قال المؤلف رحمه الله تعالى: [القاعدة الأولى: صفات الله تعالى كلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، وهذا أمر متفق عليه بين طوائف المسلمين جميعًا، فلا يوجد أحد يقول: إن صفات الله ﷿ صفات نقص، لكن اختلف أهل الإسلام في تحقيق الكمال، يعني: من كون هذه صفة كمال أو صفة نقص، وكان أسعد الناس بالحق هم أهل السنة والجماعة رضوان الله عليهم، الذين جمعوا بين إثبات الصفات، وبين نفي مشابهة المخلوقات.
وقد أثبت الله ﷾ لنفسه الكمال المطلق من كل وجه من الوجوه، وقد استخدم القرآن الكريم إثبات الكمال المطلق لله تعالى بطرق: الطريقة الأولى: هي الاستدلال على كماله ﷾ بمخلوقاته؛ فإن الإنسان حين يرى المخلوقات وما فيها من الدقة البالغة، وما فيها من الآثار العجيبة يستنبط منها كثيرًا من أسماء الله ﷾ وصفاته، فمثلًا: نصرة الله ﷾ للمؤمنين وإعانته لهم، وتمكينه لهم، يؤخذ منها: صفة المحبة لله ﷾.
وتضييقه على الكافرين، وإهلاكه لهم، وتدميره لهم كسائر الأمم وإضعافه من شأنهم يؤخذ منها: صفة الغضب لله ﷾.
والدقة الموجودة في هذا الكون تدل على صفة العلم والإرادة والحياة لله ﷾، ويمكن أن نضرب على هذا مثالًا، وهو قول الله ﷿: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، هذه الآية تدل على الكمال المطلق لله ﷿ في صفة العلم، يعني: ألا يعلم أن الذي يخلق؟ يعني: كيف لا يعلم وهو الذي يخلق؟ فإن الذي يخلق لابد أن يكون عالمًا؛ لأنه لا يمكن أبدًا أن يخلق وهو جاهل لا يدري ما يخلق، وليس عنده علم مفصل بما يخلق، بل لابد أن يكون عنده علم مفصل بما يخلقه بكل دقيقة وكبيرة وصغيرة فيه، فإذا كانت هذه المخلوقات كلها غير الله ﷿ هي مخلوقة له ﷾، فهذا يدل على كمال علمه، فإثبات الكمال يمكن أن يؤخذ من مخلوقات الله ﷿.
طريقة أخرى: هي أن الله ﷾ قد جعل بعض خلقه متصفًا بالكمال، فجعل الإنسان لديه مثلًا علم وبصيرة ولديه حكمة، ولديه فهم، فإذا كان الله ﷾ قد جعل المخلوق متصفًا بشيء من صفات الكمال، فإن الله ﷿ أولى أن يتصف بها، وهذا أمر متفق عليه بين العقلاء.
فإذا كان المخلوق متصفًا بصفات الكمال في بعض الأحيان، ومن بعض الوجوه فقط؛ فالله ﷿ أولى بها، فلا يصح مثلًا أن ننفي صفة العلم عن الله كما يفعل الجهمية، وإنما نقول: إن العلم صفة كمال، فما دام أنها صفة كمال وقد اتصف بها المخلوق فالخالق أولى بها، وهذا يدل على فساد عقول الجهمية، وأنهم ليسو على منهج مستقيم وطريقة مستقيمة، وإنما هم على طريق ضالة منحرفة من جهة النصوص الشرعية، ومن جهة العقل أيضًا.
وهناك استدلال ثالث على استحقاق الله ﷿ لصفات الكمال: حيث إن الله ﷿ هو واهب الكمال وهو معطيه، فالله ﷿ يعطي كثيرًا من صفات الكمال للمخلوقات، فيقال: إن واهب الكمال أحق به وأولى، فلا يمكن أن يهب الكمال لغيره وهو ناقص بأي وجه من الوجوه، ويمكن أن نثبت هذا بقول الله ﷾: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥].
إذًا: هم عندهم قوة، فقالوا: «من أشد منا قوة»
الجواب
الذي وهب لكم هذه القوة هو أشد منكم قوة؛ لأنكم كنتم ولا قوة لكم، فأعطاكم هذه القوة، فلا يمكن أبدًا أن تكونوا أقوى منه وهو الذي أعطاكم هذه القوة، وهذا دليل عقلي شرعي من أوضح الأدلة.
ويقول الله ﷿: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:٢٧] يعني: له الوصف الأعلى والأكمل من كل وجه من الوجوه.
وكذلك مما يدل على إثبات الكمال لله ﷾ أن الله ﷿ عندما ذكر آلهة المشركين بين أن عبادتها باطلة، حيث إنها اتصفت بصفات النقص، والإله لا يمكن أن يكون ناقصًا، ومثال ذلك: يقول الله ﷿ في قصة محاجة إبراهيم ﵇ لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢]، فقوله: «يا أبت لم تعبد ما لا يسمع» هذا نقص، «ولا يبصر» هذا نقص، «ولا يغني عنك شيئًا» هذا نقص ثالث، والله ﷿ قد بين أن الآلهة المعبودة من دونه باطلة؛ لأنها ناقصة، فهذا يدل على أنه هو الإله الحق، وأنه لا بد أن يكون كاملًا، ولهذا استدل عليهم أئمة السنة بمثل هذه الأدلة على إثبات الصفات، فمثلًا: يثبتون صفة السمع بقوله: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ﴾ فالإله لابد أن يكون سميعًا، ويثبتون صفة البصر بقوله: «ولا يبصر»، ويثبتون صفة الملك والأفعال لله ﷿ بقوله: ﴿وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾، ي
[ ٤ / ١٠ ]