وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ (٢)، نجد في هذه الآيات أن الله تعالى أثبت لنفسه معيّةً، وهذه المعيّة معيّتان:
١ - معيّة الله لجميع المخلوقات ومقتضاها العلم، والإحاطة، والاطلاع، ودليل ذلك ما جاء في آية سورة الحديد السابقة.
٢ - معيّة خاصة لأهل الإيمان والتقوى ومقتضاها الحفظ، والعناية، والنصرة والمعيّة العامّة من الصفات الذاتية، والمعيّة الخاصّة من الصفات الفعلية. قال - ﷺ -: «إنّ أحدكم إذا قام في صلاته فإنّه يناجي ربه أو إنّ ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقنّ أحدكم قِبَلَ وجهه، [ولا عن يمينه] ولكن عن يساره أو تحت قدمه [وفي رواية] أو تحت قدمه اليسرى» (٣)، وقال - ﷺ -: «والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم» (٤).
٣٨ - صفة الكلام لله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ الله مُوسَى
_________________
(١) سورة الحديد، الآية: ٤.
(٢) سورة النحل، الآية: ١٢٨.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب حك البزاق باليد من المسجد، برقم ٤٠٥، وباب لا يبصق عن يمينه في الصلاة، برقم ٤١٢، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها، برقم ٥٥١.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، برقم ٢٧٠٤/ ٤٦.
[ ٢٦ ]
تَكْلِيمًا﴾ (١)، هذه الآية وغيرها من الآيات التي ذكرها المؤلف، وهي كثيرة جدًا، تدل على أن الله يتكلّم حقيقة على ما يليق بجلاله، فهو سبحانه يتكلّم إذا شاء بما شاء متى شاء، فهو تعالى قد تكلّم بالقرآن، والكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والقرآن كلامه تعالى مُنَزَّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وإذا قرأ الناس القرآن أو كتبوه في المصاحف لم يخرجه ذلك عن أن يكون كلام الله؛ فإنّ الكلام إنّما يضاف إلى من قاله أولًا أي مبتدئًا لا إلى من بلّغه مؤديًا والله تكلم بحروفه، ومعانيه بلفظ نفسه سبحانه ليس شيء منه لغيره، فالله تعالى متكلّم بكلامٍ قديم النوع حادث الآحاد، وأنه لم يزل متكلّمًا بحرف وصوت بكلام يُسْمِعُه من شاء من خلقه وهو سبحانه يكلّم المؤمنين يوم القيامة ويكلّمونه، وكلامه قائم بذاته وهو صفة ذات وفعل فهو لم يزل ولا يزال متكلمًا إذا شاء على ما يليق بجلاله (٢)، وقد قال النبي - ﷺ -: «ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان» (٣)، وقال - ﷺ -: يقول الله - ﷿ -: «يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، والخيرُ في يديك، قال: يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألفٍ تسعمائة وتسعةً وتسعين. قال: فذاك حين يشيب الصغير، وتضعُ كل ذات حملٍ حملها، وترى الناس
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١٦٤.
(٢) الروضة الندية، ١٤٦، والأجوبة الأصولية، ٩٣، وشرح الواسطية للهراس، ص٩٦.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب من نوقش الحساب عذب، برقم ٦٥٣٩، ومسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار، برقم ١٠١٦/ ٦٧.
[ ٢٧ ]