الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [والمؤمنون يرون حقًا ربهم وإلى السماء بغير كيف ينزل وأقر بالميزان والحوض الذي أرجو بأني منه ريًا أنهل].
هذان البيتان مشتملان على أربع مسائل: المسألة الأولى: رؤية الله تعالى يوم القيامة.
المسألة الثانية: نزوله ﷾ إلى السماء الدنيا.
المسألة الثالثة: إثبات الميزان.
المسألة الرابعة: إثبات الحوض.
يقول: (والمؤمنون يرون حقًا ربهم) وذلك يوم القيامة، أما في الدنيا فإنهم لا يرونه ﷾، ولذلك عندما طلب موسى ﵇ الرؤية في الدنيا قال الله ﷾ له: «لَنْ تَرَانِي» ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣].
وقوله: (حقًا) هذا توكيد للرؤية يوم القيامة، وأن هذه الرؤية رؤية حقيقية، فالله ﷾ نراه بأعيننا رؤية حقيقة، لكن هذه الرؤية ليست رؤية تامة بحيث أن الرائي يحيط بالمرئي، وإنما هي رؤية ليس فيها إدراك ولا إحاطة؛ ولهذا يقول الله ﷾: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فهو ﷾ كبير عظيم لا يمكن للأبصار أن تدركه ﷾، ولكن المؤمنين يرونه يوم القيامة وفي ذلك سعادة عظيمة لهم.
قال: (وإلى السماء بغير كيف ينزل)، هذه من صفات الله ﷿: أنه ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، وهذه الصفة لها كيفية لكننا لا نعلم هذه الكيفية ولا نعرفها، وإنما نعرف ونعلم المعنى المراد من النزول.
قوله: (وأقر بالميزان) وهذا سيأتي بيانه، وهو ميزان حقيقي توزن فيه أعمال العباد.
(والحوض) وهو حوض خاص بالنبي ﷺ فيه ماء عظيم، من شرب منه شربة فإنه لا يظمأ بعدها أبدًا.
يقول: (الذي أرجو بأني منه ريًا أنهل) ويصح أن يقال: رِيًا، يعني: يصح أن يكون بالفتح، ويصح أن يكون بالكسر، والاسم هو الرَي أو الرِي، وهو من الارتواء، وهو ضد الظمأ.
وقوله: (أنهل)، النهل هو الشرب الأول عند العرب.
هذا ما يتعلق بهذه الأبيات بشكل عام، أما من الناحية التفصيلية فنبدأ أولًا بمسألة الرؤية.
[ ٤ / ٢ ]