أهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبته الله لنفسه مفصلًا على حد قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، فكل ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله - ﷺ - من جميع الأسماء والصفات أثبتوه لله على الوجه اللائق به تعالى. وأهل السنة والجماعة ينفون ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله - ﷺ - نفيًا إجماليًا غالبًا على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١).
والنفي يقتضي إثبات ما يضاده من الكمال فكل ما نفى الله عن نفسه من النقائص ومشاركة أحد من خلقه في شيء من خصائصه فإنها تدل على ضدها من أنواع الكمال. وجمع الله النفي والإثبات في آية واحدة - أعني النفي الإجمالي والإثبات المفصل - وهي قوله - ﷾ -: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، فهذه الآية تضمنت تنزيه الله عن مشابهة خلقه لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. وفي أول هذه الآية رد على المشبهة وهو قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وفي آخرها رد على المعطلة وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، وفي أول هذه الآية نفي مجمل، وفي آخرها إثبات مفصّل، وفيها رد على الأشاعرة الذين يقولون ببعض الصفات وينفون البعض الآخر، وفيها رد على المعتزلة الذين يقولون سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر (٢). وقد ساق المؤلف رحمه الله تعالى (٣) الآية السابقة، وسورة الإخلاص، وآية الكرسي لتضمن
_________________
(١) سورة الشورى، الآية: ١١.
(٢) الأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية، ص٢٦.
(٣) شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية.
[ ١٤ ]
هذه السورة - وما ذكر معها من الآيات - النفي والإثبات (١)، فسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن كما بين ذلك رسول الله - ﷺ - (٢)، وذكر العلماء من تفسير ذلك أن القرآن أنزل على ثلاثة أنواع: توحيد، وقصص، وأحكام. وهذه السورة تدل على التوحيد بأنواعه الثلاثة: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات؛ لذا قيل إنها تعدل ثلث القرآن (٣).
وآية الكرسي آية عظيمة، وهي أعظم آية في كتاب الله تعالى (٤)، وما ذلك إلا لما اشتملت عليه من الأسماء الحسنى والصفات العلا، فقد اجتمع فيها ما لم يجتمع في غيرها، فآية احتوت على هذه المعاني العظيمة يحق أن تكون أعظم آية في كتاب الله تعالى (٥).
_________________
(١) الروضة الندية، ص١٢٠، وشرح العقيدة الواسطية للهراس، ص٣١.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب فضل ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾، برقم ٥٠١٥، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾، برقم ٨١١.
(٣) شرح العقيدة الواسطية للهراس، ص٢١.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي، برقم ٨١٠، وأبو داود في كتاب الوتر، باب ما جاء في آية الكرسي، برقم ١٤٦٠، وأحمد في المسند، ٥/ ١٤٢.
(٥) الأجوبة الأصولية على العقيدة الواسطية، ص٤٠.
[ ١٥ ]