وقد دلت النصوص الكثيرة القطعية على أن الكلام صفة من صفاته، يقول الله ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، فلفظ الجلالة هنا مرفوع بالضمة على أنه فاعل، فهو المتكلم، وموسى هو الذي تُكُلِّم إليه، فهو منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف المقصورة منع من ظهورها التعذر، ولهذا فإن المعتزلة الذين يقولون: إن الله ﷿ لا يوصف بالكلام، وأن الكلام هو خلق من خلق الله تعالى جاءوا إلى أحد القراء الكبار وهو أبو عمرو بن العلاء وطلبوا منه أن يقرأ هذه الآية بالنصب: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]؛ حتى يكون المتكلم هنا هو موسى وليس الله ﷾، فقال لهم هذا العالم الكبير - أبو عمرو بن العلاء وهو من علماء أهل السنة-: أرأيتم لو فعلت لكم ما تريدون -علمًا أنه لم يفعل هذا، لكنه تنزل معهم في الخطاب- ماذا تفعلون بقول الله ﷿: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]؟! فهذه ليس منها مفر، فإن الكلام هنا مضاف إلى الله ﷿ قطعًا، وهو قائم بالله ﷾، ولهذا فالكلام صفة من صفات الله ﷾، وهذه الصفة معناها: أنه متكلم بحرف وصوت، فكلام الله ﷾ بحرف وصوت، والحقيقة أننا لم نكن بحاجة إلى أن نبين أن الكلام بحرف وصوت؛ لأن الكلام في اللغة وعند عقلاء الناس لا يكون إلا بالصوت وبالحرف، ولكن لوجود بدعة غريبة جاء بها الكلابية والأشعرية أثبتوا فيها كلام الله ﷿ اسمًا وحرفوا حقيقته معنىً، فقالوا: إن كلام الله معنى قائم بنفسه ﷾، فهم يثبتون الكلام، وربما تجد أشعريًا يقرر العقيدة فيقول: ومن صفات الله تعالى صفة الكلام، ويستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣]، ويستدل أيضًا بـ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، وبغيرها من الأدلة، لكن تفسيره لها مختلف عن تفسير السلف الصالح لها، فالأشعرية والكلابية ومعهم أيضًا الماتريدية يفسرون هذه الصفة على أن الكلام معنىً قائم بالله ﷾، وأن كلام الله ﷿ قديم أزلي، وأنه غير متعلق بالإرادة والمشيئة.
[ ٢ / ٤ ]