تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]، فهذه الآية تدل على أن الإنسان مجبول بفطرته على شهادته بوجود الله وربوبيته وسواء أقلنا: إن الله استخرجهم من ظهر آدم واستشهدهم، أو قلنا: إن هذا هو ما ركب الله تعالى في فطرهم من الإقرار به، فإن الآية تدل على أن الإنسان يعرف ربه بفطرته.
هذه أدلة أربعة تدل على وجود الله ﷾.
- وأما دلالة الشرع، فلأن ما جاءت به الرسل من شرائع الله تعالى المتضمنة لجميع ما يصلح الخلق يدل على أن الذي أرسل بها رب رحيم حكيم، ولا سيما هذا القرآن المجيد الذي أعجز البشر والجن أن يأتوا بمثله.
"وملائكته": الملائكة جمع: ملأك، وأصل ملأك: مألك، لأنه من الألوكة، والألوكة في اللغة الرسالة، قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى﴾ [فاطر: ١].
فالملائكة عالم غيبئ، خلقهم الله ﷿ من نور، وجعلهم طائعين له متذللين له، ولكل منهم وظائف خصه الله بها، ونعلم من وظائفهم:
أولًا: جبريل: موكل بالوحي، ينزل به من الله تعالى إلى الرسل.
ثانيًا: إسرافيل: موكل بنفخ الصور، وهو أيضًا أحد حملة
[ ١ / ٥٩ ]
العرش.
ثالثًا: ميكائيل: موكل بالقطر والنبات.
وهؤلاء الثلاثة كلهم موكلون بما فيه حياة، فجبريل موكل بالوحي وفيه حياة القلوب، وميكائيل بالقطر والنبات وفيه حياة الأرض، وإسرافيل بنفخ الصور وفيه حياة الأجساد يوم المعاد.
ولهذا كان النبي ﷺ يتوسل بربوبية الله لهم في دعاء الاستفتاح في صلاة الليل، فيقول: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عباد فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك. إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (١)، هذا الدعاء الذي كان يقوله في قيام الليل متوسلًا بربوبية الله لهم.
كذلك نعلم أن منهم من وكل بقبض أرواح بني آدم، أو بقبض روح كل ذي روح وهم: ملك الموت وأعوانه ولا يسمى عزرائيل، لأنه لم يثبت عن النبي ﵊ أن اسمه هذا.
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١].
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٧٠) عن عائشة ﵂ في كتاب صلاة المسافرين/ باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه.
[ ١ / ٦٠ ]
ولا منافاة بين هذه الآيات الثلاث، فإن الملائكة تقبض الروح، فإن ملك الموت إذا أخرجها من البدن تكون عنده ملائكة، إن كان الرجل من أهل الجنة، فيكون معهم حنوط من الجنة، وكفن من الجنة، يأخذون هذه الروح الطيبة، ويجعلونها في هذا الكفن، ويصعدون بها إلى الله ﷿ حتى تقف بين يدي الله ﷿، ثم يقول اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض، فترجع الروح إلى الجسد من أجل الاختبار: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وإن كان الميت غير مؤمن والعياذ بالله، فإنه ينزل ملائكة معهم كفن من النار وحنوط من النار، يأخذون الروح، ويجعلونها في هذا الكفن، ثم يصعدون بها إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها وتطرح إلى الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، ثم يقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في سجين (١) نسأل الله العافية!.
هؤلاء موكلون بقبض الروح من ملك الموت إذا قبضها، وملك الموت هو الذي يباشر قبضها، فلا منافاة إذن، والذي يأمر بذلك هو الله، فيكون في الحقيقة هو المتوفّي.
ومنهم ملائكة سياحون في الأرض، يلتمسون حلق الذِكر،
_________________
(١) رواه أحمد (٤/ ٢٨٧)، وأبو داود/ كتاب السنة/ باب في المسألة في القبر، وأبو داود (٤٧٥٣) وغيرهما، والحاكم (١/ ٩٣) وقال: "صحيح على شرط الشيخين" وأقره الذهبي، وقال الهيثمي: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح" ٣/ ٤٩، وانظر أحكام الجنائز وبدعها للألباني ص ١٥٦.
[ ١ / ٦١ ]
إذا وجدوا حلقة العلم والذكر، جلسوا (١).
وكذلك هناك ملائكة يكتبون أعمال الإنسان: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢] ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
دخل أحد أصحاب الإمام أحمد عليه وهو مريض ﵀ فوجده يئن من المرض، فقال له: يا أبا عبد الله! تئن، وقد قال طاووس: إن الملك يكتب حتى أنين المريض، لأن الله يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]؟ فجعل أبو عبد الله يتصبر، وترك الأنين (٢)، لأن كل شيء يكتب ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾: من: زائدة لتوكيد العموم، أي قول تقوله، يكتب لكن قد تجازى عليه بخير أو بشر، هذا حسب القول الذي قيل.
ومنهم أيضًا ملائكة يتعاقبون على بني آدم في الليل والنهار، ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
ومنهم ملائكة ركع وسجد لله في السماء، قال النبي عليه
_________________
(١) لما رواه البخاري (٦٤٠٨) في كتاب الدعوات/ باب فضل ذكر الله ﷿، ومسلم (٢٦٨٩) عن أبي هرية رضيالله عنه عن النبي ﷺ قال: "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، وجدوا قومًا يذكرون الله تعالى تنادوا هلما إلى حاجتكم. قال فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنياء". واللفظ للبخاري في كتاب الدعوات/ باب فضل مجالس الذكر.
(٢) لما رواه صالح بن الإمام أحمد قال: "قال أبي في مرض موته: أخرج كتاب عبد الله بن إدريس فقال: اقرأ عليّحديث ليث: إن طاووسًا كان يكره الأنينفي المرض فما سمعت لأبي أنينًا حتى مات"، "سير أعلام النبلاء" (١١/ ٢١٥).
[ ١ / ٦٢ ]
الصلاة والسلام: "أطت السماء، وحق لها أن تئط" والأطيط: صرير الرحل، أي: إذا كان على البعير حمل ثقيل، تسمع له صرير من ثقل الحمل، فيقول الرسول ﵊: "أطت السماء، وحق لها أن تَئِط ما من موضع أربع أصابع منها، إلا وفيه ملك قائم لله أو راكع أو ساجد" (١)،وعلى سعة السماء فيها هؤلاء الملائكة.
ولهذا قال الرسول ﷺ في البيت المعمور الذي مر به في ليلة المعراج، قال: "يطوف به (أو قال: يدخله) سبعون ألف ملك كل يوم، ثم لا يعودون إلى آخر ما عليهم" (٢)، والمعنى: كل يوم يأتي إليه سبعون ألف ملك غير الذين أتوه بالأمس، ولا يعودون له أبدًا، يأتي ملائكة آخرون غير من سبق، وهذا يدل على كثرة الملائكة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
ومنهم ملائكة موكلون بالجنة وموكلون بالنار، فخازن النار اسمه مالك يقول أهل النار: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، يعنى: ليهلكنا ويمتنا، فهم يدعون الله أن يميتهم، لأنهم في عذاب لا يصبر عليه، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]،
_________________
(١) رواه أحمد (٥/ ١٧٣)، والترمذي (٢٣١٢) كتاب الزهد/ باب قوله ﷺ "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا"، وابن ماجه (٤١٩٠) كتاب الزهد/ باب الحزن والبكاء، والحاكم (٢/ ٥١٠) عن أبي ذر ﵁. ولفظه: "أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلاّ عليه ملك واضع جبهته ساجدًا لله " والحديث خرجه الألباني في "الصحيحة" (١٧٢٢).
(٢) رواه مسلم (١٦٢) من حديث أنس في قصة الإسراء كتاب الإيمان/ باب الإسراء.
[ ١ / ٦٣ ]
ثم يقال لهم: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨].
المهم: أنه يجب علينا أن نؤمن بالملائكة.
وكيف الإيمان بالملائكة؟
نؤمن بأنهم عالم غيبي لا يشاهدون، وقد يشاهدون، إنما الأصل أنهم عالم غيبي مخلوقون من نور مكلفون بما كلفهم الله به من العبادات وهم خاضعون لله ﷿ أتم الخضوع، ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
كذلك نؤمن بأسماء من علمنا بأسمائهم ونؤمن بوظائف من علمنا بوظائفهم ويجب علينا أن نؤمن بذلك على ما عُلمنا.
وهم أجساد، بدليل قوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر، ١]، ورأى النبي ﷺ جبريل على صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح قد سد الأفق (١)،خلافًا لمن قال: إنهم أرواح.
إذا قال قائل: هل لهم عقول؟ نقولك هل لك عقل؟ ما يسأل عن هذا إلا رجل مجنون، فقد قال الله تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، فهل يثني عليهم هذا الثناء وليس لهم عقول؟! ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، أنقول: هؤلاء ليس لهم عقول؟! يأتمرون بأمر الله، ويفعلون ما
_________________
(١) رواه البخاري (٣٢٣٢، ٣٢٣٣) عن ابن مسعود ﵁ في كتاب بدء الخلق/ باب إذا قال أحدكم "آمين" والملائكة في السماء فوافقت أحدهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه.
[ ١ / ٦٤ ]