وكذبوا إن قالوا ذلك عن عمد، أو نقول: كذبوا على الوجهين على لغة الحجاز، لأن الكذب عند الحجازيين بمعنى الخطأ.
وعلى كل حال، لا شك أن الذين يقولون: إن مذهب أهل السنة هو التفويض، أنهم أخطأوا، لأن مذهب أهل السنة هو إثبات المعنى وتفويض الكيفية.
وليعلم أن القول بالتفويض - كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) - من شر أقوال أهل البدع والإلحاد!
عندما يسمع الإنسان التفويض، يقول: هذا جيد، أسلم من هؤلاء وهؤلاء، لا أقول بمذهب السلف، ولا أقول بمذهب أهل التأويل، أسلك سبيلًا وسطًا وأسلم من هذا كله، وأقول: الله أعلم ولا ندري ما معناها. لكن يقول شيخ الإسلام: هذا من شر أقوال أهل البدع والإلحاد
وصدق ﵀. وإذا تأملته وجدته تكذيبًا للقرآن وتجهيلًا للرسول ﷺ واستطالة للفلاسفة.
تكذيب للقرآن، لأن الله يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وأي بيان في كلمات لا يدرى ما معناها؟ وهي من أكثر ما يرد في القرآن، وأكثر ما ورد في القرآن أسماء الله وصفاته، إذا كنا لا ندري ما معناها، هل يكون القرآن تبيانًا لكل شيء؟ أين البيان؟
_________________
(١) في "درء التعارض العقل والنقل" لشيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ١٢١).
[ ١ / ٩٣ ]
إن هؤلاء يقولون: إن الرسول ﷺ لا يدري عن معاني القرآن فيما يتعلق بالأسماء والصفات وإذا كان الرسول ﵊ لا يدري، فغيره من باب أولى.
وأعجب من ذلك يقولون: الرسول ﷺ يتكلم في صفات الله، ولا يدري ما معناه يقول: "ربنا الله الذي في السماء" (١)، وإذا سئل عن هذا؟ قال: لا أدري وكذلك في قوله: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" (٢) وإذا سئل ما معنى "ينزل ربنا"؟ قال: لا أدري وعلى هذا، فقس. وهل هناك قدح أعظم من هذا القدح بالرسول ﷺ بل هذا من أكبر القدح رسول من عند الله ليبين للناس وهو لا يدري ما معنى آيات الصفات وأحاديثها وهو يتكلم بالكلام ولا يدري معنى ذلك كله.
فهذان وجهان: تكذيب بالقرآن وتجهيل الرسول.
وفيه فتح الباب للزنادقة الذين تطاولوا على أهل التفويض، وقال: أنتم لا تعرفون شيئًا، بل نحن الذين نعرف، وأخذوا يفسرون القرآن بغير ما أراد الله، وقالوا: كوننا نثبت معاني للنصوص خير من كوننا أميين لا نعرف شيئًا وذهبوا يتكلمون بما
_________________
(١) سيأتي الحديث بطوله في بداية الجزء الثاني إن شاء الله.
(٢) سيأتي الحديث بطوله في أول الجزء الثاني إن شاء الله وهو في البخاري (٧٤٩٤)، كتا التوحي/ باب قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ ومسلم (٧٥٨)؛من حديث أبي هريرة كتاب صلاة المسافرين/ باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل.
[ ١ / ٩٤ ]