انتهينا الآن من مسألة القرآن والكلام، وللفرق في مسألة الكلام والناس اختلفوا في هذه المسألة على تسعة أقوال، ذكرها شارح الطحاوية:
يقول شارح الطحاوية -﵀-: اختلف الناس أو افترق الناس في مسألة الكلام على تسعة أقوال:
[ ٣ / ١٨ ]
أحدها: أن كلام الله هو ما يفيض على النفوس من المعاني، إما من العقل الفعّال عند بعضهم، أو من غيره، وهذا قول الصائبة والمتفلسفة.
وثانيها: أنه مخلوق، خلقه الله منفصلًا عنه، وهذا قول المعتزلة.
وثالثها: أنه معنىً واحد، قائمٌ بذات الله، هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار، إن عبر عليه بالعربية كان قرآنًا، وأن عبر عنه بالعبرانية كان توراةً، إلى آخره، وهذا قول: ابن كلاّب ومن وافقه كالأشعري وغيره. ويقولون حينئذٍ: القرآن عبارة عن المعنى، وابن كلاب يقول: حكاية، والأشاعرة يقولون: عبارة، القرآن عبارة عن كلام الله، وابن كلاب يقول: حكاية عن كلام الله. ويكثر في كلام المتعلمين الآن فيما يقوله الله -جل وعلا- حكاية عن كذا، حكاية عن موسى، يعني أن الله -جل وعلا- قاله على لسان فلان، فهذه الجملة هذه الكلمة تجتنب؛ لئلا نوافق المبتدعة.
الأمر الثاني: كلمة عبارة ابتذلها الناس، واستعملوها في غير موضعها، يقول لك مثلًا: هذا القلم عبارة أو هذا عبارة عن قلم، كيف عبارة؟! هذا قلم، كيف عبارة عن قلم؟ هذا عبارة عن كتاب، وهذه عبارة عن سيارة، وهذه عبارة عن كذا، يعني إقحام للشيء في غير موضعه.
رابعها: أنه حروفٌ وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل، وهذا قول طائفة من أهل الكلام.
وخامسها: أنه حروفٌ وأصوات، لكن تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلمًا، وهذا قول الكرّامية وغيرهم.
وسادسها: أن كلامه يرجع إلى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته، وهذا يقوله صاحب المعتبر، المعروف: هبة الله بن ملكى، وهو طبيب، المعتبر مطبوع في الهند في مجلدين معروف يعني متداول، وإليه يميل الرازي في المطالب العالية.
وسابعها: أن كلامه يتضمن معنىً قائمًا بذاته هو ما خلقه في غيره، وهذا قول: أبي منصور الماتريدي.
وثامنها: أنه مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات، وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات، وهذا قول: أبي المعالي ومن تبعه.
[ ٣ / ١٩ ]
وتاسعها: أنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، ويتكلم به بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا، وهذا هو المأثور عن أئمة الحديث والسنة، أنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، ويتكلم به بصوت يسمع، يعني بصوت حرف، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديمًا، وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة.
يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في النونية في كلام طويل جدًا حول مسألة الكلام، يقول -رحمه الله تعالى-:
والله ربي لم يزل متكلمًا وكلامه المسموع بالآذانِ
صدقًا وعدلًا أحكمت كلماته طلبًا وإخبارًا بلا نقصانِ
ورسوله قد عاذ بالكلمات مِن لدغٍ ومن عينٍ ومن شيطانِ
«أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» «أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة» فاستعاذ النبي -﵊- بكلمات الله.
ورسوله قد عاذ بالكلمات من لدغٍ ومن عينٍ ومن شيطانِ
أيعاذ بالمخلوق؟! يعني لو كان القرآن مخلوق يستعاذ به؟ لا.
أيعاذ بالمخلوق حاشاه من الـ إشراك وهو معلم الإيمانِ
بل عاذ بالكلمات وهي صفاته سبحانه ليست من الأكوانِ
وكذلك القرآن عين كلام الـ مسموع منه حقيقة ببيانِ
هو قول ربي كله لا بعضه لفظًا ومعنىً ما هما خلقانِ
تنزيلُ ربِّ العالمين وقوله اللفظ والمعنى بلا روغانِ
لكنَّ أصوات العباد وفعلهم كمدادهم والرق مخلوقانِ
فالصوت للقاري ولكن الكلام كلام رب العرش ذي الإحسانِ
هذا إذا ما كان ثم وساطة كقراءة المخلوق للقرآنِ
فإذا انتفت تلك الوساطة مثلما قد كلم المولود من عمرانِ
فهناك المخلوق نفس السمع لا شيء من المسموع ففهم ذانِ
هذه مقالة أحمدَ ومحمدٍ وخصومهم من بعد طائفتانِ
الإمام أحمد ومحمد بن إسماعيل البخاري إلى أن قال بعد أن جاء الكلام النفسي:
ودليلهم في ذاك بيتٌ قاله فيما يقال الأخطل النصراني
يا قوم قد غلط النصارى قبل في معنى الكلام وما اهتدوا لبيانِ
ولأجل ذا جعلوا المسيح إلههم إذ قيل كلمة خالق رحمنِ
ولأجل ذا جعلوه ناسوتًا ولاهوتًا قديمًا بعد متحدانِ
[ ٣ / ٢٠ ]
في كلام كثيرٍ جدًا
من الطرائف أن بعضهم يقول: بقدم الجلد والغلاف، كتب المصحف في الورق قال: حتى الورق قديم والجلد قديم، والغلاف قديم كل شيء قديم. ثم تهكم –شيخ الإسلام- بقوله: ما لهم لم يقولوا بقدم الكاتب والمجلِّد؟! إذا كان الجلد والغلاف كله قديم، فلماذا المجلد ما يصير قديم؟
على كل حال هذه المسألة عظيمة، وفيها مباحث طويلة، وضل فيها طوائف ممن ينتسب إلى الدين، ولا فرق بين من يقول: إن الله -جل وعلا- خلق الكلام في الشجرة حينما كلم موسى وأخبره بأنه رب، فإذا قلنا: أنه خلق الكلام في الشجرة، فكلام الشجرة المخلوق فيها ككلام فرعون المخلوق فيه ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [(٢٤) سورة النازعات] ولا فرق، إذا قالت الشجرة: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ﴾ على قول المعتزلة القرآن مخلوق، أن الله خلقه في الشجرة، فالشجرة هي التي قالت: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ﴾ فما الفرق بين قول الشجرة وبين قول فرعون ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ في فرق وإلا ما في فرق؟ ما في فرق، لكن الضلال حاصل، نسأل الله السلامة والعافية.
هنا مذهب السالمية الذي يعبر عنهم بالاقترانية يقول:
والفرقة الأخرى فقالت إنه لفظٌ ومعنى ليس ينفصلانِ
واللفظ كالمعنى قديمٌ قائمٌ بالنفس ليس يقابل الحدثانِ
فالسين عند الباء لا مسبوقة
يعني لو قلت: بسم الله، خرجت الباء والسين في آنٍ واحد، يعني ما في باء تسبق السين أو سين تسبق الباء، الكلام كله مقترن بعضه ببعض.
فالسين عند الباء لا مسبوقة لكن هما حرفان مقترانِ
إلى آخره
والقائلون بذا يقولوا إنما ترتيبها في السمع بالآذانِ
يعني أن الله -جل وعلا- على حد زعمهم تلفظ بالحروف دفعة واحدة، -تعالى الله عما يقولون-، لكن جبريل رتب هذه الحروف، يعني من باب التصوير والتمثيل -تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا-، يعني كأن هذه الحروف مطبعة، الذي جمع حرف حرف أعطيت للطابع، وقيل: يا لله رتب هذه الحروف وأطبعها، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. الله المستعان.
[ ٣ / ٢١ ]
يا إخوان: هذا كلام قد يقول قائل: كيف يصدر مثل هذا الكلام عن عاقل، هذه البدع تنشأ شيئًا فشيئًا، تبدأ بمخالفة يسيرة للوحيين، مخالفة يسيرة، ثم هذا المخالف يصر على هذه المخالفة، ثم يورد له من الأدلة ما لو كان متصفًا بالورع لرجع، ولكن تأخذه العزة بالإثم فيصر، ثم يُلزم بلوازم لكلامه، ثم يلتزم بهذه اللوازم، وإلا ابتداءً ما يمكن أن يقول مثل هذا الكلام، هل يتصور أن الله -جل وعلا- نطق بهذا الكلام كله دفعةً واحدة، بسم الله الباء ليست قبل السين ولا السين قبل الباء، يعني دفعة واحدة، وجبريل هو الذي تولى، الملك الذي نزل به، هو الذي تولى الترتيب، يعني نظير قول الناس أو نظير ما هو الواقع، الحروف حروف المطابع يعني لما كانت المطابع حروف يعني رص، ما هي بكمبيوتر يمشي بطريقة الكترونية لا، الحروف كانت تأتي من رصاص حرف، حرف، هذا حرف يصلح في أول الكلمة ونفس الحرف إذا كان في وسطها، ونفس الحرف إذا كان في آخرها، تجمع الحروف حوالي مائة قطعة، إذا نظرنا إلى تغير صورة الحرف من كونه في أول الكلمة أو في أثنائها أو في آخرها، فيؤتى بها في كيس أو في علبة هذه الحروف دفعة واحدة تسلم لصاحب المطبعة من المصنع الذي يصنعها، ثم صاحب المطبعة يرتب هذه الحروف، يعني ما في هذا الكيس من هذه الحروف هل يستفاد منه؟ إذًا كلام الله -جل وعلا- لا يستفاد منه، إنما الكلام المفيد في ترتيب من رتب هذا الكلام، هذا غاية في الضلال، نسأل الله السلامة والعافية.
والقائلون بأنه بمشيئة في ذاته أيضًا فهم نوعانِ
إحداهما جعلته مبدوءًا به نوعًا حذارِ تسلسل الأعيانِ
فيسد ذاك عليهمُ في زعمهم إثبات خالق هذه الأكوانِ
يعني أن كلامه حادث، ويبدئه بمشيئة لكنه حادث؛ لئلا يلزم أن يورث قديم مع الله -جل وعلا-، فعلى هذا تتسلسل الحوادث في القدم، وهذا ممنوع، هذا قول الكرّامية.
والآخرون أولوا الحديث كأحمدٍ ومحمدٍ وأئمة الإيمانِ
قالوا بأن الله حقًا لم يزل متكلمًا بمشيئة وبيانِ
إلى آخره ، ثم مذهب قول ابن حزم في القرآن، وهو كلام شنيعٌ قبيح:
وأتى ابن حزمٍ بعد ذاك فقال ما للناس قرآنٌ ولا اثنانِ
[ ٣ / ٢٢ ]
بل أربعٌ كلٌ يسمى بالقرآن وذاك قولٌ بين البطلانِ
يقول: ما عندنا قرآن واحد، عندنا أربعة قرآنات.
وأتى ابن حزمٍ بعد ذاك فقال ما للناس قرآنٌ ولا اثنانِ
بل أربعٌ كلٌ يسمى بالقرآن وذاك قولٌ بين البطلانِ
هذا الذي يتلى وآخرُ ثابتٌ في الرسمِ يدعى المصحف العثماني
يعني: ما ينطق به قرآن، والذي في المصحف قرآن غير الذي ينطق به.
والثالث المحفوظ بين صدورنا ..
الذي لا ينطق به المحفوظ في الصدور.
هذه الثلاثة خليقة الرحمن .. هذه مخلوقة
هذا الذي يتلى وآخرُ ثابتٌ في الرسمِ يدعى المصحف العثماني
والثالث المحفوظ بين صدورنا هذه الثلاث خليقة الرحمنِ
والرابع المعنى القديم كعلمه كلٌ يعبرُ عنه بالقرآنِ
فقول ابن حزم لا شك أنه ضلال، ثم قال هنا الشارح -بعد أن ترجم له بترجمة مطولة- يقول: فلا بد من بيان معناه، فقوله: "بل أربعٌ كلٌ يسمى بالقرآن" هذا الذي يتلى، والثاني: المكتوب في المصاحف، والثالث: المحفوظ في الصدور، والمراد بالرسم الخط، وقوله: "هذه الثلاث خليقة الرحمن" وهذا القول من أبطل الأقوال التي قيلت في القرآن، ولذلك قال الناظم: "وذلك قولٌ بينُ البطلان" وقوله: "والرابع المعنى القديم" إلى آخره كأنه -والله أعلم- وافق الأشاعرة والكلابية في إثبات المعنى النفسي، وقد تقدم القول في المعنى النفسي بما أغناه عن الإعادة، يعني أنه يوافق المعتزلة في الثلاثة، ويوافق الأشعرية في المعنى النفسي، وقول الناظم: "وأظنه قد رام شيئًا لم يجد إلى قوله: أن المعين ذو مراتبَ أربعٍ" أن المعين كزيد مثلًا، له أربع وجودات، وجوده الخارجي: يعني المكون من جسده المحسوس المرئي، هذا وجوده الخارجي.
ووجودٌ ذهني: يعني أنت في ذهنك تتصور أن زيد من البشر، وأنه من الذكور، تتصوره ذكر وتتصوره من بني آدم، وتتصوره ذا طول وعرض، ووجودٌ ذهني.
ووجودٌ لفظي، لفظت بهذه الحروف الزاي والياء والدال، أي في اللفظي إذا تلفظت بلفظ زيد.
ووجودٌ رسمي: أي خطي.
[ ٣ / ٢٣ ]
هذه المراتب الأربع، يعني لما تقول: زيد، أمامك زيد ماثل هذا وجود خارجي، وأنت تتصور هذا المسمى بهذا الاسم من بني آدم تتصوره ذكر، وتتصوره له طول وعرض ولون هذا وجود ذهني، ووجود لفظي أنت لفظت قلت: هذا زيد، أنت تلفظت بالحروف الثلاثة، ثم بعد ذلك وجودٌ رسمي كتبت زيد، فهذه الوجودات الأربعة، وهي التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [(١ - ٤) سورة العلق] فذكر المراتب الأربعة، وهي الوجود العيني الخارجي الذي هو خلقه، وذكر الوجود الرسمي المطابق للفظي الدال على العلمي، فمذهب ابن حزم أن القرآن في المراتب الثلاث مخلوق، وهو وجوده العيني واللفظي والرسمي، ولكن الأولى بالتسمية بالقرآن هو وجوده العيني، بقي عنده "والمعنى القديم" فهو غير مخلوق، نسأل الله السلامة والعافية.
فمن أراد النجاة، وأراد العصمة، فعليه بالكتاب والسنة، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٣ / ٢٤ ]
شرح العقيدة الواسطية