والهُدى بِهَذَا الْمَعْنَى عامٌّ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَلِهَذَا يوصَفُ بِهِ الْقُرْآنُ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١) .
وَيُوصَفُ بِهِ الرَّسُولُ - ﷺ -؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم ٍ﴾ (٢) .
وَقَدْ يَأْتِي الهُدى بِمَعْنَى التَّوْفِيقِ وَالْإِلْهَامِ، فَيَكُونُ خَاصًّا بمَن يَشَاءُ اللَّهُ هِدَايَتَهُ؛ قَالَ تَعَالَى:
﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَم ِ﴾ (٣) .
وَلِهَذَا نفاهُ اللَّهُ عَنْ رَسُولِهِ؛ قَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ (٤) .
وَالْمُرَادُ بالهُدى هُنَا: كلُّ مَا جَاءَ بِهِ النبيُّ - ﷺ - مِنَ الْإِخْبَارَاتِ الصَّادِقَةِ، وَالْإِيمَانِ الصَّحِيحِ، وَالْعِلْمِ النَّافِعِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ.
والدِّين يَأْتِي لِعِدَّةِ معانٍ:
مِنْهَا: الْجَزَاءُ؛ كَمَا فِي قوله تعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٥) .
ومنهُ قولُهم: كَما يَدِينُ الفَتى يُدَانُ (٦) .
_________________
(١) الإسراء: (٩) .
(٢) الشورى: (٥٢) .
(٣) الأنعام: (١٢٥) .
(٤) القصص: (٥٦) .
(٥) الفاتحة: (٤) .
(٦) روى البيهقي في «الزهد» (ص٢٩٧)، وابن عدي في «الكامل» (٢/٢١٦٨)؛ من حديث ابن عمر مرفوعًا: «البر لا يبلى، والإثم لا ينسى، والدَّيَّان لا ينام، فكن كما شئت كما تدين تُدان»؛ بإسناد ضعيف. ورواه أحمد في «الزهد» (ص١٧٦) موقوفًا على أبي الدَّرداء؛ بإسناد ضعيف أيضًا. انظر: «ضعيف الجامع» (٤٢٧٤)، و«الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة» للسيوطي، تحقيق: الصباغ، رقم (٣٢٨) .
[ ٥٣ ]
وَمِنْهَا: الْخُضُوعُ وَالِانْقِيَادُ؛ يُقَالُ: دَانَ لَهُ؛ بِمَعْنَى: ذلَّ وَخَضَعَ، وَيُقَالُ: دانَ اللهَ بِكَذَا، أَوْ كَذَا؛ بِمَعْنَى اتَّخذه دِينًا يَعْبُدُهُ بِهِ.
وَالْمُرَادُ بالدِّين هُنَا: جَمِيعُ مَا أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مِنَ الْأَحْكَامِ وَالشَّرَائِعِ؛ اعْتِقَادِيَّةً كَانَتْ، أَمْ قَوْلِيَّةً، أَمْ فِعْلِيَّةً.
وَإِضَافَتُهُ إِلَى الْحَقِّ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى صِفَتِهِ؛ أَيِ: الدِّينُ الْحَقُّ.
والحقُّ: مصدرُ حَقَّ يَحِقُّ إِذَا ثَبَتَ وَوَجَبَ. فَالْمُرَادُ بِهِ: الثَّابِتُ، الْوَاقِعُ. وَيُقَابِلُهُ: الْبَاطِلُ الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لَهُ.
اللَّامُ فِي قَوْلِهِ: «لِيُظْهِرَهُ» لَامُ التَّعْلِيلِ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (أَرْسَلَ)، وَهُوَ مِنَ الظُّهُورِ؛ بِمَعْنَى: العلوِّ وَالْغَلَبَةِ؛ أَيْ: لِيَجْعَلَهُ عَالِيًا عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ.
وَ(أَلْ) فِي «الدِّينِ» لِلْجِنْسِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ دِينٍ بَاطِلٍ، وَهُوَ مَا عَدَا الْإِسْلَامَ.
وَالشَّهِيدُ: فعيلٌ، وَهُوَ مبالغةٌ مِنْ شَهِدَ، وَهُوَ إِمَّا مِنَ الشَّهَادَةِ؛ بِمَعْنَى الْإِخْبَارِ وَالْإِعْلَامِ، أَوْ مِنَ الشَّهَادَةِ؛ بِمَعْنَى الْحُضُورِ. وَالْمَعْنَى: وكَفَى باللهِ شَهِيدًا مُخْبِرًا بِصِدْقِ رَسُولِهِ، أَوْ حَاضِرًا مطَّلِعًا لَا يَغِيبُ عَنْهُ شيءٌ.
وَالْمَعْنَى الْإِجْمَالِيُّ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ جَمِيعَ أَوْصَافِ الْكَمَالِ ثابتةٌ لِلَّهِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ وأتمِّها.
[ ٥٤ ]