٨- والقاعدة الثالثة: أنّ النبي –ﷺ- ظهر على أُناسٍ متفرّقين في عباداتهم منهم مَن يعبُد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأحجار والأشجار، ومنهم مَن يعبد الشمس والقمر. وقاتلهم رسول الله –ﷺ- ولم يفرِّق بينهم.
_________________
(١) = تشفّع" (١)، فلا يشفع إلا بعد الإذن. والشفاعة المثبتة هي التي تكون لأهل التوحيد، فالمشرك لا تنفعه شفاعة، والذي يقدّم القرابين للقبور والنذور للقبور هذا مشرك لا تنفعه شفاعة. وخلاصة القول: أن الشفاعة المنفية هي التي تطلب بغير إذن الله، أو تطلب لمشرك. والشفاعة المثبتة هي التي تكون بعد إذن الله، ولأهل التوحيد.
(٢) القاعدة الثالثة: أن النبي –ﷺ- بُعث إلى أناس من المشركين، منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الشمس والقمر ومنهم من يعبد الأصنام والأحجار والأشجار، ومنهم من يعبد الأولياء والصالحين. وهذا من قبح الشرك أن أصحابه لا يجتمعون على شيء واحد، بخلاف الموحّدين فإن معبودهم واحد –﷾-: ﴿ءأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف: ٣٩]، فمن سلبيّات الشرك وأباطيله: أن أهله متفرقون في عباداتهم لا =
(٣) قطعةٌ من حديث طويل أخرجه البخاري (رقم: ٧٥١٠)، في التوحيد، باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، ومسلم (رقم: ١٩٣) في الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها؛ من حديث أنس بن مالك –﵁-.
[ ٢٢ ]
_________________
(١) = يجمعهم ضابط لأنهم لا يسيرون على أصل، وإنما يسيرون على أهوائهم ودعايات المضللين، فتكثر تفرقاتهم: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]، فالذي يعبد الله وحده مثل المملوك الذي يملكه شخص واحد يرتاح معه، يعرف مقاصده ويعرف مطالبه ويرتاح معه، لكن المشرك مثل الذي له عدة مالكين، ما يدري من يُرضي منهم، كل واحد له هوى، وكل واحد له طلب، وكل واحد له رغبة، كل واحد يريده أن يأتي عنده، ولهذا قال سبحانه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ﴾ يعني: يملكه أشخاص، لا يدري من يرضي منهم، ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ﴾ مالكه شخص واحد، هذا يرتاح معه، هذا مثل ضرب الله للمشرك وللموحد. فالمشركون متفرقون في عباداتهم، والنبي – ﷺ- قاتلهم ولم يفرّق بينهم، قاتل الوثنيين، وقاتل اليهود والنصارى، قاتل المجوس، قاتل جميع المشركين، وقاتل الذين يعبدون الملائكة، والذين يعبدون الأولياء الصالحين، لم يفرّق بينهم. فهذا فيه ردّ على الذين يقولون: الذي يعبد الصنم ليس مثل الذي يعبد رجلًا صالحًا وملكًا من الملائكة، لأن هؤلاء يعبدون أحجارًا وأشجارًا، ويعبدون جمادات، أما الذي يعبد رجلًا صالحًا ووليًا من أولياء الله ليس مثل الذي يعبد الأصنام. ويريدون بذلك أن الذي يعبد القبور الآن يختلف حكمه عن الذي يعبد الأصنام، فلا يكفر، ولا يُعتبر عمله هذا شركًا، ولا يجوز قتاله. =
[ ٢٣ ]
٩- والدليل قوله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣] .
١٠ ودليل الشمس والقمر قوله –تعالى-: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ [فصلت:٣٧] .
_________________
(١) = فنقول: الرسول لم يفرّق بينهم، بل اعتبرهم مشركين كلهم، واستحل دماءهم وأموالهم، ولم يفرق بينهم، والذين يعبدون المسيح، والمسيح رسول الله، ومع هذا قاتلهم. واليهود يعبدون عزيرًا، هو من أنبيائهم، أو من صالحيهم، قاتلهم رسول الله –ﷺ-، لم يفرّق بينهم، فالشرك لا تفريق فيه بين من يعبد رجلًا صالحًا أو يعبد صنمًا أو حجرًا أو شجرًا، لأن الشرك هو: عبادة غير الله كائنًا من كان، ولهذا يقول: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النهي تعم كل شيء، تعم كل من أشرك مع الله – ﷿- من الملائكة والرسل والصالحين والأولياء، والأحجار والأشجار.
(٢) قوله: "والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ " أي: الدليل على قتال المشركين من غير تفريق بينهم حسب معبوداتهم؛ قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾، وهذا عامّ لكل المشركين، لم يستثن أحدًا، ثم قال: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ والفتنة: الشرك، أي: لا يوجد شرك، وهذا عامّ؛ أي شرك، سواء الشرك في الأولياء والصالحين، أو بالأحجار، أو بالأشجار، أو بالشمس أو بالقمر. ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾: تكون العبادة كلها لله، ليس فيها شِركة لأحد كائنًا من كان، فلا فرق بين الشرك بالأولياء والصالحين أو بالأحجار أو بالأشجار أو بالشياطين، أو غيرهم.
(٣) دل على أن هناك من يسجد للشمس والقمر، ولهذا نهى =
[ ٢٤ ]
١١- ودليل الملائكة قوله –تعالى-: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران:٨٠] .
١٢- ودليل الأنبياء قوله –تعالى-: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١١٦] .
_________________
(١) = الرسول –ﷺ- عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها (١) سدًا للذريعة، لأن هناك من يسجد للشمس عند طلوعها ويسجد لها عند غروبها، فنهينا أن نصلي في هذين الوقتين وإن كانت الصلاة لله، لكن لما كان في الصلاة في هذا الوقت مشابهة لفعل المشركين مُنع من ذلك سدًا للذريعة التي تُفضي إلى الشرك، والرسول –ﷺ- جاء بالنهي عن الشرك وسد ذرائعه المفضية إليه (٢) .
(٢) قوله: "ودليل الملائكة إلخ" دل على أن هناك من عبد الملائكة والنبيين، وأن ذلك شرك. وعباد القبور اليوم يقولون: الذي يعبد الملائكة والنبيين والصالحين ليس بكافر.
(٣) وقوله: "ودليل الأنبياء إلخ" هذا فيه دليل على أن عبادة الأنبياء شرك مثل عبادة الأصنام. =
(٤) كما في حديث عبد الله بن عمر –﵁-: أن رسول الله –ﷺ- قال: "لا يتحرّى أحدكم، فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها".د أخرجه البخاري (رقم: ٥٨٥) في المواقيت، باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس، ومسلم (رقم: ٨٢٨) فيس المساجد، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها.
(٥) انظر: "فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد": (٢/٨٣٥-٨٣٩) .
[ ٢٥ ]
ودليل الصالحين قوله -تعالى-: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧] .
_________________
(١) = ففيه ردّ على من فرّق في ذلك من عباد القبور. فهذا فيه رد على هؤلاء الذين يقولون: إن الشرك عبادة الأصنام، ولا يسوّى عندهم بين من عبد الأصنام وبين من عبد وليًا أو رجلًا صالحًا، وينكرون التسوية بين هؤلاء، ويزعمون أن الشرك مقصورٌ على عبادة الأصنام فقط، وهذا من المغالطة الواضحة من ناحيتين: الناحية الأولى: أن الله –جل وعلا- في القرآن أنكر على الجميع، وأمر بقتال الجميع. الناحية الثانية: أن النبي –ﷺ- لم يفرّق بين عابدِ صنمٍ وعابد ملك أو رجل صالح.
(٢) "ودليل الصالحين" يعني: ودليل أن هناك من عبد الصالحين من البشر: قوله –تعالى-: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ قيل: نزلت هذه الآية فيمن يعبد المسيح وأمه وعزيرًا فأخبر –سبحانه- أن المسيح وأمه مريم، وعزيرًا كلهم عِبادٌ لله، يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه، فهم عِبادٌ محتاجون إلى الله مفتقرون إليه يدعونه ويتوسلون إليه بالطاعة ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، يعني: القرب منه –سبحانه- بطاعته وعبادته، فدل على أنهم لا يصلحون للعبادة لأنهم بشرٌ محتاجون فقراء، يدعون الله، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه، ومن كان كذلك لا يصلح أن يُعبد مع الله –﷿-. =
[ ٢٦ ]
_________________
(١) = والقول الثاني: أنها نزلت في أناس من المشركين كانوا يعبدون نفرًا من الجن فأسلم الجن ولم يعلم هؤلاء بإسلامهم، وصاروا يتقربون إلى الله بالطاعة والضراعة ويرجون رحمته ويخافون عذابه، فهم عِباد محتاجون فقراء لا يصلحون للعبادة. وأيًا كان المراد بالآية الكريمة فإنها تدل على أنه لا يجوز عبادة الصالحين، سواءٌ كانوا من الأنبياء والصدّيقين، أو من الأولياء والصالحين، فلا تجوز عبادتهم، لأن الكل عباد لله فقراء إليه، فكيف يُعبدون مع الله –جل وعلا-. والوسيلة معناها: الطاعة والقرب، فهي في اللغة: الشيء الذي يوصّل إلى المقصود، فالذي يوصّل إلى رضى الله وجنته هو الوسيلة إلى الله، هذه هي الوسيلة المشروعة في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ . أما المحرفون المخرفون فيقولون: الوسيلة: أن تجعل بينك وبين الله واسطة من الأولياء والصالحين والأموات، تجعلهم واسطة بينك وبين الله ليقربوك إلى الله ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فمعنى الوسيلة عند هؤلاء المخرفين: أن تجعل بينك وبين الله واسطة تُعرّف الله بك وتنقل له حاجاتك وتخبره عنك، كأن الله –جل وعلا- لا يعلم، أو كأن الله –جل وعلا- بخيلًا لا يعطي إلا بعد أن يلح عليه بالوسائط –تعالى الله عما يقولون-. ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ﴾ فدل على أن اتخاذ الوسائط من الخلق إلى الله أمرٌ مشروع لأن الله أثنى على =
[ ٢٧ ]
_________________
(١) = أهله، وفي الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ﴾ [المائدة: ٣٥]، قالوا: إن الله أمرنا أن نتخذ الوسيلة إليه، والوسيلة معناها: الواسطة، هكذا يحرّفون الكلم عن مواضعه، فالوسيلة المشروعة في القرآن وفي السنة هي: الطاعة التي تقرّب إلى الله، والتوسل إليه بأسمائه وصفاته. هذه هي الوسيلة المشروعة، أما التوسل بالمخلوقين إلى الله فهو وسيلة ممنوعة، ووسيلة شركيّة، وهي التي اتخذها المشركون من قبل: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨]، ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، هذه هو شرك الأولين والآخرين سواء بسواء، وإن سموه وسيلة فهو الشرك بعينه، وليس هو الوسيلة التي شرعها الله ﷾، لأن الله لم يجعل الشرك وسيلة إليه أبدًا، وإنما الشرك مبْعِد عن الله ﷾: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] فكيف يُجعل الشرك وسيلة إلى الله –تعالى الله عما يقولون-. الشاهد من الآية: أن فيها دليلًا على أن هناك من المشركين من يعبد الصالحين، لأن الله بيّن ذلك، وبين أن هؤلاء الذين تعبدونهم هم عِبادٌ فقراء ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ﴾ يعني: يتقربون إليه بالطاعة ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ يتسابقون إلى الله –جل وعلا- بالعبادة لفقرهم إلى الله وحاجتهم ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ومن كان كذلك فإنه لا يصلح أن يكون إلهًا يُدعى مع الله –﷿-.
[ ٢٨ ]
١٤ - ودليل الأحجار والأشجار قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم:١٩-٢٠] .
_________________
(١) "ودليل الأحجار والأشجار إلخ" في هذه الآية دليل أن هناك من يعبد الأحجار والأشجار من المشركين. فقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾ هذا استفهام إنكار، أي: أخبروني، من باب استفهام الإنكار والتوبيخ. ﴿اللَّاتَ﴾ –بتخفيف التاء-: اسم صنم في الطائف، وهو عبارة عن صخرة منقوشة، عليها بيت مبنيّ، وعليه ستائر، يضاهي الكعبة، وحوله ساحة، وعنده سدَنة، كانوا يعبدونها من دون الله – ﷿، وهي لثقيف وما والاهم من القبائل، يفاخرون بها. وقُرئ: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ﴾ –بتشديد التاء- اسم فاعل من (لتَّ يَلُتُّ)، وهو: رجل صالح كان يلتّ السويق ويُطعمه للحجاج، فلما مات بنوا على قبره بيتًا، وأرخو عليه الستائر، فصاروا يعبدونه من دون الله ﷿، هذا هو اللات. ﴿وَالْعُزَّى﴾: شجرات من السَّلم في وادي نخلة بين مكّة والطائف، حولها بناء وستائر، وعندها سدَنة، فيها شياطين يكلّمون الناس، ويظن الجُهّال أن الذي يكلمهم هو نفس هذه الشجرات أو هذا البيت الذي بنوه مع أن الذي تكلِّمهم هي الشياطين لتضلهم عن سبيل الله، وكان هذا الصنم لقريش وأهل مكة ومن حولهم. ﴿وَمَنَاةَ﴾: في مكان يقع قريبًا من جبل قُديد، بين مكة والمدينة، وكانت لخُزاعة والأوس والخزرج، وكانوا يُحرِمون من عندها بالحج، ويعبدونها من دون الله فهذه الأصنام الثلاث هي أكبر أصنام العرب. =
[ ٢٩ ]
_________________
(١) = قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ﴾ هل أغنتكم شيئًا؟ هل نفعتكم؟ هل نصرتكم؟، هل كانت تخلق وترزق وتحيي وتميت؟، ماذا وجدتم فيها؟، هذا من باب الإنكار وتنبيه العقول إلى أن ترجع إلى رشدها، فهذه إنما هي صخرات وشجرات ليس فيها نفع ولا ضر، مخلوقة. ولما جاء الله بالإسلام وفتح رسول الله –ﷺ- مكة المشرفة أرسل المغيرة بن شعبة وأبا سفيان بن حرب إلى (اللات) في الطائف فهدماها بأمر رسول الله –ﷺ-، وأرسل خالد بن الوليد إلى العُزّى فهدمها وقطع الأشجار وقتل الجنيّة التي كانت فيها تخاطِب الناس وتضلهم ومحاها عن آخرها –والحمد لله-، وأرسل عليّ بن أبي طالب ِإلى (مناة) فهدمها ومحاها (١)، وما أنقذت نفسها، فكيف تُنقذ أهلها وعبّادها ﴿أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ أين ذهبت؟ هل نفعتكم؟، هل منعت نفسها من جنود الله وجيوش الموحِّدين؟ فهذا فيه دليل على أن هناك من يعبد الأشجار والأحجار، بل إن هذه الأصنام الثلاثة كانت هي أكبر أصنامهم ومع هذا محاها الله من الوجود، وما دفعت عن نفسها ولا نفعت أهلها فقد غزاهم رسول الله –ﷺ- وقاتلهم ولم تمنعهم أصنامهم، فهذا فيه ما استدلّ له الشيخ –﵀- أن هناك من يعبد الأحجار والأشجار. يا سبحان الله! بشر عقلاء يعبدون الأشجار والأحجار الجامدة =
(٢) انظر: "زاد المعاد" (٤/٤١٣- ٤١٥) .
[ ٣٠ ]
١٥- وحديث أبي واقدٍ الليثي –﵁- قال: "خرجنا مع النبي –ﷺ- إلى حُنين ونحنُ حدثاء عهدٍ بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط " الحديث (١) .
_________________
(١) = التي فيها عقول وليس فيها حركة ولا حياة، أين عقول البشر؟ تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
(٢) عن أبي واقد الليثي –﵁-، وكان ممن أسلم عام الفتح على المشهور سنة ثمان من الهجرة. وقوله: يقال لها: (ذات أنواط)، والأنواط جمع نوط وهو: التعليق، أي: ذات تعاليق، يعلِّقون بها أسلحتهم للتبرك بها، فقال بعض الصحابة الذين أسلموا قريبًا ولم يعرفوا التوحيد تمامًا: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط"، وهذه بليّة التقليد والتشبه؛ وهي من أعظم البلايا، فعند ذلك تعجّب النبي –ﷺ- وقال: "الله أكبر!، الله أكبر!، الله أكبر! "، وكان –ﷺ- إذا أعجبه شيء أو استنكر شيئًا فإنه يكبر أو يقول: "سبحان الله" ويكرر ذلك. "إنها السنن" أي: الطرق التي يسلكها الناس ويقتدي بعضهم =
(٣) أخرجه الترمذي (رقم: ٢١٨٠) في الفتن، باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم؛ وقال: "حديث حسن صحيح"، وأخرجه أحمد (٥/٢١٨)، وابن أبي عاصم في "السنة": (رقم ٧٦)، وابن حبان في "صحيحه": (رقم ٦٧٠٢- الإحسان) . وصححه ابن حجر في "الإصابة": (٤/٢١٦) .
[ ٣١ ]
_________________
(١) = ببعض، فالسبب الذي حملكم على هذا هو اتباع سنن الأولين والتشبه بالمشركين. "قلتم –والذي نفسي بيده- كما قالت بنوا إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ". موسى –﵇- لما تجاوز البحر ببني إسرائيل وأغرق الله عدوهم فيه وهم ينظرون، مروا على أناس يعكفون على أصنام لهم من المشركين، فقال هؤلاء لموسى –﵇-: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أنكر عليهم وقال: ﴿إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ﴾ يعني: باطل: ﴿وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ لأنه شرك، ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٠]، أنكر عليهم –﵊- كما أن نبينا محمدًا –ﷺ- أنكر على هؤلاء، ولكن هؤلاء وهؤلاء لم يشركوا، فبنوا إسرائيل لما قالوا هذه المقالة لم يُشركوا لأنهم لم يفعلوا، وكذلك هؤلاء الصحابة لو اتخذوا ذات أنواط لأشركوا ولكن الله حماهم، لما نهاهم نبيهم انتهوا، وقالوا هذه المقالة عن جهل، ما قالوها عن تعَمُّد، فلما علموا أنها شرك انتهوا ولم ينفذوا، ولو نفّذوا لأشركوا بالله ﷿. فالشاهد من الآية: أن هناك من يعبد الأشجار، لأن هؤلاء المشركين اتخذوا ذات أنواط، وحاول هؤلاء الصحابة الذين لم يتمكن العلم في قلوبهم حاولوا أن يتشبهوا بهم لولا أن الله حماهم برسوله –ﷺ-. الشاهد: أن هناك من يتبرك بالأشجار ويعكُف عندها، والعكوف معناه: البقاء عندها مدة تقربًا إليها. فالعكوف هو: البقاء في المكان. =
[ ٣٢ ]