_________________
(١) الشفاعة التي ادخرها لهم حق كما جاء في الأخبار الشفاعة في اللغة قيل: الوسيلة والطلب، والحق أنها مشتقة من الشفع الذي هو ضد الوتر، فهي إذا الشفاعة في اللغة ضم الشيء إلى الشيء به يصير الشيء زوجا بعد إذ كان منفردا فكأن الشافع ضم سؤاله إلى سؤال المشفوع له هذه الشفاعة في اللغة مشتقة من الشفع وهي ضم الشيء إلى الشيء به يصير الشيء زوجا بعد إذ كان منفردا، وقيل: الوسيلة والطلب، وأما الشفاعة شرعا واصطلاحا فقيل: سؤال الخير للغير، وقيل: هي التجاوز هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم، وقيل: هي مساعدة ذي الحاجة صاحب الحاجة عند من يملك الحاجة، والمشفِّع والمشفَّع المشفع اسم فاعل من شفع يشفع فهو شافع وشفيع وهو الذي يقبل الشفاعة والمشفع اسم مفعول من شفع يشفع وهو الذي تقبل شفاعته. أقسام الشفاعة: الشفاعة قسمان: مثبتة وهي لأهل التوحيد، ومنفية وهي لأهل الشرك إذا الشفاعة نوعان: شفاعة مثبتة وهي لأهل التوحيد الشفاعة لا تكون إلا للموحدين من مات على التوحيد فله الشفاعة، والثانية: شفاعة منفية، وهي لأهل الشرك الشرك الأصلي كما قال الله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ الشفاعة المثبتة والشفاعة المثبتة هي التي لا تكون إلا للموحدين لأهل التوحيد لأهل الإيمان، أما الكفرة لا نصيب لهم في الشفاعة منفية عنهم إذا الشفاعة المنفية للكفرة والشفاعة المثبتة للموحدين أقسام الشفاعة المثبتة ثمانية: القسم الأول: الشفاعة العظمى وهي التي تكون في موقف القيامة لإراحة الناس من الموقف وهي خاصة بنبينا محمد ﷺ ودليلها حديث الصور الطويل وفيه (أن الناس يأتون آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم يأتون نبينا محمدا ﷺ فيذهب فيسجد تحت العرش في مكان يقال له: الفحص فيقول الله: ما شأنك وهو أعلم؟ قال رسول الله صلى الله ﷺ فأقول: يا ربي وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك، فاقض بينهم فيقول الرب -﷾- شفعتك أنا آتيكم فأقضي بينهم قال: فأرجع فأقف مع الناس) . ولكن الأئمة حينما يوردون أحاديث الشفاعة حديث الشفاعة من طرق متعددة لا يذكرون فيه الشفاعة العظمى في أن يأتي الرب لفصل القضاء كما ورد في حديث الصور مع أن فصل القضاء هو المقصود في هذا المقام ومقتضى سياق أول الحديث بل يعتدون إلى الشفاعة في عصاة الأمة وإخراجهم من النار فما الحكمة من ذلك؟ يعني: العلماء إذا ذكروا حديث الشفاعة وصلوا إلى موقف القيامة عدلوا وذكروا الشفاعة في إخراج العصاة من النار ولم يتكلموا في الشفاعة لإراحة الموقف، فما السر وما الحكمة؟. جواب ذلك أن مقصود السلف في الاقتصار على هذا المقدار من الحديث مقصودهم هو الرد على الخوارج والمعتزلة والزيدية الذين أنكروا خروج أحد من النار بعد دخولها فيذكرون هذا القدر من الحديث الذي في النص الصريح في الرد عليهم في بدعتهم هذه المخالفة للأحاديث. النوع الثاني من الشفاعة الشفاعة لأهل الجنة في الإذن لهم في دخولها، ودليلهم ما في صحيح مسلم عن أنس - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: (أنا أول شفيع في الجنة) . النوع الثالث: الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب ودليله حديث عكاشة بن محصن حين دعا له رسول الله ﷺ أن يجعله من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب وهو في الصحيحين ومن الأدلة أيضا قول الله -تعالى- في جواب قول النبي ﷺ لما قال: أمتي أمتي قال: (أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن) أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه الذين يدخلون الجنة بغير حساب وهم شركاء الناس في بقية الأبواب. النوع الرابع: الشفاعة في رفع درجات قوم من أهل الجنة فيها فوق ما كان يقتضيه ثوابهم ومن دليل ذلك حديث أنس (أنا أول شفيع في الجنة) . هذه أربعة أنواع ما خالف فيها أحد وافق فيها حتى الخوارج والمعتزلة هذه الأنواع بأن الشفاعة خاصة بالمؤمنين الشفاعة العظمى ما أنكرها أحد وهي الشفاعة لفصل القضاء بين الناس، والشفاعة لأهل الجنة في الإذن لهم في دخولها هذه للمؤمنين، والشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب هذه للمؤمنين، والشفاعة في رفع درجات قوم من أهل الجنة هذه للمؤمنين ما أنكرها الخوارج أو المعتزلة بقي أربعة أنواع هي التي أنكرها أهل البدع.
[ ١٥٨ ]
النوع الخامس: الشفاعة في قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم ليدخلوا الجنة ودليلها ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس -﵄- قال (السابق يدخل الجنة بغير حساب) والمتصل برحمة الله والظالم نفسه وأصحاب الأعراف يدخلونها بشفاعة النبي ﷺ. السادس: الشفاعة في قوم قد أمر بهم إلى النار لا يدخلونها ودليلها حديث حذيفة عند مسلم وفيه: (ونبيكم على الصراط يقول: رب سلم)
السابع: الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه وهي خاصة بأبي طالب عم النبي ﷺ وخاصة بالنبي ﷺ ودليلها ما ورد في طرق متعددة أن النبي ﷺ قيل له: (إن أبا طالب يحميك ويذود عنك ويؤويك فهل نفعته؟ قال نعم وجدته في غمرات من نار فأخرجته منها إلى ضحضاح من نار يغلي منها دماغه) أسأل الله السلامة والعافية.
الثامنة: الشفاعة في أهل الكبائر من أمة محمد ﷺ ممن دخلوا النار ليخرجوا منها وهذا أدلته متواترة تواتر بهذا النوع الأحاديث من ذلك حديث أنس - ﵁ - (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وهذه شفاعة تتكرر من النبي ﷺ أربع مرات كما ثبت في حديث أنس وأنه في المرة الأولى يقال: (أخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، وفي الثانية يقال له: أخرج من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان، وفي الثالثة يقال له: أخرج من كان في قلبه أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان، وفي الرابعة يقال له: يقول لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله أو أخرج منها من قال: لا إله إلا الله)
فالمتفق عليه من الأمة الأربعة الأولى، وهذه الأربعة الأخيرة مختلف فيها خالف فيها الخوارج والمعتزلة وأنكروها جهلا منهم بصحة الأحاديث وعنادا ممن علم ذلك واستمر على بدعته الوعيدية، يعني: الخوارج والمعتزلة زعموا أن الشفاعة إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع بعض الدرجات، والفائدة والحكمة من الشفاعة هي إكرام الشفيع في قبول شفاعته كما في الحديث: (اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء) وحكمة إلهام الناس التردد إلى غير النبي ﷺ في موقف القيامة يسألون الأنبياء أن يشفعوا لهم، ولم يلهموا لمجيء النبي ﷺ من أول وهلة لإظهار فضله وشرفه ﷺ.
أقسام الناس في الشفاعة ثلاثة:
قسم غلوا في إثباتها فأثبتوها مطلقة وهم المشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ وبعض الصوفية فأثبتوا شفاعة الأصنام والأوثان ويجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا.
وقسم غلوا في نفيها فنفوا شفاعة نبينا محمد ﷺ وغيره في أهل الكبائر، وهم الخوارج والمعتزلة.
وقسم توسطوا وهم أهل السنة والجماعة فيقرون بشفاعة نبينا ﷺ في أهل الكبائر وشفاعة غيره ويشترطون لها شرطين أخذوهما من النصوص:
أحدهما: إذن الله للشافع أن يشفع ودليله قول الله -تعالى -: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾
والثاني: والثاني رضى الله عن المشفوع له، ودليله قول الله -تعالى-: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وينفون الشفاعة التي تكون للمشرك عملا بقول الله -تعالى-: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ويوفون الشفاعة التي تكون للمشرك عملا بقول الله --تعالى-: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾
مسألة: الأعمال الموعود عليها الشفاعة قال السفاريني -﵀- إن الأعمال الموعود عليها الشفاعة خمسة:
الأول: إخلاص التوحيد من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه ودليله حديث أبي هريرة أنه سأل النبي ﷺ فقال: (من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله. قال: من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه)
الثاني: الدعاء بما ورد بعد سماع النداء يعني: إجابة المؤذن والدعاء بما ورد ودليله حديث جابر: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة)
الثالث: الصبر على لأواء المدينة وجدبها، ودليله حديث سعد بن أبي وقاص: (لا يصبر أحد على لأواء المدينة وجدبها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة)
الرابع: الموت في أحد الحرمين، ودليله حديث سلمان (من مات في أحد الحرمين استوجب شفاعتي وكان يوم القيامة من الآمنين)
الخامس: الصلاة على الرسول ﷺ عشرا في الصباح وعشرا في المساء، ودليله حديث أبي الدرداء: (من صلى علي حين يصبح عشرا وحين يمسي عشرا أدركته شفاعتي يوم القيامة) هذا الذي ذكره السفاريني -﵀- لكن هذه الأنواع فيها نظر.
[ ١٥٩ ]
أما النوع الأول: وهو إخلاص التوحيد فهذا لا شك فيه أن من أخلص التوحيد لله فهو من أهل الشفاعة وهذا في الحديث في الصحيحين قال: (من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله قال: من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه) كذلك الثاني إجابة نداء المؤذن إذا أجاب المؤذن وقال هذا الدعاء لكنه مقيد بإخلاص التوحيد يعني: إخلاص التوحيد هذا قيد، وأما الثالث الصبر على لأواء المدينة وجدبها فالحديث إن صح فهو محمول على الموحد الذي اجتنب الكبائر جمعا بين الأحاديث؛ لأن النبي ﷺ قال: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) لا بد من اجتناب الكبائر قال --تعالى-: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾
أما الموت في أحد الحرمين وهو في حديث سلمان (من مات في أحد الحرمين استوجب شفاعتي وكان يوم القيامة من الآمنين) فلا أظن الحديث يصح ما أظن الحديث يصح، والموت في أحد الحرمين ليس باختيار الإنسان وهذا ليس من عمل الإنسان ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ ما أظن الحديث يصح، ولكن لو صح فهو محمول على المؤمن الموحد والمؤمن الموحد لا شك أنه من أهل الشفاعة أنه من أهل الشفاعة، وكذلك الصلاة على الرسول عشرا في الصباح وعشرا في المساء إن صح الحديث فهو محمول على من قال، على من فعل ذلك وكان من المؤمنين الموحدين.
شبه المنكرين للشفاعة:
وهم المعتزلة والخوارج أنكروا الشفاعة وأنكروا أن يخرج أحد من النار بعد دخولها استدلوا أولا بقول الله -تعالى-: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ وقول الله --تعالى-: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ وقول الله --تعالى-: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ دلت هذه الآيات على أن من دخل جهنم من أهل الكبائر يخلد فيها ولا تقبل فيه الشفاعة هكذا قالوا، الرد عليهم أن هذه الآيات مخصوصة بالكفار، ويؤيد هذا سياق الخطاب في الآية الأولى والثالثة، فإن الآية نزلت ردا على اليهود في زعمهم أن آباءهم يشفعون لهم.
الدليل الثاني: استدلوا بقول الله --تعالى-: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ ووجه الدلالة أنها دلت على أن صاحب الكبيرة لا تنفعه الشفاعة الرد عليهم من قبل أهل السنة أن الآية في الكفار بدليل وصفهم في الآيات السابقة لها في قوله -تعالى-: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)﴾
الدليل الثالث: استدلوا بقول الله -تعالى-: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ ووجه الدلالة أن الآية دلت على أن الظالم ليس له شفيع يطاع، والعاصي ظالم، الرد أن المراد بالظالمين الكفار؛ لأن الظلم إذا أطلق انصرف إلى الكفر إذا الكفر أعظم الظلم بدليل قول الله -تعالى-: ﴿إِن الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾
الدليل الرابع: قول الله -تعالى-: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ ووجه الدلالة أن الآية دلت على أن من دخل النار فهو هالك لا تنفعه الشفاعة بل هو مبعد ممقوت غير مرضي عنه فلا يدخل في قول الله -تعالى-: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ لأن من أخزاه الله لا يرتضي الرد أن المراد بقوله: تدخل النار يعني: تخلد المراد إنك من تدخل النار يعني: تخلد والمخلد في النار هالك لا تنفعه الشفاعة؛ إذ الخلود في النار خاص بمن مات على الكفر.
ويجاب عن الشبه الثلاث الأولى بجواب آخر وهو أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة المعروفة عند الناس على الإطلاق وهي أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء بدون إذن فيقبل شفاعته، فأما إذا أذن له في أن يشفع فشفع لم يكن مستقلا بالشفاعة بل يكون مطيعا له تابعا له في الشفاعة وتكون شفاعته مقبولة ويكون الأمر كله للآمر المسئول كما قال الله --تعالى-: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ والذي يبين أن هذه هي الشفاعة المنفية قول الله -تعالى-: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ وقوله -سبحانه-: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾
[ ١٦٠ ]
والخلاصة أن المنفي الشفاعة التي يثبتها أهل الشرك ومن شابههم من أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه كما يشفع الناس بعضهم عند بعض فيقبل المشفوع إليه شفاعة شافع لحاجته إليه رغبة ورهبة، وكما يعامل المخلوق المخلوق بالمعاوضة الكفار لا تنفعهم شفاعة الشافعين في الآخرة، ولكن قد يخف العذاب عن بعض الكفار بسبب نصرته ومعونته فإنه تنفعه الشفاعة في تخفيف العذاب لا في إسقاط العذاب بالكلية، وهذا خاص بأبي طالب وخاص بالنبي ﷺ وبهذا يتبين أن أدلة الخوارج والمعتزلة إنما هي الأدلة التي يستدل بها كلها في الكفرة.
التوسل طلب الشفاعة والاستشفاع طلب الشفاعة وهي الانضمام وانضمام الأدنى إلى الأعلى ليستعين به على ما يطلبه ويروجه، الاستشفاع بالنبي ﷺ وغيره في الدنيا إلى الله في الدعاء بمعنى التوسل به إذا قال إنسان: أنا أتوسل بالنبي ﷺ أو أنا أستشفع بالنبي ﷺ في الدنيا فما المراد بالتوسل والاستشفاع؟ وهل هو جائز أو غير جائز؟.
الجواب: أن هذا مجمل فيه تفصيل؛ لأن التوسل والاستشفاع بالنبي ﷺ يراد به ثلاثة أمور أمران متفق عليهما بين المسلمين والثالث مختلف فيه، أما الأمران المتفق عليهما التوسل بالرسول ﷺ بمعنى التوسل بالإيمان به وطاعته فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به وهو أصل الإيمان والإسلام.
الثاني: التوسل بالنبي ﷺ بمعنى التوسل بدعائه وشفاعته وهذا أيضا جائز ونافع يتوسل به من دعا له وشفع وهذا كان في حياة النبي ﷺ ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته، ومن أنكر التوسل بالرسول ﷺ بأحد هذين المعنيين فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتدا، وإن كان الثاني أخفى من الأول التوسل بالنبي بمعنى التوسل بالإيمان به وطاعته هذا فرض أو التوسل بدعائه بمعنى أنه يدعو وأنت تؤمن كما في حياته وكما يكون يوم القيامة.
الثالث: التوسل بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه لا في حياته ولا بعد مماته لا عند قبره ولا غير قبره ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية.
فالصواب: أن هذا ممنوع فإذا التوسل بالنبي ﷺ التوسل بالإيمان به هذا فرض التوسل بدعائه في حياته ويوم القيامة هذا أيضا جائز التوسل بذاته هذا ممنوع، وأما حديث الأعمى الذي فيه قل: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة يا محمد إني أتشفع بك في رد بصري اللهم شفعه في) فالصواب أن الأعمى توسل بدعاء النبي ﷺ يدعو النبي ﷺ وهو يؤمن فإذا التوسل بالذات هذا ممنوع وكذلك التوسل بالجاه كأن يقول: أتوسل بجاه فلان أو بحق فلان أو بحرمة فلان هذا ممنوع وهذا مبتدع.
ولكن التوسل الشرعي إما بدعاء الحي الحاضر كأن يدعو وأنت تؤمن أو تتوسل بالإيمان والتوحيد -إيمانك بالله ورسوله وتوحيده- أو تتوسل بعملك الصالح كالثلاثة كما توسل الثلاثة الذين دخلوا الغار فانطبقت عليهم الصخرة توسل أحدهم ببره لوالديه، والثاني توسل بعفته عن الزنا، والثالث توسل بأمانته هذا بعملك الصالح تتوسل بفقرك وحاجتك إلى الله لا بأس كقول موسى: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ هذا لا بأس تتوسل بدعاء شخص حاضر تتوسل بالتوحيد والإيمان تتوسل بأعمالك الصالحة تتوسل بفقرك وحاجتك إلى الله تتوسل بأسماء الله وصفاته لا بأس، أما أن تتوسل بذاته فلان هذا ممنوع تتوسل بجاه فلان هذا ممنوع تتوسل بحرمة فلان هذا ممنوع تتوسل بحق فلان هذا ممنوع. وفي الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة -﵃- في حديث الشفاعة.
منهما عن أبي هريرة - ﵁ - قال: (أتي رسول الله ﷺ بلحم فدفع إليه منها الذراع وكانت تعجبه فنهس منها نهسة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي نفسي نفسي.
[ ١٦١ ]
اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وسماك الله عبدا شكورا فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: نوح إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وذكر كذباته نفسي نفسي نفسي.
اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون أنت رسول الله اصطفاك الله برسالاته وبتكليمه على الناس اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها نفسي نفسي نفسي.
اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه قال: هكذا هو وكلمت الناس في المهد فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبا.
اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد ﷺ فيأتونني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فاشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأقوم فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ﷿ ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء ما لم يفتحه على أحد قبلي فيقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأقول: يا رب أمتي أمتي يا رب أمتي أمتي يا رب أمتي أمتي فيقال: أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سواه من الأبواب ثم قال: والذي نفسي بيده لما بين مصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبُصرى) أخرجاه في الصحيحين بمعناه واللفظ للإمام أحمد.
وقد جاء في حديث الصور التصريح بالشفاعة العظمى ومن مضمونه أنهم يأتون آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم يأتون رسول الله محمد ﷺ فيذهب فيسجد تحت العرش في مكان يقال له: الفحص فيقول الله ما شأنك وهو أعلم قال رسول الله ﷺ فأقول: (يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم فيقول -﷾-: شفعتك، أنا آتيكم فأقضي بينكم قال: فأرجع فأقف مع الناس) ثم ذكر انشقاق السماوات وتنزل الملائكة في الغمام ثم يجيء الرب -﷾- لفصل القضاء والكروبيون والملائكة المقربون يسبحونه بأنواع التسبيح قال: (فيضع الله كرسيه حيث شاء من أرضه ثم يقول: إني أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا أسمع أقوالكم وأرى أعمالكم فأنصتوا لي فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) .
إلى أن قال: (فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة قالوا: من يشفع لنا إلى ربنا فندخل الجنة؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم؟ إنه خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلا فيأتون آدم فيطلب ذلك إليه وذكر نوحا، ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمدا ﷺ إلى أن قال: قال رسول الله ﷺ فآتي الجنة فآخذ بحلقة الباب ثم أستفتح فيفتح لي فأُحيا ويرحب بي، فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي ﷿ فخررت له ساجدا فيأذن لي من حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه ثم يقول الله -تعالى- لي: ارفع رأسك يا محمد واشفع تشفع وسل تعطه، فإذا رفعت رأسي قال الله وهو أعلم: ما شأنك؟ فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في أهل الجنة يدخلون الجنة فيقول الله ﷿ قد شفعتك وأذنت لهم في دخول الجنة) الحديث رواه الأئمة ابن جرير في تفسيره والطبراني وأبو يعلى الموصلي والبيقهي وغيرهما والله أعلم.
[ ١٦٢ ]