أن مشركي زماننا أغلظ شركًا من الأولين؛ لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم دائمًا في الرخاء والشدة.
والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُون (٦٥)﴾ [العنكبوت].
تمت، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم.
معنى هذا أن الشرك بعضه أغلظ من بعض، وبعضه أقبح من بعض، والكفر أيضًا يتفاوت، فالملاحدة الجاحدون أغلظ كفرًا من المقرين بربوبيته ﷾ وإن كانوا مشركين، والذي يدعو إلى الكفر ويصد عن سبيل الله أغلظ كفرًا من الذي لا يدعو وكفره قاصر على نفسه.
ومشركو زماننا أغلظ شركًا من المشركين الأولين، ووجه ذلك أن الأولين كانوا يشركون في الرخاء، أي: في حال السعة والطمأنينة، ولكن الغالب عليهم أنهم يخلصون في الشدائد، وهذا هو الذي حكاه الله عنهم في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِنْ
[ ٢٦ ]
كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِين (٢٢)﴾ [يونس]، ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ [الإسراء].
أما مشركو زماننا فشركهم دائم - أعوذ بالله - في الرخاء وفي الشدة، بل لعلهم في الشدة أشد شركًا منهم في الرخاء، وهذا يدل - والعياذ بالله - على شدة تعلقهم بمعظَّميهم ومعبوديهم، وهذا هو المشهور عن المشركين من المنتسبين للإسلام، - كالرافضة - فيُذكر عنهم أنهم في الشدة أكثر استغاثة بعلي والحسين ﵄، وكذلك القبوريون، كعُباد البدوي وأشباههم في مصر وغيرها، إذا اشتد بهم الكرب نادوا مَنْ يألَهُونه من أولئك الموتى.
وذكر الشيخ ﵀ في «كشف الشبهات» وجهًا آخر من غلظ شرك المتأخرين، وهو: «أن الأولين يدعون مع الله أناسًا مقربين عند الله؛ إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة، أو يدعون أشجارًا أو أحجارًا مطيعة لله وليست عاصية.
وأهل زماننا يدعون مع الله أناسًا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك، والذي يعتقد في الصالح - أو الذي لا يعصي - مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به» (^١)، بل
_________________
(١) انظر ص ٧٧ من «شرح كشف الشبهات» في آخر هذا المجلد.
[ ٢٧ ]
إن منهم الكافر، والملحد كابن عربي الطائي رأس الاتحادية فهناك مَنْ يغلو به ويؤلهه!
ولا شك أن الذي يغلو في مَنْ تعظيمه ومحبته لها أصل في الدين كالملائكة والأنبياء والصالحين؛ أخف ضلالًا وشركًا ممن يغلو في بعض الفاسقين أو الملحدين، وهذا يدل على عِظم ما وصل إليه الأمر من تغلغل الشرك في الأمة.
والشيخ يريد المشركين من المنتسبين للإسلام، كالرافضة والصوفية القبورية، الذين اتخذوا بعض القبور أوثانًا يحجون إليها ويطوفون بها ويستغيثون بأهلها مِنْ قُرْبٍ ومِن بُعْدٍ وفي الشدائد - نسأل الله السلامة والعافية -.
فعلى المسلم أن يخاف الشرك، ويسأل ربه أن يعصمه منه كله؛ لأن الشرك غلب على كثير من الخلق من الأولين والآخرين، ولهذا قال إبراهيم الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَّعْبُدَ الأَصْنَام (٣٥)﴾ ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيم (٣٦)﴾ [إبراهيم].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
[ ٢٨ ]