فَهَذِهِ الْآيَةُ تضمَّنت إِثْبَاتَ تَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ، وَإِثْبَاتَ تَوْحِيدِ الرُّبوبية، فَإِنَّ اللَّهَ بَعْدَمَا أَخْبَر عَنْ نَفْسِهِ بِعَدَمِ وُجُودِ إِلَهٍ مَعَهُ أَوْضَحَ ذَلِكَ بِالْبُرْهَانِ الْقَاطِعِ وَالْحُجَّةِ الْبَاهِرَةِ، فَقَالَ: ﴿إِذًا﴾؛ أَيْ: إِذْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلهةٌ كَمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ؛ ﴿لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض﴾ ٍ.
وَتَوْضِيحُ هَذَا الدَّلِيلِ أَنْ يُقَالَ: إِذَا تعدَّدت الْآلِهَةُ؛ فَلَا بدَّ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ خَلْقٌ وَفِعْلٌ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى التَّعَاوُنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ ضروريٌّ، كَمَا أَنَّ التَّعَاوُنَ بَيْنَهُمْ فِي الْخَلْقِ يَقْتَضِي عَجْزَ كُلٍّ مِنْهُمْ عِنْدَ الِانْفِرَادِ، وَالْعَاجِزُ لَا يَصْلُحُ إِلَهًا، فَلَا بُدَّ أَنْ يستقلَّ كلٌّ مِنْهُمْ بِخَلْقِهِ وَفِعْلِهِ، وحينئذٍ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا مُتَكَافِئِينَ فِي الْقُدْرَةِ، لَا يَسْتَطِيعُ كُلٌّ مِنْهُمْ أَنْ يَقْهَرَ الْآخَرِينَ وَيَغْلِبَهُمْ، فَيَذْهَبَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِمَا خَلَقَ، وَيَخْتَصَّ بِمُلْكِهِ؛ كَمَا يَفْعَلُ مُلُوكُ الدُّنْيَا مِنَ انْفِرَادِ كُلٍّ بِمَمْلَكَتِهِ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا لِقَهْرِ الْآخَرِينَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمْ أَقْوَى مِنَ الْآخَرِينَ، فَيَغْلِبَهُمْ، وَيَقْهَرَهُمْ، وَيَنْفَرِدَ دُونَهُمْ بِالْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ، فَلَا بُدَّ إِذًا مَعَ تعدُّد الْآلِهَةِ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا ذَهَابُ كُلٍّ بِمَا خَلَقَ، أَوْ عُلُوُّ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.
وَذَهَابُ كلٍّ بِمَا خَلَقَ غَيْرُ وَاقِعٍ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي التَّنَافُرَ وَالِانْفِصَالَ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ، مَعَ أَنَّ الْمُشَاهَدَةَ تُثْبِتُ أَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ كَجِسْمٍ وَاحِدٍ مُتَرَابِطِ الْأَجْزَاءِ، متَّسق الْأَنْحَاءِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا أَثَرًا لِإِلَهٍ وَاحِدٍ.
وَعُلُوُّ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْإِلَهُ هُوَ الْعَالِيَ وَحْدَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ﴾؛ فَهُوَ نهيٌ لَهُمْ أَنْ يشبِّهوه بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى الَّذِي لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ مَخْلُوقٌ.
وَقَدْ قدَّمنا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي حَقِّهِ مِنَ الْأَقْيِسَةِ مَا يَقْتَضِي
[ ١٣٥ ]
الْمُمَاثَلَةَ أَوِ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؛ كَقِيَاسِ التَّمْثِيلِ وَقِيَاسِ الشُّمُولِ.
وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي ذَلِكَ قِيَاسُ الْأَوْلَى الَّذِي مَضْمُونُهُ أَنَّ كُلَّ كمالٍ وجوديٍّ غيرِ مستلزمٍ لِلْعَدَمِ وَلَا لِلنَّقْصِ بوجهٍ مِنَ الْوُجُوهِ اتَّصف بِهِ الْمَخْلُوقُ فَالْخَالِقُ أَوْلَى أَنْ يتَّصف بِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَهَبَ الْمَخْلُوقَ ذَلِكَ الْكَمَالَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يتَّصف بِذَلِكَ الْكَمَالِ - مَعَ إِمْكَانِ أَنْ يُتَّصف بِهِ - لَكَانَ فِي الْمُمْكِنَاتِ مَنْ هُوَ أَكْمَلُ مِنْهُ، وَهُوَ محالٌ، وَكَذَلِكَ كُلُّ نقصٍ يتنزَّه عَنْهُ الْمَخْلُوقُ، فَالْخَالِقُ أَوْلَى بالتنزُّه عَنْهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿قلْ إِنَّمَا حَرَّمَ ﴾ إِلَخْ؛ فَـ ﴿إِنَّمَا﴾ أَدَاةُ حصرٍ تُفِيدُ اخْتِصَاصَ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ بِالْحُرْمَةِ، فَيُفْهِمُ أَنَّ مَن عَدَاهَا مِنَ الطَّيِّبات فَهُوَ مباحٌ لَا حَرَجَ فِيهِ؛ كَمَا أَفَادَتْهُ الْآيَةُ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَ﴿الْفَوَاحِشَ﴾ جَمْعُ فَاحِشَةٍ؛ وَهِيَ الْفِعْلَةُ الْمُتَنَاهِيَةُ فِي الْقُبْحِ، وخصَّها بَعْضُهُمْ بِمَا تضمَّن شَهْوَةً وَلَذَّةً مِنَ الْمَعَاصِي؛ كَالزِّنَا، وَاللِّوَاطِ، وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْفَوَاحِشِ الظَّاهِرَةِ، وَكَالْكِبْرِ وَالْعَجَبِ وَحُبِّ الرِّيَاسَةِ مِنَ الْفَوَاحِشِ الْبَاطِنَةِ.
وَأَمَّا ﴿وَالإِثْمَ﴾؛ فَمِنْهُمْ مَن فَسَّرَهُ بِمُطْلَقِ الْمَعْصِيَةِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْهُ مَا دُونَ الْفَاحِشَةِ، وَمِنْهُمْ مَن خصَّه بِالْخَمْرِ؛ فَإِنَّهَا جِماع الْإِثْمِ.
وَأَمَّا ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾؛ فَهُوَ التسلُّط وَالِاعْتِدَاءُ عَلَى النَّاسِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْقِصَاصِ وَالْمُمَاثَلَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾، وحرَّم أَنْ تَعْبُدُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، وتتقرَّبوا إِلَيْهِ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ وَالْقُرُبَاتِ؛ كَالدُّعَاءِ، وَالنَّذْرِ، وَالذَّبْحِ، وَالْخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُخْلِص فِيهِ
[ ١٣٦ ]