إلَخْ (١)، وَقَوْلِهِ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: «حِجَابُهُ النُّورُ أَوِ النَّارُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَات وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (٢)؟!
ـ[(وَقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٣)، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ (٤» .]ـ
/ش/ قَوْلُهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ إِلَخْ؛ تضمَّنَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ إِثْبَاتَ الْيَدَيْنِ صِفَةً حَقِيقِيَّةً لَهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، فَهُوَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى يُوَبِّخُ إِبْلِيسَ عَلَى امْتِنَاعِهِ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ الَّذِي خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ.
وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْيَدَيْنِ هُنَا عَلَى الْقُدْرَةِ؛ فَإِنَّ الْأَشْيَاءَ جَمِيعًا - حَتَّى إِبْلِيسَ - خَلَقَهَا اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ، فَلَا يَبْقَى لِآدَمَ خُصُوصِيَّةٌ يَتَمَيَّزُ بِهَا.
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو:
«إِنَّ اللَّهَ ﷿ خَلَقَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ بِيَدِهِ: خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَكَتَبَ
_________________
(١) (ضعيف) . ذكره ابن إسحاق بدون سند في قصة الطائف، وضعّفه الألباني في «فقه السيرة» للغزالي (ص١٣٢) .
(٢) رواه مسلم في الإيمان، (باب في قوله ﵇: «إنّ الله لا ينام») (٣/١٦- نووي) . وقيل: معنى: «سُبُحات وجهه»: نوره وجلاله. انظر: «جامع الأصول» (٥٠١٦) .
(٣) سورة ص: ٧٥.
(٤) المائدة: (٦٤) .
[ ١١٥ ]
التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، وَغَرَسَ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ» (١) .
فَتَخْصِيصُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِالذِّكْرِ مَعَ مُشَارَكَتِهَا لِبَقِيَّةِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي وُقُوعِهَا بِالْقُدْرَةِ دالٌّ عَلَى اخْتِصَاصِهَا بِأَمْرٍ زَائِدٍ.
وَأَيْضًا؛ فَلَفْظُ الْيَدَيْنِ بِالتَّثْنِيَةِ لَمْ يُعرف اسْتِعْمَالُهُ إِلَّا فِي الْيَدِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَلَمْ يَرِدْ قَطُّ بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ أَوِ النِّعْمَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ: خَلَقَهُ اللَّهُ بِقُدْرَتَيْنِ أَوْ بِنِعْمَتَيْنِ. عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ الْيَدَيْنِ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ أَوِ الْقُدْرَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا إِلَّا فِي حَقِّ مَنِ اتَّصَفَ بِالْيَدَيْنِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلِذَلِكَ لَا يُقَالُ: لِلرِّيحِ يَدٌ، وَلَا لِلْمَاءِ يَدٌ.
وَأَمَّا احْتِجَاجُ المعطِّلة بِأَنَّ الْيَدَ قَدْ أُفْرِدَتْ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ، وَجَاءَتْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فِي بَعْضِهَا؛ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ؛ فَإِنَّ مَا يُصْنَعُ بِالِاثْنَيْنِ قَدْ يُنسب إِلَى الْوَاحِدِ؛ تَقُولُ: رَأَيْتُ بِعَيْنِي، وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي، وَالْمُرَادُ: عَيْنَايَ، وَأُذُنَايَ. وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ يَأْتِي بِمَعْنَى الْمُثَنَّى أَحْيَانًا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
_________________
(١) رواه الدارقطني في «الصفات» (ص٤٥) بتحقيق الفقيهي. والبيهقي في «الأسماء والصفات» (ص٤٠٣)؛ من حديث الحارث بن نوفل مرفوعًا. وصحّ عن ابن عمر ﵄ أنه قال: «خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش، والقلم، وآدم، وجنة عدن. ثم قال لسائر الخلق: كن. فكان» . قال الذهبي في «العلو»: «إسناده جيد» . وقال الألباني في «مختصر العلو» (ص١٠٥): «سنده صحيح على شرط مسلم» .
[ ١١٦ ]
﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (١)، وَالْمُرَادُ: قَلْبَاكُمَا.
وَكَيْفَ يتأتَّى حملُ الْيَدِ عَلَى الْقُدْرَةِ أَوِ النِّعْمَةِ؛ مَعَ مَا وَرَدَ مِنْ إِثْبَاتِ الْكَفِّ وَالْأَصَابِعِ وَالْيَمِينِ وَالشِّمَالِ وَالْقَبْضِ وَالْبَسْطِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْيَدِ الحقيقيَّة؟!
وَفِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ يَحْكِي اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَقَالَةَ الْيَهُودِ قبَّحهم اللَّهُ فِي رَبِّهِمْ، وَوَصْفَهُمْ إِيَّاهُ - حَاشَاهُ - بِأَنَّ يَدَهُ مَغْلُولَةٌ؛ أَيْ: مُمْسِكَةٌ عَنِ الْإِنْفَاقِ.
ثُمَّ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ سُبْحَانَهُ عَكْسَ مَا قَالُوا، وَهُوَ أَنَّ يَدَيْهِ مَبْسُوطَتَانِ بِالْعَطَاءِ؛ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ؛ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ:
«إِنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلْأَى سحَّاء الليلَ والنهارَ؛ لَا تَغيضُها نَفَقةٌ» (٢) .
تُرَى لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ يَدَانِ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ هَلْ كَانَ يَحْسُنُ هَذَا التَّعْبِيرُ بِبَسْطِ الْيَدَيْنِ؟!
أَلَا شاهَتْ وُجوهُ المتأوِّلين!!
_________________
(١) التحريم: (٤) .
(٢) رواه البخاري في التوحيد، (باب: قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (١٣/٣٩٣فتح)، و(باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾) (١٣/٤٠٣-فتح)، وفي التفسير، ومسلم في الزكاة، (باب: الحثّ على النفقة) (٧/٨٤-نووي)، ولفظه: «يمين الله ملأى لا يغيضها؛ سحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق مذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه» .
[ ١١٧ ]