_________________
(١) "وإن القرآن كلام الله" بالكسر معطوف على قوله: "نقول في توحيد الله بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، وإن محمد عبده المصطفى، وإن القرآن كلام الله" الكل معمول قول: نقول: إن الله واحد لا شريك له نقول في توحيد الله: "إن الله واحد لا شريك له، ونقول: إن محمدًا عبده المصطفى ورسوله" ونقول: "إن القرآن كلام الله". القرآن كلام الله، صفة من صفاته، فالقرآن كلام الله ﷿ تكلم به وأنزله على نبيه وحيا، وليس بمخلوق كما يقول أهل البدع، وليس معنى قائم بالنفس بل هو كلام الله تكلم به بحرف وصوت يسمع سمعه جبرائيل، وكلم الله محمدًا ﷺ ليلة المعراج، وسمع موسى كلام الله. هذا هو الحق الذي عليه أتباع الرسل من أهل السنة والجماعة والصحابة والتابعين وأتباعهم: أن القرآن كلام الله، وأنه صفة من صفاته ﷿ وأن الله تكلم بحرف وصوت يسمع، وأنه ليس بمخلوق ككلام البشر؛ خلافا لأهل البدع، ومسألة الكلام مسألة عظيمة، وهي من المسائل الكبار المشهورة التي تنازع الناس فيها، وهي من الصفات العظيمة التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وأهل الحق وبين المخالفين لهم، ففي معنى كلام الله وحقيقة كلام الله مذاهب للناس، وهذه المسألة من المسائل العظام. ولما كان النزاع فيها شديدا بين أهل السنة وأهل البدع؛ ولما كان الحق قد يلتبس بالباطل لكثرة من خاض في هذه المسألة؛ فلا بد من استعراض المذاهب في هذه المسألة وبيان القول الحق الذي تشهد له الأدلة والنصوص، وتشهد له العقول والفطر لا بد من بيان القول الحق الذي تقتضيه النصوص، وتشهد به العقول السليمة والفطر المستقيمة، والناس تنازعوا في كلام الله على مذاهب، لكن أبرز المذاهب في هذه المسألة ثمانية مذاهب هذه لأهل الأرض جميعا سبعة مذاهب باطلة، والمذهب الثامن هو قول الحق. ومع كون هذه المذاهب الباطلة سبعا يقول العلامة ابن القيم -﵀-: هذه المذاهب السبعة هي الذائعة بين الناس وبين فضلاء العالم لا يعرفون غيرها مع بطلانها، وهذه المذاهب بعضها فكرية وبعضها مبتدعة. المذهب الأول مذهب الاتحادية، المذهب الثاني مذهب الفلاسفة، المذهب الثالث مذهب السالمية، المذهب الرابع الكرامية، المذهب الخامس مذهب الكلابية، المذهب السادس مذهب الأشعرية، المذهب السابع مذهب الجهمية والمعتزلة، المذهب الثامن مذهب أهل السنة والجماعة، هذه أبرز المذاهب وهناك مذاهب أخرى لكن ليست مشهورة، لكن هذه أبرز المذاهب، مذاهب أهل الأرض جميعا في مسمى كلام الله ما هو؟ المذهب الأول مذهب الاتحادية: والاتحادية هم الذين يقولون بوحدة الوجود وأن الوجود واحد يقولون: إن كلام الله كل كلام يسمع في الوجود فهو كلام الله، سواء كان حقا وصدقا أو كذبا وسواء، كان نظما أو نثرا سواء، كان حقا أو باطلا وزورا وبهتانا وسواء كان كلام الأعجميين، أو كأصوات الطيور، أو الحيوانات كله كلام الله، نعوذ بالله من ذلك. كما قال زعيمهم ابن عربي الطائي رئيس وحدة الوجود: ألا كل قول في الوجود كلامه *** سواء علينا نثره ونظمه لكن موجود في كتابه "الفتوحات المكية" ألا كل قول في الوجود كلامه *** سواء علينا نثره ونظمه فإذا مذهب الاتحادية كل كلام يسمع في الوجود فهو كلامه سواء كان نظما أو نثرا، سواء كان حقا أو باطلا، وسواء كان كلام آدميين أو غيره. وهذا المذهب مبني على مذهبهم في القول بوحدة الوجود؛ فإن مذهبهم أن الوجود واحد ليس هناك موجودات، ليس هناك رب وعبد ولا خالق ولا مخلوق، بل الوجود واحد الرب هو العبد والعبد هو الرب، والخالق هو المخلوق والمخلوق هو الخالق لا فرق بينهم؛ ولهذا يقول ابن عربي الطائي: الرب عبد والعبد رب *** إن قلت عبد فذاك ميت يا ليت شعري مَن المكلف *** أو قلت رب أنَّى يُكَلَّف إن ثبت عليه الأمر إذن العبد هو الرب، والرب هو العبد أيهما المكلف، إن قلت: عبد فذاك ميت وذاك نفي وإن قلت رب أنَّى يُكَلَّف وقال أيضا رب مالكٌ وعبد هالكٌ، وأنتم ذلك والعبد فقط والكثرة، وهم هؤلاء الاتحادية من أكثر خلق الله أكثر خلق الله هم الاتحادية وهم منافقون زنادقة يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر فهم في الدرك الأسفل من النار، نعوذ بالله من المنافق والمنافقون.
[ ٧٧ ]
والله -تعالى- يقول: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ وكل كفر، فجزاء مَن كَفَرَ النار، نسأل الله السلامة والعافية، ليس بعد هذا كفر ليس فوق هذا إنكار كامل لوجود الله فإذن مذهبهم في القول بوحدة الوجود مذهبهم في الكلام مبني على القول بوحدة الوجود وأصل هذا المذاهب نشأ من إنكار مسألة المباينة والعلو أنكروا علو الله على الخلق، وأنكروا مباينته لهذه المخلوقات، قالوا: ليس منفصلًا عنها ولا مبينا لها ولا فوقها وقرروا هذه القاعدة، وهذا الأصل.
فلما تقرر هذا عندهم وهو إنكار مباينة الله للمخلوقات، وإنكار العلو صاروا بين أمور ثلاثة: إما أن يقولوا: إنه معدوم لا وجود له، وهذا ما استساغوه؛ لأن الناس يكذبون، فقالوا: إن الله معدوم كذبوه، وهم منافقون زنادقة؛ لأن هؤلاء الاتحادية يظهرون الإسلام ويخفون الكفر؛ ويدعون الإسلام؛ ولهم مؤلفات تحقق وتنشر ككتاب "الدرة" وغيره تحقق ولهم مؤلفاتهم محققة توجد في كثير من الأقطار العربية وتطبع بورق ثقيل وخط واضح وتحقق.
وهناك من يدافع عن ابن عربي يدافع عنه ويقول: إنه معذور لا تظنوا أن هذا المذهب ما هو موجود مذهب الاتحادية؟ موجود ومنتشر وهناك رجل في السودان على عهد النميري الحاكم الأول يقال له العربي ادعى أن الله حَلَّ فيه، وقال: إنه هو الله والعياذ بالله فلا تظنون أن مذهب الاتحادية ما هو موجود، وهم من أكثر خلق الله بل أكثر خلق الله.
لهذا اقتضى العلماء لبيان هذا الكفر ويدعون أنهم أولياء الله وهم الخواص والعياذ بالله، هذا ابن العربي له مؤلفات وكتب "الفتوحات المكية" وله مؤلفات في الفقه فلا بد من بيان الشرح حتى لا ينطلي على بعض الناس، فلما أنكروا مباينته لخلقه وعلوه فصاروا بين واحد من ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن يقولوا بأن الله معدوم لا وجود له صراحة، وهذا ما استساغوه؛ لأن الناس يكشفون كفرهم؛ وهم زنادقة يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر فاستبعدوا هذا الأمر.
الأمر الثاني: أن يقولوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا مغاير له، ولا محايد له، ولا متصل به، ولا منفصل عنه كما قال الجهمية الذين نفوا عن الله النقيضين قالوا هذا أيضا ما استساغوا هذا القول، وقالوا هذا غير متصور ولا يمكن تصور هذا.
فاختاروا القول الثالث: وهو أن الله هو عين المخلوقات، فالخالق هو المخلوق والرب والعبد كل ما تروه هو الرب. قال ابن عربي: "سِرْ حيث شئت فإن الله ثَمَّ وقُل ما شئتَ به فالواسع الله، فكل شيء تراه هو الله، والله هو عين هذه المخلوقات، وهو عين هذه الموجودات". والشيء لا يحايد نفسه، ولا ينافيها فثبت عند هؤلاء الملاحدة أن الله عين هذه المخلوقات؛ فلما ثبت عندهم أن الله عين هذه المخلوقات، قالوا: إن كل كلام في الوجود هو كلامه سواء كان حسنا أو قبيحا، وسواء كان كفرا أو إيمانا، وكل اسم فهو له حسن أو قبيح، وكل صفة فهي له صفة نقص أو كمال، وهذا مذهب كفري شديد بل هم أعظم الناس كفرا، كفى أن يقال: يجرؤ عاقل أن يقول كل كلام يسمع في هذا الوجود كلام الله من الكفر والسب والشتم والغناء والباطل إلى غير ذلك.
وهؤلاء كفرة لا يؤمنون بالله ولا بملائكته ولا بكتبه ولا برسله ولا باليوم الآخر ولا بالقدر خيره وشره فهم أكثر الناس، نسأل الله السلامة والعافية، ومن فروع هذا المذهب أنهم يقولون: إن فرعون مصيب حينما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ وكذلك عباد الأصنام والأوثان يكونون على الحق هم على الحق والصواب، وكل من عبد شيئا فهو مصيب من عبد النار فهو مصيب، من عبد الصنم فهو مصيب، ومن عبد النيران فهو مصيب، ومن عبد العجل فهو مصيب كلهم مصيبون، وإنما الكفر بالتخصيص لا تنهى أحدا عن شيء فإذا خصصت شيئا، وقلت: لا يجوز عبادة إلا هذا الشيء فهذا هو الكفر التخصيص.
وابن عربي له مُؤَلَف من مؤلفاته أنه يقول: إن فرعون مصيب حينما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ ويقول: إنه أُغْرِق لما أَغْرَقه الله لما أُغْرِق في البحر قال هذا الإغراق تطهير له الحسبان والوحي تطهير له؛ لأنه ظن أنه الرب وحده، وهذا غلط حينما قال ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ كل واحد رب فلما حسب هذا الحسبان أغرق تطهيرا له، هذا هو الحسبان ويقول معارضة لكتاب الله إن موسى -﵊- لما أخذ برأس هارون ولحيته حينما عبدوا العجل يقول أخذ برأسه ولحيته يقول لماذا تنهاهم عن العجل وهم على الصواب.
المؤلفات موجودة الآن، وهناك من يدافع عنها، نسأل الله السلامة والعافية، ومن فروع هذا المذهب أنه لا فرق بين الزنى والنكاح، ولا بين الخمر والماء، ولا بين الأم والأخت والأجنبية الكل واحد، ومن فروع هذا الأمر ضيقوا على الناس وبعدوا عليهم الأصول، والواقع وراء ذلك كله، نسأل الله السلامة والعافية.
[ ٧٨ ]
فالمقصود أن هذا المذهب الكفري هو موجود موجودة مؤلفاته، نبه عليها العلماء، وهناك من يدعي أنهم على الصواب والاتحادية، وأنهم أولياء الله وهناك من يعتذر عنهم فلا بد أن يكون طالب العلم على حذر، وعلى إلمام بهذا المذهب الخبيث الذي هو أكفر مذهب في الأرض، نسأل الله السلامة والعافية، وبهذا القدر نكتفي لئلا نسترسل في الكلام، ونسأل الله للجميع العلم النافع والعمل الصالح، ونسأل الله للجميع السلامة والعافية من الفتن إنه على كل شيء قدير، وصلى الله على وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين.
[ ٧٩ ]