والأدلة النقلية الشرعية على صفة العلم ثلاثة أنواع: النوع الأول: ما يدل على علم الله ﷿ الشامل الواسع لكل شيء.
من أمثلة هذا النوع: قول الله ﷿: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨]، فهذا يشمل الماضي والمستقبل، ويشمل أفعال العباد ومفعولاتهم، ويشمل جميع المخلوقات، عالم الغيب والشهادة.
وكذلك من الأمثلة: قول الله ﷿: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]، وهذه في الدلالة على العلم أصرح، كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرحه على صحيح البخاري في كتاب التوحيد، وهو آخر كتاب من كتب صحيح البخاري، لما جاء عند هذه الآية: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]، قال: هذه أصرح في الدلالة على علم الله ﷿ من الآية التي قبلها؛ وذلك لوجود النفي والإثبات فيها، وهو يدل على الاختصاص، كما سبق أن أشرنا أن النفي والإثبات يدل على الاختصاص.
ومما يدل على هذا النوع أيضًا: قول الله ﷿: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]، فعلم الله ﷿ محيط بكل شيء لا يخفى عليه خافية ﷾.
يلاحظ في قول الله ﷿: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، أن هذه الأشياء جميعًا من مخلوقات الله، ومن الطبيعي أن الخالق يعلم تفصيلات مخلوقاته.
النوع الثاني: ما يدل على علمه بما سيكون قبل أن يكون.
هناك أدلة تدل على أن الله ﷿ يعلم الشيء قبل أن يكون، ولهذا من قواعد أهل السنة: أن الله ﷿ يعلم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.
يعني: حتى المستحيل يعلمه الله ﷾.
يقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان:٣٤]، وكذلك أفعال العباد، ومن منهم يدخل الجنة، ومن منهم يدخل النار، وجميع ذلك في علم الله ﷿.
جاء في صحيح البخاري ومسلم عن عمران بن حصين ﵁: (أن رجلًا قال للنبي ﷺ: يا رسول الله! الله يعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم.
قال: ففيم يعمل العاملون؟ فقال رسول الله ﷺ: كل ميسر لما خلق له).
وهذا من الأمور المستقبلية، وهو يعلم أفعال العباد على التفصيل ﷾، وهذه من الأمور المستقبلية.
النوع الثالث: ما يدل على علمه بالشيء بعد وجوده.
مثال ذلك: قول الله ﷿: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١]، وهذا يدل على أن الله ﷿ يعلم الشيء بعد وجوده بعلم ثان غير العلم الأول.
[ ٤ / ١٠ ]