يريدون من معنى كلام الله وصفاته!! ولا يستطيع أهل التفويض أن يردوا عليهم، لأنهم يقولون: نحن لا نعلم ماذا أراد الله، فجائز أن يكون الذي يريد الله هو ما قلتم! ففتحوا باب شرور عظيمة، ولهذا جاءت العبارة الكاذبة: "طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم"!.
يقول شيخ الإسلام ﵀: "هذه قالها بعض الأغبياء" وهو صحيح، أن القائل غبي.
هذه الكلمة من أكذب ما يكون نطقًا ومدلولًا، "طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم"، كيف تكون أعلم وأحكم وتلك أسلم؟! لا يوجد سلامة بدون علم وحكمة أبدًا! فالذي لا يدري عن الطريق، لا يسلم، لأنه ليس معه علم، لو كان معه علم وحكمة، لسلم، فلا سلامة إلا بعلم وحكمة.
إذا قلت: إن طريقة السلف أسلم، لزم أن تقول: هي أعلم وأحكم وإلا لكنت متناقصًا.
إذًا، فالعبارة الصحيحة: "طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم"، وهذا معلوم.
وطريقة الخلف ما قاله القائل (١):
لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم
_________________
(١) هذان البيتين ذكرهما عبد الكريم الشهرستاني في كتابه "نهاية الإقدام في علم علم الكلام". ولم يبين قائلهما. انظر: "الصواعق" لانب القيم (١/ ١٦٦)
[ ١ / ٩٥ ]
فلم أرد إلا واضعا كف حائر على ذقن أو قارعًا سن نادم
هذه الطريقة التي يقول عنها: إنه ما وجد إلا واضعًا كف حائر ذقن. وهذا ليس عنده علم، أو آخر: قارعًا سن نادم لأنه لم يسلك طريق السلامة أبدًا.
والرازي -وهو من كبرائهم- يقول (١):
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وغاية دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
ثم يقول: "لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، ووجدت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، ومن جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي".
أهؤلاء نقول: إن طريقتهم أعلم وأحكم؟!
الذي يقول (٢): "إني أتمنى أن أموت على عقيدة عجائز
_________________
(١) هذه الأبيات للفخر الرازي؛ ذكرها في كتابه "أقسام اللذات"، انظر: "الصواعق" لابن القيم (١/ ١٦٧)
(٢) القائل هو أبو المعالي الجويني، انظر: "الصواعق" لابن القيم (١/ ١٦٧).
[ ١ / ٩٦ ]