الحمدُ لله الكبيرِ المتَعَال، المُتنَزِّه عن الشُّرَكاء والأَندَاد والأمثال، أحمده سبحانه وأشكره بلسان الحال والمقال، وأصَلِّي وأسلِّم على نبينا محمَّدٍ المنعوتِ بشريفِ الخِصَال، والهادي إلى سبيل الرَّشَاد وجميل الفِعَال، وعلى آله وأصحابه خير صحبٍ وآل، والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم المآل.
أما بعدُ:
فإِنَّ أفضلَ العلومِ، وأَوْلاها بالعِنَايةِ والرِّعَاية «علمُ الاعتِقَاد»، إذ هو أصل الأصول، ورأس العلوم، وهو رُكنُ الإِسلامِ الأَعظَم، وَقَاعِدَتُه الأَهَمّ، ولذا كان تقرير التوحيد من الموضوعات المهمة التي تواترت بها نصوص الشرع، فكانت العناية بتقريره، وتوضيحه، وبيانه، والتحذير من نواقضه، ونواقصه، ومبطلاته، أصلٌ أصيلٌ في الدعوة إلى الله ﷿، وعليه قامت دعوة الأنبياء والرسل، وسار على منهاجهم في ذلك التابعون لهم بإحسان من الصحابة الكرام وأئمة الإسلام، فصُنِّفَت فيه المصنَّفَاتُ وأُنشِئَت فيه القصائدُ والمنظوماتُ.
ومن تلك القصائد والمنظومات هذه القصيدةُ الوجيزةُ، والتي تعتبر من عيون القصائد عند الحنابلة، جَادَت بها قريحةُ إمامٍ من أئمةِ المذهب
[ ٥ ]
المشاهير، ألا وهو أبو الخطَّاب محفوظٌ الكَلْوَذَانيُّ (ت ٥١٠ هـ) ﵀، نظم فيها معتقده، مقتفيًا فيه منهجَ الإمامِ المبَجَّلِ أحمد بنِ حنبَلِ - على حدِّ قولِهِ -.
وهذه القصيدة - على وَجَازَتِهَا - قد اشتملت على طائفةٍ مباركةٍ من مسائلِ أصولِ الدِّيْن، وما يتعلَّقُ بتوحيدِ ربِّ العالمين، صَاغَهَا ناظمُها على طريقةِ السؤال والجواب - وهي من الطرائق المعتبرة في التعليم - تقريبًا للأذهان، وجَذْبًا للنفوس، وأرسلها في قالبٍ شِعْرِيٍّ، وذلك لما للشِّعْرِ - بجَرْسِهِ وَوَزْنِهِ - من أثرٍ في نفسِ السامع.
وقد قام شيخنا العلَّامة عبد الرحمن بن ناصر البراك حفظه اللهُ بالتعليق على هذه القصيدة في مجلسين علميين، وذلك ضمن دروس الدورة العلمية في المتون المختصرة، والمقامة بجامع الأميرة نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز، بالرياض، وكان ذلك يومي السبت ١٥ والأربعاء ١٩ من شهر شعبان عام ١٤٢٤ هـ (^١).
ولقِصَرِ المدَّة الزَّمَنِيَّة للدَّورَة، فقد اكتفى شيخُنا بالتعليق المختصر المفيد على أبيات القصيدة، إلا أنه رغم اختصاره حوى جملة من
_________________
(١) لا يفوتني في هذا المقام أن أشكر - بعد شكر الله ﷿ إمام الجامع ابن العم الشيخ الدكتور عبد المحسن بن عبد العزيز العسكر، فله عليَّ - وفقه اللهُ - أيادٍ مشكورة، منها حرصه ومتابعته المستمرة على ظهور هذا الشرح، فشاركني فيه الهمَّ والعمل، وأفدتُ من مشورته ونقده، فبارك الله له في علمه وعمله. كما أشكر أخي الفاضل الشيخ عبد الرحمن بن صالح السُّديس، فقد أوقفني على بعض الملحوظات، وزودني ببعض المقترحات مما كان له بالغ الأثر في خروج هذا الشرح على هذا النحو، فلهما مني جزيل الشكر وصادق الدعاء.
[ ٦ ]
الفوائد العلمية، والتعقبات العَقَدِيَّة، مما سيراه القارئ الكريم في أثناء هذا الشرح.
ولأهمية هذا الشرح، ولمكانة شيخنا وعظيمِ حَقِّهِ علينا، فقد سَمَت الهِمَّةُ إلى إخراجه لعالم المطبوعات، ونقله من كونه مسموعًا إلى كونه مقروءًا.
فقمتُ بتفريغ الشرح وتهذيبه وترتيبه، ثم قرأتُه على شيخنا حرفًا حرفًا، فصَوَّبَ وعدَّلَ، وأضافَ وحَذَفَ، وبَقِيَتْ في القصيدةِ أبياتٌ لم يشرحها شيخنا ابتداءً؛ لخلُوِّ النُّسخَةِ المقرَّرة في الدَّورة العلمية منها (^١)، مع أنها مثبتةٌ في عامَّة النسخ، وثمَّة أبياتٌ أخرى اختصر شيخُنا الكلامَ عليها اختصارًا؛ لضيق الوقت والمقام، فعرضتُ على شيخنا فكرة إعادة شرح هذه الأبيات؛ ليتكامل البنيان، ويتناسق الشرح، فوافق مشكورًا، فقرأتُها عليه بيتًا بيتًا، فشرحها شرحًا مسهبًا متناسقًا مع بقية الأبيات، فزاد هذا الشرح المقروء عمَّا في الأشرطة نحو الثُّلُث، وهذا فضلٌ من الله ومِنَّةٌ.
وأوليتُ هذه القصيدة شيئًا من العناية، فَضَبطتُ نَصَّها، وشَكَلْتُ مُشْكِلَها، وترجمتُ لناظِمِهَا، سائلًا المولى ﷿ القَبول في الدنيا
_________________
(١) والنسخة المقررة هي التي أوردها الشيخ محمد بن مانع ﵀ ضمن رسالته: «القول السديد فيما يجب لله تعالى على العبيد» (ص ١٥ - ١٧)، وفيها بعض النقص والمخالفة - في الكلمات وفي الأبيات - لما في النسخ الأخرى.
[ ٧ ]
والآخرة، وأن يجزي شيخنا خير الجزاء على جهوده، وأن ينفع به وبعلمه، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه.
وكتبه
ياسر بن سعد به بدر العسكر
الرياض، ٢٢/ ٥/ ١٤٢٩ ه
[ ٨ ]