وهو إفراد الله ﷿ بالعبادة؛ بألا تكون عبدًا لغير الله، لا تعبد ملكًا ولا نبيًا ولا وليًا ولا شيخًا ولا أُمًَّا ولا أبًا، لا تعبد إلا الله وحده، فتفرد الله ﷿ وحده بالتأله والتعبد، ولهذا يسمى: توحيد الألوهية، ويسمى: توحيد العبادة، فباعتبار إضافته إلى الله هو توحيد ألوهية، وباعتبار إضافته إلى العابد هو توحيد عبادة.
والعبادة مبنية على أمرين عظيمين، هما المحبة والتعظيم،
[ ١ / ٢٤ ]
الناتج عنهما: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فبالمحبة تكون الرغبة، وبالتعظيم تكون الرهبة والخوف.
ولهذا كانت العبادة أوامر ونواهي: أوامر مبنية على الرغبة وطلب الوصول إلى الآمر، ونواهي مبنية على التعظيم والرهبة من هذا العظيم.
فإذا أحببت الله ﷿، رغب فيما عنده ورغب في الوصول إليه، وطلبت الطريق الموصل إليه، وقمت بطاعته على الوجه الأكمل، وإذا عظمته خفت منه، كلما هممت بمعصية، استشعرت عظمة الخالق ﷿، فنفرت، ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ [يوسف: ٢٤]، فهذه من نعمة الله عليك، إذا هممت بمعصية، وجدت الله أمامك، فهبت وخفت وتباعدت عن المعصية، لأنك تعبد الله رغبة ورهبة.
فما معنى العبادة؟
العبادة: تطلق على أمرين، على الفعل والمفعول.
تطلق على الفعل الذي هو التعبد، فيقال: عبد الرجل ربه عبادة وتعبدًا وإطلاقها على التعبد من باب إطلاق اسم المصدر، ونعرفها باعتبار إطلاقها على الفعل بأنها: "التذلل لله ﷿ حبًا وتعظيمًا، بفعل أوامره واجتناب نواهيه". وكل من ذل لله عز بالله، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨].
[ ١ / ٢٥ ]
وتطلق على المفعول، أي: المتعبد به، وهي بهذا المعنى تعرف بما عرفها به شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال ﵀: "العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة" (١)
هذا الشيء الذي تعبدنا الله به يجب توحيد الله به، لا يصرف لغيره، كالصلاة والصيام والزكاة والحج والدعاء والنذر والخشية والتوكل .. إلى غير ذلك من العبادات.
فإن قلت: ما هو الدليل على أن الله منفرد بالألوهية؟
فالجواب: هناك أدلة كثيرة، منها:
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وأيضًا قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، لو لم يكن من فضل العلم إلا هذه المنقبة، حيث إن الله ما أخبر أن أحدًا شهد بألوهيته إلا أولو العلم، نسأل الله أن يجعلنا منهم: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، بالعدل، ثم قرر هذه الشهادة بقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل
_________________
(١) "رسالة العبودية" مجموع الفتاوى ١٠/ ١٤٩
[ ١ / ٢٦ ]
عمران: ١٨]،فهذا دليل واضح على أنه لا إله إلا الله ﷿، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنتم تشهدون أن لا إله إلا الله.
هذه الشهادة الحق؛ إذا قال قائل: كيف تقرونها مع أن الله تعالى يثبت ألوهية غيره، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨]، ومثل قوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، ومثل قوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١]، ومثل قول إبراهيم: ﴿أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] إلى غير ذلك من الآيات، كيف تجمع بين هذا وبين الشهادة بأن لا إله إلا الله؟
فالجواب: أن ألوهية ما سوى الله ألوهية باطلة، مجرد تسمية، ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣]، فألوهيتها باطلة، وهي وإن عبدت وتأله إليها من ضل، فإنها ليست أهلا لأن تعبد، فهي آلهة معبودة، لكنها آلهة باطلة، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠].
وهذا النوعان من أنواع التوحيد لا يجحدهما ولا ينكرهما أحد من أهل القبلة المنتسبين إلى الإسلام، لأن الله تعالى موحد بالربوبية والألوهية، لكن حصل فيما بعد أن من الناس من ادعى ألوهية أحد من البشر، كغلاة الرافضة مثلًا، الذين يقولون: إن عليًا إليه، كما صنع زعيمهم عبد الله بن سبأ، حيث جاء إلى علي بن أبي طالب ﵁، وقال له: أنت الله حقًا! لكن عبد الله بن سبأ
[ ١ / ٢٧ ]
أصله يهودي دخل في دين الإسلام بدعوى التشيع لآل البيت، ليفسد على أهل الإسلام دينهم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: "إن هذا صنع كما صنع بولص حين دخل في دين النصارى ليفسد دين النصارى" (١). هذا الرجل عبد الله بن سبأ قال لعلي بن أبي طالب ﵁ أنت الله حقًا! وعلي ابن أبي طالب لا يرضى أن أحدًا ينزله فوق منزلته هو حتى إنه ﵁ من إنصافه وعدله وعلمه وخبرته كان يقول منزلته هو حتى إنه ﵁ من إنصافه وعدله وعلمه وخبرته كان يقول على منبر الكوفة: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر" (٢)، يعلن ذلك في الخطبة، وقد تواتر النقل عنه بذلك ﵁، والذي يقول هكذا ويقر بالفضل لأهله من البشر كيف يرضي أن يقول له قائل: إنك أنت الله؟ ! ولهذا عزرهم أبشع تعزير، أمر بالأخاديد فخدت، ثم ملئت حطبًا وأوقدت، ثم أتى بهؤلاء فقذفهم في النار وأحرقهم بها، لأن فريتهم عظيمة - والعياذ بالله - وليست هينة،
_________________
(١) رواه اللاكائي في "شرح السنة" (٢٨٢٣) عن الشعبي، وقد أورده شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة" (١/ ٢٩) وأشار إلى من رواه من العلماء. وحسنه الحافظ في "الفتح" (١٢/ ٢٧٠).
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١/ ١١٠)، وفي "فضائل الصحابة" (٣٩٧)، وابن أبي عاصم في "السنة" (٢/ ٥٧٠)، وابن ماجه (١٠٦) عن علي بن أبي طالب ﵁. والحديث أصله في "صحيح البخاري" (٣٦٧١) عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ؟ قال أبو بكر. قال: قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر.
[ ١ / ٢٨ ]