أنهم يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة.
فدليل القربة قوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّار (٣)﴾ [الزمر].
ودليل الشفاعة قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ﴾ [يونس: ١٨].
والشفاعة شفاعتان: شفاعة منفية وشفاعة مثبتة، فالشفاعة المنفية ما كانت تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، والدليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُون (٢٥٤)﴾ [البقرة].
والشفاعة المثبتة هي التي تُطلب من الله، والشافع مكرم بالشفاعة والمشفوع له من رضي الله قوله وعمله بعد الإذن، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
القاعدة الثانية: أن هؤلاء المشركين لم يكونوا يعتقدون فيما يعبدونه: أنها تخلق وترزق وتحيي وتميت؛ بل إن هذا عندهم لله، والدليل قوله
[ ١٧ ]
تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُون (٣١)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، وإنما كانوا يعبدون ما يعبدونه زاعمين أنها وسائط تقربهم إلى الله، ويقولون: إن الله تعالى لا يُوصَل إليه إلا بواسطة أوليائه والمقربين منه وأنبيائه وملائكته، كملوك البشر إنما يرفع حوائج الناس إليهم خاصتهم وأعوانهم ووزراؤهم، فشبهوا الخالق بالمخلوق - تعالى الله عن قول المفترين علوًا كبيرًا -.
وهم يزعمون أنهم إنما عبدوهم ليقربوهم ويشفعوا لهم عند الله، وذكر الشيخ دليلًا على هذا قولَه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فهذا هو الحامل لهم على عبادتهم.
والدليل على أنهم أيضًا يرجون شفاعتهم قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ﴾ [يونس: ١٨].
إذًا؛ لم يعبدوهم لاعتقادهم أنهم شركاء لله في الربوبية، ولكنهم جعلوهم شركاء لله في الإلهية، ولهذا قال النبي ﷺ لحصينٍ والدِ عمران: «كم تعبد اليوم إلهًا؟»، قال: سبعة، ستًا في الأرض وواحدًا في السماء. قال: «فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟»، قال: الذي في السماء (^١).
_________________
(١) رواه الترمذي (٣٤٨٣) من حديث عمران بن الحصين ﵄، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وصححه ابن القيم في «الوابل الصيب» ص ٤١١.
[ ١٨ ]