فكلُّ مَا كَانَ وَوَقَعَ مِنَ الْكَائِنَاتِ وَاقِعٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ:
«مَا شَاءَ اللَّهُ كانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ» (١) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ﴾ الْآيَةَ؛ فَقَدْ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ حِينَ حَلَفَ لَا يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ، وَكَانَ ممَّن خَاضُوا فِي الْإِفْكِ، وَكَانَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ بِنْتَ خَالَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي»، وَوَصَلَ مِسْطَحًا (٢) .
ـ[(وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، وَقَوْلُهُ عَنْ إِبْلِيسَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤» .]ـ
/ش/ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ فَقَدْ [نَزَلَتْ فِي شَأْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبيِّ ابْنِ سَلُولَ رَئِيسِ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانَ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ قَدْ أَقْسَمَ ليخرجنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - هُوَ وَأَصْحَابَهُ مِنَ المدينة، فنزل قول تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾؛ يَقْصِدُ
_________________
(١) سبق تخريجه (ص١٣٢) .
(٢) جزء من حديث حادثة الإفك، وقد رواه البخاري في الشهادات، (باب: تعديل النساء بعضهن بعضًا) (٥/٢٦٩-فتح)، وفي الجهاد (باب: حمل الرجل امرأته في الغزو)، وفي المغازي، والتفسير، والأيمان والنذور، والاعتصام، والتوحيد. ومسلم في التوبة (باب: حديث الإفك) (١٧/١٠٨-نووي)، ورواه الترمذي، والنسائي.
(٣) المنافقون: (٨) .
(٤) ص: (٨٢) .
[ ١٢٦ ]
بِالْأَعَزِّ - قبَّحه اللَّهُ - نَفْسَهُ وَأَصْحَابَهُ، وَيَقْصِدُ بِالْأَذَلِّ رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَرَدَّ اللَّهُ ﷿ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾] (١) .
والعزَّة صفةٌ أثبتها لله ﷿ لِنَفْسِهِ؛ قَالَ تَعَالَى:
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢) .
وَقَالَ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ (٣) .
وَأَقْسَمَ بِهَا سُبْحَانَهُ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ:
«وعزَّتي وكِبْريائي وَعَظَمَتِي؛ لأخرجنَّ مِنْهَا مَن قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (٤) .
وَأَخْبَرَ عَنْ إِبْلِيسَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٥) .
وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:
«بَيْنَمَا أيُّوب ﵇ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ ربُّه: يَا أيُّوب! أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟
_________________
(١) أورد سبب النزول البخاري في تفسير سورة المنافقون (٨/٦٤٤-فتح)، ومسلم في صفات المنافقين (١٧/١٢٥-نووي)، والترمذي في التفسير، (باب: ومن سورة المنافقون) .
(٢) إبراهيم: (٤) .
(٣) الأحزاب: (٢٥) .
(٤) رواه مسلم في الإيمان، (باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها) (٣/٦٥-نووي) بلفظ مقارب، وابن أبي عاصم في «السنة» (٨٢٨) .
(٥) ص: (٨٢-٨٣) .
[ ١٢٧ ]