الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أحمده – جل ذكره – لا أحصي ثناء عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد..
فغير خاف على أهل العلم، وطلابه، والمشتغلين به ما للعقيدة الواسطية التي ألفها شيخ الإسلام أبو العباس أحمد ابن عبد الحليم بن تيمية-رحمه الله تعالى-من المكانة، والأهمية، والمنزلة بين الكتب المؤلفة في بيان عقيدة السلف. فإن هذه العقيدة المباركة الذائعة الصيت، والحائزة السبق، عظيمة النفع في توضيح عقيدة أهل السنة والجماعة على قلة ألفاظها، وسهولة عبارتها، والذي رشحها لهذا أسباب عديدة منها:
١- أن ما تضمنته هذه العقيدة المباركة معتمد على ما جاء في كتاب الله – ﷿-، وسنة رسوله ﷺ، وأجمع عليه سلف الأمة وأئمتها، وذلك في ألفاظها ومعانيها، وقد أبان شيخ الإسلام عن هذه المزية في المناظرة التي جرت في هذه العقيدة فقال: "أنا تحريت في هذه العقيدة اتباع الكتاب، والسنة"١، وقال أيضًا: "وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به آية، أو حديثًا، أو إجماعًا سلفيًا"٢.
٢- أن ما تضمنته هذه الرسالة المباركة هو نتيجة، وثمرة تتبع شيخ الإسلام – ﵀ – لأقوال السلف، واستقرائها في باب أسماء الله
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى (٣/١٦٥) . ٢ المصدر السابق (٣/١٨٩) .
[ ٥ ]
والجماعة في هذه العقيدة تحريرًا بالغًا دقيقًا، حتى قال: "قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي ﷺ يخالف ما ذكرته فأنا راجع عن ذلك"١. ولقد عدل – ﵀ – عن استعمال بعض الألفاظ المشتهرة كالتحريف والتشبيه ونحوهما، لكونها ليست في الكتاب والسنة، وإن كان قد يعنى بها معنى صحيح٢.
٤- أنه على صغر حجم هذه العقيدة المباركة إلا أنها اشتملت على غالب مسائل الاعتقاد، وأصول الإيمان، إضافة إلى بيان المسلك العملي الخلقي لأهل السنة والجماعة.
ولقد حظيت هذه العقيدة بالقبول عند أهل العلم قديمًا وحديثًا، فأثنى عليها أهل العلم، وذكروها بالجميل، فقال الذهبي – ﵀ – في كلام له على هذه الرسالة: "وقع الاتفاق على أن هذا معتقد سلفي جيد"٣، وقال ابن رجب – ﵀ –: "وقع الاتفاق على أن هذه عقيدة سنيّة سلفية"٤، وقال عنها الشيخ عبد الرحمن السعدي – ﵀-: "جمعت على اختصارها، ووضوحها جميع ما يجب اعتقاده في أصول الإيمان، وعقائده الصحيحة"٥.
_________________
(١) ١ المصدر السابق. ٢ انظر: المصدر السابق (٣/١٦٥- ١٦٦) . ٣ العقود الدرية (ص: ٢١٢) . ٤ الذيل على طبقات الحنابلة (٢/٣٩٦) . ٥ التنبيهات اللطيفة للسعدي (ص: ٦) .
[ ٦ ]
ولهذا اعتنى أهل العلم وطلابه بهذه العقيدة حفظًا، وتدريسًا، تعلمًا، وتعليمًا. وقد شرحت بشروح كثيرة متنوعة بسطًا، واختصارًا، وفي كل خير، لكن لما كانت هذه العقيدة بمثابة الخلاصة، والنبذة لما بسطه شيخ الإسلام – ﵀-، وفصّله في مؤلفاته، وكتبه، ورسائله بدا لي أن خير من يوضح ما اشتملت عليه هذه العقيدة، ويبينه هو مؤلفها – ﵀-، فاستعنت الله – تعالى – في تتبع كلامه، وجمعه، ثم انتقاء ما يوضح مقصود الرسالة، ويبسط موجزها، ثم تنسيق ذلك، والتأليف بين هذا الدر المنثور لينتظم العِقد، ويتحقق القصد. ولإتمام الفائدة، وتوثيق المادة عزوت جميع ما نقلته من كلامه – ﵀ – سواء كان النقل نصًا، وهو الغالب، أو كان بالمعنى، وهو قليل نزر. وما لم أجد فيه كلامًا للشيخ – ﵀ – رجعت فيه إلى تلميذه ابن القيم – ﵀-، وهذا قليل أيضًا. ولم أخرج عن هذا الصراط إلا في عدة مواضع، نقلت فيها كلامًا للشيخ عبد الرحمن بن سعدي – ﵀-.
فأسأل الله – تعالى -أن ينفع بهذا الشرح كما نفع بالأصل، وأن يجعله عملًا مقبولًا، تعظم به الحسنات، وترفع به الدرجات، إنه بر جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد البشير النذير، وسلم تسليمًا كثيرًا.
كتبه
خالد بن عبد الله بن محمد المصلح
٩ / ٤ / ١٤٢١ هـ
القصيم عنيزة
ص. ب ١٠٦٠
[ ٧ ]