أ- الأدلة السمعية:
تنقسم إلى قسمين: خبر، وطلب.
- فمن الخبر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فالآية فيها نفي صريح للتمثيل وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، فإن هذا وإن كان إنشاء، لكنه بمعنى الخبر، لأنه استفهام بمعنى النفي وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، فهذه كلها تدل على نفي المماثلة، وهي كلها خبرية.
- وأما الطلب، فقال الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢] أي: نظراء مماثلين. وقال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤].
فمن مثل الله بخلقه، فقد كذب الخبر وعصى الأمر ولهذا أطلق بعض السلف القول بالتكفير لمن مثل الله بخلقه، فقال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري ﵀: "من شبه الله بخلقه، فقد كفر" (١)، لأنه جمع بين التكذيب بالخبر وعصيان الطلب.
وأما الأدلة العقلية على انتفاء التماثل بين الخالق والمخلوق: فمن وجوه:
_________________
(١) رواه اللالكائي في "شرح السنة" (٩٣٦). والذهبي في "العلو" ص ١١٦ وصححه الألباني، انظر: "سير الأعلام النبلاء" (١٠/ ٦١٠).
[ ١ / ١٠٣ ]
أولًا: أن نقولك لا يمكن التماثل بين الخالق والمخلوق بأي حال من الأحوال لو لم يكن بينهما من التباين إلا أصل الوجود، لكان كافيًا، وذلك أن وجود الخالق واجب، فهو أزلي أبدي، ووجود المخلوق ممكن مسبوق بعدم ويلحقه فناء، فما كانا كذلك لا يمكن أن يقال: إنهما متماثلان.
ثانيًا: أنا نجد التباين العظيم بين الخالق والمخلوق في صفاته وفي أفعاله، في صفاته يسمع ﷿ كل صوت مهما خفي ومهما بعد، لو كان في قعار البحار، لسمعه ﷿.
وأنزل الله قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]، تقول عائشة: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، إني لفي الحجرة، وإنه ليخفى على بعض حديثها" (١)، والله تعالى سمعها من على عرشه وبينه وبينها ما لا يعلم مداه إلا الله ﷿، ولا يمكن أن يقول قائل: إن سمع الله مثل سمعنا. ثالثًا: نقول: نحن نعلم أن الله تعالى مباين للخلق بذاته: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر: ٦٧]، ولا يمكن لأحد من الخلق أن يكون هكذا، فإذا كان مباينًا للخلق في ذاته، فالصفات تابعة للذات، فيكون أيضًا مباينًا للخلق في صفاته ﷿، ولا يمكن
_________________
(١) رواه البخاري معلقًا"الفتح" (١٣١/ ٣٧٢) في كتاب التوحيد/ باب ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. وقد وصله الإمام أحمد في "المسند" (٦/ ٤٦)، وابن كثير ٤/ ٢٨٦، وابن ماجة بهذا اللفظ، ورواه ايضًا لفظ "تبارك" (٢٠٦٣).
[ ١ / ١٠٤ ]