نصفه بما يستحق وهو أن يكون محرفًا.
الوجه الثالث: أن التأويل بغير دليل باطل، يجب البعد عنه والتنفير منه، واستعمال التحريف فيه أبلغ تنفيرًا من التأويل، لأن التحريف لا يقبله أحد، لكن التأويل لين، تقبله النفس، وتستفصل عن معناه، أما التحريف، بمجرد ما نقول: هذا تحريف. ينفر الإنسان منه، إذا كان كذلك، فإن استعمال التحريف فيمن خالفوا طريق السلف أليق من استعمال التأويل.
الوجه الرابع: أن التأويل ليس مذمومًا كله، قال النبي ﵊: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" (١)،وقال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]، فامتدحهم بأنهم يعلمون التأويل.
والتأويل ليس بمعنى العاقبة والمال، ويكون بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره.
(أ) يكون بمعنى التفسير، كثير من المفسرين عندما يفسرون الآية، يقولون: تأويل قوله تعالى كذا وكذا. ثم يذكرون المعنى والسمي التفسير تأويلًا، لأننا أولنا الكلام، أي: جعلناه يؤول إلى معناه وسمي التفسير تأويلًا، لأننا أولنا الكلام، أي: جعلناه يؤول إلى معناه المراد به.
_________________
(١) رواه أحمد في "المسند" (٢٣٩٦)، والفسوي في " المعرفة التاريخ" (١/ ٤٩٤) وصححه أحمد شاكر، البخاري (٧٥ و١٤٣) بلفظ "اللهم علمه الكتاب" في كتاب الوضوء/ باب وضع الماء عند الخلاء، ومسلم/ كتاب فضائل الصحابة/ باب فضل عبد الله بن عباس.
[ ١ / ٨٨ ]
(ب) تأويل بمعنى: عاقبة الشيء، وهذا إن ورد في طلب، فتأويله فعله إن كان أمرًا وتركه إن كان نهيًا، وإن ورد في خبر، فتأويله وقوعه.
مثاله في الخبر قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، فالمعنى: ما ينتظر هؤلاء إلا عاقبة ومال ما أخبروا به، يوم يأتي ذلك المخبر به، يقول الذين نسوه من قبل: قد جاءت رسل ربنا بالحق.
ومنه قول يوسف لما خر له أبواه وإخوته سجدًا قال: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠]: هذا وقوع رؤياي، لأنه قال ذلك بعد أن سجدوا له.
ومثاله في الطلب قول عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده بعد أن أنزل عليه قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١]، يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي"، يتأول القرآن (١). أي: يعمل به.
(جـ) المعنى الثالث للتأويل: صرف اللفظ عن ظاهره وهذا النوع ينقسم إلى محمود ومذموم، فإن دل عليه دليل، فهو محمود النوع ويكون من القسم الأول، وهو التفسير، وإن لم يدل عليه
_________________
(١) رواه البخاري/ كتاب التفسير/ سورة النصر، ومسلم/ كتاب الصلاة/ باب ما يقال في الركوع والسجود.
[ ١ / ٨٩ ]
دليل، فهو مذموم، ويكون من باب التحريف، وليس من باب التأويل.
وهذا الثاني هو الذي درج عليه أهل التحريف في صفات الله ﷿.
مثاله قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: ظاهر اللفظ أن الله تعالى استوى على العرش: استقر عليه، وعلا عليه، فإذا قال قائل: معنى ﴿اسْتَوَى﴾: استولى على العرش، فنقول: هذا تأويل عندك لأنك صرفت اللفظ عن ظاهره، لكن هذا تحريف في الحقيقة، لأنه ما دل عليه دليل، بل الدليل على خلافه، كما سيأتي إن شاء الله.
فأما قوله تعالى ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، فمعنى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾، أي سيأتي أمر الله، فهذا مخالف لظاهر اللفظ لكن عليه دليل وهو قوله: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، أي: إذا أردت أن تقرأ، وليس المعني: إذا أكملت القراءة، قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لأننا علمنا من السنة أن النبي ﵊ إذا أرد أن يقرأ، استعاذ بالله من الشيطان الرجيم (١)، لا إذا أكمل القراءة، فالتأويل
_________________
(١) لما رواه ابن أبي شيبة، والبيهقي في "سننه"، كما في "الدر المنثور" عن جبير بن مطعم: "أن النبي ﷺ لما دخل في الصلاة كبر ثم قال: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
[ ١ / ٩٠ ]
صحيح.
وكذلك قول أنس بن مالك: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء، قال: "أعوذ بالله من الخبث والخبائث" (١)، فمعنى "إذا دخل": إذًا أراد أن يدخل، لأن ذكر الله لا يليق داخل هذا المكان، فلهذا حملنا قوله "إذا دخل" على: إذ أراد أن يدخل: هذا التأويل الذي دل عليه صحيح، ولا يعدوا أن يكون تفسيرًا.
ولذلك قلنا: إن التعبير بالتحريف عن التأويل الذي ليس عليه دليل صحيح أولى، لأنه الذي جاء به القرآن، ولأنه ألصق بطريق المحرف، ولأنه أشد تنفيرًا عن هذه الطريقة المخالفة لطريق السلف، ولأن التحريف كله مذموم، بخلاف التأويل، فإن منه ما يكون مذمومًا ومحمودًا، فيكون التعبير بالتحريف أولى من التعبير بالتأويل من أربعة أوجه.
"ولا تعطيل": التعطيل بمعنى التخلية والترك، كقوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: ٤٥]، أي: مخلاة متروكة.
والمراد بالتعطيل: إنكار ما أثبت الله لنفسه من الأسماء والصفات، سواء كان كليًا أو جزئيًا، وسواء كان ذلك بتحريف أو بجحود، هذا كله يسمى تعطيلًا.
فأهل السنة والجماعة لا يعطلون أي اسم من أسماء الله، أو
_________________
(١) رواه البخاري (١٤٢) كتاب الوضوء/ باب ما يقول عند الخلاء. ومسلم (٣٧٥) كتاب الحيض/ باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء.
[ ١ / ٩١ ]
أي صفة من صفات الله ولا يجحدونها، بل يقرون بها إقرارًا كاملًا.