذا النص المشتبه إلى النص المحكم، "نحن" يقولها في لغة العرب يقولها الواحد المعظم لنفسه، وهكذا هذا مثال.
ومثال ذلك أيضا من السنة النبوية قد يتعلق بعض دعاة السفور (سفور النساء) ببعض النصوص المشتبهة ويقولون: إن مثلا حديث الخثعمية في صحيح البخاري في حجة الوداع (جاءت إلى النبي ﷺ تسأله وكان رديفه الفضل، فجعل ينظر إليها، وتنظر إليه فجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الطرف الآخر) .
قالوا: هذا يدل على أن المرأة سافرة كاشفة الوجه، وهذا يدل على أن المرأة يجوز لها كشف الوجه، وأن كشف الوجه ليس بواجب، ويستدلون أيضا بحديث أسماء أنها جاءت إلى النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض النبي ﷺ عنها بوجهه، وقال: (يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لا يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه) .
قالوا: هذا يدل على أيش؟ يدل على كشف الوجه، نقول لهم: أنتم من أهل الزيغ، أنتم تعلقتم بالنصوص المتشابهة، لماذا تركتم النصوص المحكمة الواضحة تركتم قول الله ﷿ ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ والحجاب ما يحجب المرأة عن الرجل، الحجاب يكون جدارا، ويكون بابا، ويكون غطاء على الوجه ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ .
وكذلك ثبت في صحيح البخاري في قصة الإفك لما سار الجيش، وترك عائشة -﵂- قالت: (جلست في مكان الجيش لعلهم يفقدونها ثم يرجعون، وكان صفوان بن المعطل السلمي قد جاء متأخرا فلما رأى سواد إنسان عرفها، وجعل يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون -استرجع- وكانت نائمة حيث قالت: فاستيقظت باسترجاع صفوان، فخمرت وجهي بجلبابي، وكان يعرفني قبل الحجاب) وهذا في صحيح البخاري قولها: " (فخمرت وجهي بجلبابي) " صريح في تغطية الوجه وكان يعرفني قبل الحجاب" دليل على أن النساء قبل الحجاب يكشفن الوجوه، وأما بعد الحجاب فكن يسترن الوجوه.
[ ٣ ]
وفي سنن أبي داود عن عائشة -﵂- أنها قالت: (كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حازونا أسدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه) فنقول لهم: كيف تتعلق بحديث أسماء وحديث الخثعمية وتتركون هذه النصوص المحكمة، عليك أن تفسر حديث الخثعمية بما يتناسب مع هذه النصوص، ثم حديث أسماء هذا ضعيف، وفيه علل كثيرة؛ فهو منقطع؛ لأنه من رواية خالد بن دريك عن عائشة، وخالد بن دريك لم يسمع عن عائشة، ثم هو منكر.. المتن منكر لا يمكن أن تكون أسماء بنت أبي بكر وهي أخت عائشة وامرأة الزبير وامرأة عاقلة دينة تدخل على النبي ﷺ في ثياب رقاق، هذا لا يمكن تصف البشرة فهو فيه علل متعددة كثيرة.
ومن رواية أيضا سعيد بن بشير وهو ضعيف أيضا، ولو صح جدلا لكان محمولا على ما قبل الحجاب، فالمقصود من هذا أن أهل الزيغ يتعلقون بالنصوص المتشابهة، ويتركون النصوص المحكمة، وأما الراسخون في العلم فإنهم يأخذون بالنصوص المحكمة، ويرجعون إليها النصوص المتشابهة.
ومن ذلك أيضا في القرآن الكريم؛ لأهمية هذا المثال أن نصوص العلو محكمة يأتي أهل الزيغ، ويتعلقون بنصوص المعية ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ﴿لَا تَحْزَنْ إِن اللَّهَ مَعَنَا﴾ ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ .
يأتي أهل البدع وأهل الزيغ ونفاة الصفات فيقولوا: هذا دليل على أن الله مختلط بالمخلوقات، وأن الله معهم، نقول لهم: أنتم أهل الزيغ لماذا تركتم النصوص المحكمة نصوص العلو والمعية ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في سبعة مواضع ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ﴿إِن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ .
حتى إن نصوص العلو تزيد على ثلاث آلاف أفراد، وعلى ثلاث آلاف دليل كلها صريحة في أن الله فوق السماوات، فوق عرشه، مستو على عرشه، بائن من خلقه، ثم تتعلق بنصوص المعية، المعية لا تفيد الاختلاط في لغة العرب أقول: لا تزال العرب تقول: ما زلنا نسير والقمر معنا، هذا معروف في لغة العرب، والقمر فوقك، وتقول: فلان معه كذا، وقد يكون فوق رأسه.
فالمقصود أن طريقة أهل الزيغ يتعلقون بالنصوص المتشابهة، ويتركون النصوص المحكمة، أما طريقة الراسخين في العلم فإنهم يفسرون يأخذون بالنصوص المحكمة ويرجعون إليها النصوص المتشابهة ويفسرونها بها، فيزول الإشكال، وهكذا كلام أهل العلم فإذا رأيت كلاما لعالم اشتبه عليك مشتبه ترجع إلى كلامه الواضح تفسر به كما سيأتي في بعض كلام أبي جعفر الطحاوي، وهذه العقيدة الطحاوية كما سبق تلقاها العلماء بالقبول، وشرحت بشروح متعددة، لكن هذه الشروح لا تتمشى مع معتقد أهل السنة والجماعة.
وأحسن شروح لها هو شرح العقيدة المعروفة الآن التي منتشر المطبوع الذي ألفه علي بن علي بن أبي العز الحنفي المولود سنة سبعمائة وواحد وثلاثين، والمتوفى سنة سبعمائة واثنين وتسعين، هذا أفضل الشروح وأحسنها، قد ذكر -﵀- في مقدمتها: أن العقيدة الطحاوية شرحت شروحا متعددة إلا أنها لا تتمشى مع معتقد أهل السنة والجماعة، فأراد أن يشرحها شرحا يتمشى مع معتقد أهل السنة والجماعة.
وطريقتنا -إن شاء الله- أننا لا نقرأ الشرح، وإنما نشرح المتن شرحا يكون متوسطا، أو أقل من المتوسط يحصل به الفائدة، والمقصود -إن شاء الله- وإلا لو أراد الإنسان أن يتوسع يحتاج إلى وقت طويل، لكن سيكون -إن شاء الله- الشرح شرحًا مناسبا، يكون فيه بيان معتقد أهل السنة والجماعة، وبيان ما يخالفه من أهل البدع، ليس طويلا فيمل وليس قصيرا مخلا، وإنما يكون -إن شاء الله- متوسطا، ونقرأ جملة جملة، ثم نشرح.
[ ٤ ]