قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀:
﷽
أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة، وأن يجعلك مباركًا أينما كنت، وأن يجعلك ممن إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر، فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة (^١).
الحمد لله وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم أما بعد:
فقد افتتح الشيخ هذه الرسالة بعد البسملة بالدعاء لطالب العلم كما هي عادته في افتتاحه لرسائله: «اعلم رحمك الله»، «اعلم أرشدك الله» (^٢).
وقول الشيخ: «أسأل الله الكريم رب العرش العظيم» توجه إلى الله وتوسل بأسمائه وصفاته، وهذا توسل إلى الله بكرمه وربوبيته للعرش الذي هو أعظم المخلوقات وأعلاها، وقد وصف الله تعالى العرش بالعظمة والمجد والكرم قال تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم (١٢٩)﴾ [التوبة]، وقال تعالى: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم (١١٦)﴾ [المؤمنون]، وقال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ (١٥)﴾ [البروج: ١٥] على قراءة الجر (^٣).
_________________
(١) أخذ الشيخ ﵀ مضمون هذا الكلام من مقدمة العلامة ابن القيم ل: «الوابل الصيب» ص ٥.
(٢) انظر مثال الأولى في: مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان ص ٤٧ و٦٢ و٦٤ و٩٤، ومثال الثانية في الأصول الثلاثة ص ٦، وتفسير سورة الفاتحة ص ٢٩.
(٣) هي قراءة حمزة والكسائي وخلف العاشر. التيسير ص ٢٢١، والنشر (٢/ ٣٣٩).
[ ٧ ]
وقول الشيخ: «أن يتولاك في الدنيا والآخرة» المراد: أن يكون وليّك، ومَن كان الله وليه في الدنيا والآخرة كفاه شرورهما، والله تعالى ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير (٤٠)﴾ [الأنفال]، وهو تعالى ﴿وَلِيُّ الْمُؤْمِنِين (٦٨)﴾ [آل عمران]، فمن كان الله وليه فهو من المؤمنين، وقال يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِين (١٠١)﴾ [يوسف].
ومن تولاه الله تعالى أصلح له أموره ويسرها له وكفاه ما يهمه، قال تعالى عن الملائكة: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة﴾ [فصلت: ٣١].
وقول الشيخ: «وأن يجعلك مباركًا أينما كنت» المعنى: أن يجعل الله فيك بركة في أي مكان كنت، وهذا ممَّا أثنى به عيسى ﵇ على ربه حيث قال: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١].
وهذا يتضمن الصلاح، فالمؤمن الصالح التقي يكون مباركًا أينما كان، مباركًا على أهله، مباركًا على أصحابه، لا يُسمع منه إلا القول السديد، ولا يحصل منه إلا الإحسان فتجده ليس بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء، بل هو كريم الأخلاق، لأن بعض الناس يكون - والعياذ بالله - شرًا على جلسائه، وشرًا على أهله بسوء أعماله، وقبيح أقواله.
وقول الشيخ: «وأن يجعلك ممن إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر».
لأن الإنسان يتقلب في هذه الحياة بين هذه الأمور: نعمة ومصيبة وذنب.
[ ٨ ]
والنعمة تشمل الطاعة أيضًا؛ بل إن نعمة الإيمان والطاعة لله أعظم من النعم الدنيوية، وعلى المسلم الشكرُ إزاء النعم، والصبر عند المصيبة، والتوبة والاستغفار عند اقتراف الذنب، قال الله ﷾: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وقال ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خيرٌ، وليس ذاك إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (^١).
فقوله: «وأن يجعلك ممن إذا أُعطي» أي: إذا أعطاه الله نعمة من النعم شكرها واستعملها في طاعته ﷾.
«وإذا ابتُلي» بمصيبة صبر وحبس لسانه وجوارحه عن فعل ما لا يحل.
«وإذا أذنب استغفر»، وهذه الأمور كلها أمَرَ الله بها، وأثنى على فاعليها.
وقول الشيخ: «فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة» إي والله، من كان قائمًا بالواجب عليه في كل هذه الأحوال، كان ذلك عنوانًا على سعادته وتوفيق الله له.
فكن أيها المسلم شاكرًا صابرًا توابًا منيبًا، فما أحسن هذه الدعوات الطيبة من الشيخ لطالب العلم.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٩٩٩) من حديث صهيب الرومي ﵁.
[ ٩ ]