٣- فإذا عرفت أنّ الله خلقك لعبادته فاعلم: أنّ العبادة لا تسمّى عبادة إلا مع التوحيد، كما أنّ الصلاة لا تسمّى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدتْ كالحدَث إذا دخل في الطهارة.
_________________
(١) = وأما الشرائع التي هي الأوامر والنواهي والحلال والحرام فهذه تختلف باختلاف الأمم حسب الحاجات، يشرع الله شريعة ثم ينسخها بشريعة أخرى إلى أن جاءت شريعة الإسلام فنسخت جميع الشرائع وبقيت هي إلى أن تقوم الساعة، أما أصل دين الأنبياء – وهو التوحيد- فهو لم ينسخ ولن يُنسخ، دينهم واحد وهو دين الإسلام بمعنى: الإخلاص لله بالتوحيد. أما الشرائع فقد تختلف، وتُنسخ، لكن التوحيد والعقيدة من آدم إلى آخر الأنبياء، كلهم يدعون إلى التوحيد وإلى عبادة الله، وعبادة الله: طاعته في كل وقت بما أمر به من الشرائع، فإذا نسخت صار العمل بالناسخ هو العبادة، والعمل بالمنسوخ ليس عبادة الله.
(٢) "فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته" يعني: إذا عرفت من هذه الآية ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وأنت من الإنس، داخلٌ في هذه الآية، وعرفت أن الله ما خلقك عبثًا، أو خلقك لتأكل وتشرب فقط، تعيش في هذه الدنيا وتسْرح وتمرح، لم يخلقك لهذا، خلقك الله لعبادته، وإنما سخر لك هذه الموجودات من أجل أن تستعين بها على عبادته لأنك لا تستطيع أن تعيش إلا بهذه الأشياء، ولا تتوصل إلى عبادة الله إلا بهذه الأشياء، سخرها الله لك لأجل أن تعبده، ليس من أجل أن تفرح بها وتسرح وتمرح وتفسُق وتفجر تأكل وتشرب ما اشتهيت، هذا شأن البهائم، أما الآدميون فالله جل وعلا خالقهم لغاية عظيمة وحكمة عظيمة وهي =
[ ١٤ ]
_________________
(١) = العبادة، قال –تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ﴾ [الذاريات: ٥٦-٥٧]، الله ما خلقك لتكتسب له، أن تحترف وتجمع له مالًا، كما يفعل بنو آدم بعضهم لبعض يجعلون عُمّالًا يجمعون لهم المكاسب، لا، الله غنيّ عن هذا، والله غني عن العالمين، ولهذا قال: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] الله –جل وعلا- يُطعِم ولا يُطعَم، غني عن الطعام، وغني –جل وعلا- بذاته، وليس هو في حاجة إلى عبادته، لو كفرت ما نقصت ملك الله، ولكن أنت الذي بحاجة إليه، أنت الذي بحاجة إلى العبادة، فمن رحمته: أنه أمرك بعبادته من أجل مصلحتك، لأنك إذا عبدته فإنه ﷾ يكرمك بالجزاء والثواب، فالعبادة سببٌ لإكرام الله لك في الدنيا والآخرة، فمن الذي يستفيد من العبادة؟ المستفيد من العبادة هو العابد نفسه، أما الله –جل وعلا- فإنه غنيّ عن خلقه. قال: "فاعلم: أن العبادة لا تُسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمّى صلاة إلا مع الطهارة". إذا عرفت أن الله خلقك لعبادته فإن العبادة لا تكون صحيحة يرضاها الله ﷾ إلا إذا توفّر فيها شرطان، إذا اختل شرطٌ من الشرطين بطلت: الشرط الأول: أن تكون خالصة لوجه الله، ليس فيها شرك. فإن خالطها شركٌ بطلت، مثل الطهارة إذا خالطها حدث بطلت، كذلك إذا عبدت الله ثم أشركت به بطلت عبادتك. هذا الشرط الأول. الشرط الثاني: المتابعة للرسول –ﷺ-، فأي عبادة لم يأت بها الرسول فإنها باطلة ومرفوضة، لأنها بدعة وخرافة، ولهذا يقول –ﷺ-: =
[ ١٥ ]
_________________
(١) = "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١)، وفي رواية: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٢)، فلا بد أن تكون العبادة موافقة لما جاء به الرسول –ﷺ-، لا باستحسانات الناس ونيّاتهم ومقاصدهم ما دام أنها لم يدل عليها دليل من الشرع فهي بدعة ولا تنفع صاحبها بل تضره لأنها معصية، وإن زعم أنه تقرب بها إلى الله –﷿-. فلا بد في العبادة من هذين الشرطين: الإخلاص، والمتابعة للرسول –ﷺ- حتى تكون عبادة صحيحة نافعة لصاحبها، فإن دخلها شرك بطلت، وإذا صارت مبتدَعة ليس عليها دليل فهي باطلة أيضًا، بدون هذين الشرطين لا فائدة من العبادة، لأنها على غير ما شرع الله ﷾، والله لا يقبل إلا ما شرع في كتابه أو على لسان رسوله –ﷺ-. فلا هناك أحد من الخلق يجب اتباعه إلا الرسول –ﷺ-، أما ما عدا الرسول فإنه يتبع ويطاع إذا اتبع الرسول، أما إذا خالف الرسول فلا طاعة، يقول الله –تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وأولوا الأمر هم: الأمراء والعلماء، فإذا أطاعوا الله وجبت طاعتهم واتباعهم، أما إذا خالفوا أمر الله فإنها لا تجوز طاعتهم ولا اتباعهم فيما خالفوا فيه، لأنه ليس هناك أحدٌ يطاع استقلالًا من الخلق إلا رسول الله –ﷺ-، وما عداه فإنه يطاع ويُتّبع إذا أطاع الرسول –ﷺ- واتبع الرسول، هذه هي العبادة الصحيحة.
(٢) أخرجه مسلم (رقم: ١٧١٨) في الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور، من حديث عائشة –﵂-.
(٣) أخرجه البخاري (رقم: ٢٦٩٧) في الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، ومسلم (رقم: ١٧١٨)، من حديث عائشة –﵂-.
[ ١٦ ]