صفات الله- تعالى- كلها صفات كمال لا نَقْصَ فيها بوجهٍ من الوجوه:
كالحياة، والعِلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والرحمة، والعزة، والحكمة، والعُلو، والعظمة، وغير ذلك».
الشرح
الصفة هي: ما قام بالذات مما يميزها عن غيرها من أمور ذاتية، أو معنوية، أو فعلية.
وقد تنوعت تقسيمات أهل السنة للصفات، وذلك بحسب الاعتبارات التي يرجع لها كل تقسيم، ومن تلك التقسيمات: أقسام الصفات عمومًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الصفات نوعان:
أحدهما: صفات نقص؛ فهذه يجب تنزيه الله عنها مطلقًا؛ كالموت، والعجز، والجهل.
والثاني: صفات كمال؛ فهذه يمتنع أن يماثله فيها شيء» (^١).
_________________
(١) «الصفدية» (١/ ١٠٢).
[ ١١٦ ]
ومعتقد أهل السنة في أسماء الله وصفاته هو: أنهم يؤمنون بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة إثباتًا ونفيًا، فهم بذلك:
١ - يُسَمُّون الله بما سمَّى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ، لا يزيدون على ذلك ولا ينقصون منه.
٢ - ويُثبتون لله ﷿ ويصفونه بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
٣ - وينفون عن الله ما نفاه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله محمد ﷺ، مع اعتقاد أنَّ الله موصوف بكمال ضد ذلك الأمر المنفي.
فأهل السنة سلكوا في هذا الباب منهج القرآن والسنة الصحيحة فكل اسم أو صفة لله سبحانه وردت في الكتاب والسنة الصحيحة فهي من قبيل الإثبات؛ فيجب بذلك إثباتها.
وأمَّا النفي فهو أن ينفى عن الله ﷿ كل ما يضاد كماله من أنواع العيوب والنقائص، مع وجوب اعتقاد ثبوت كمال ضد ذلك المنفي.
قال الإمام أحمد ﵀: «لا يُوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة» (^١).
* * *
_________________
(١) «الفتوى الحموية» (ص ٦١)، دار فجر التراث.
[ ١١٧ ]
قال المصنف ﵀:
«وقد دل على هذا: السَّمع والعقل والفطرة.
أمَّا السَّمع: فمنه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، والمَثل الأعلى: هو الوصف الأعلى».
الشرح
دليل السمع: جاء في القرآن العظيم آيات كثيرة تدل على أن الله تعالى موصوف بصفات الكمال؛ منها: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾، و(الأعلى): صيغة أفعل التَّفضيل، أي: أعلى من غيره (^١).
ومعناها كما قال القرطبي: «أي: الوصف الأعلى» (^٢)، وقال ابن كثير: «أي: الكمال المطلق من كل وجه» (^٣)، وقال ابن سعدي: «﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ وهو كل صفة كمال، وكل كمال في الوجود فالله أحق به من غير أن يستلزم ذلك نقصًا بوجه» (^٤).
لذا قال الإمام ابن القيم: «المَثل الأعلى يتضمن ثبوت الصفات العليا لله سبحانه، ووجودها العِلمي، والخبر عنها، وذكرها، وعبادة الرب سبحانه بها …» (^٥).
فالله تعالى وصف نفسه بأنَّ له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق،
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٠).
(٢) «تفسير القرطبي» (١٠/ ١١٩).
(٣) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٧٣).
(٤) «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» (٤/ ١٠٤).
(٥) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٤) بتصرف.
[ ١١٨ ]
المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.
ولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل- كان له المثل الأعلى، وكان أحق به مَنْ كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان؛ لأنهما إن تكافآ من كل وجه لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مِثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه؛ فتأمله فإنَّه في غاية الظهور والقوة» (^١).
_________________
(١) «الصواعق المرسلة» (٣/ ١٠٣٢)، و«شرح الطحاوية» (ص ١٤٤).
[ ١١٩ ]
قال المصنف ﵀:
«وأما العقل: فوجهه أن كل موجود حقيقة فلا بد أن تكون له صفة؛ إمَّا صفة كمال، وإما صفة نقص. والثاني باطل بالنسبة إلى الرِّبِّ الكامل المستحق للعبادة، ولهذا أظهر الله تعالى بطلان ألوهية الأصنام باتصافها بالنقص والعجز؛ فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، وقال عن إبراهيم وهو يحتج على أبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾، وعلى قومه: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾.
ثم إنَّه قد ثبت بالحسِّ والمشاهدة: أنَّ للمخلوق صفات كمال، وهى من الله تعالى، فمُعطي الكمال أَوْلَى به».
الشرح
الدليل العقلي على أن كل صفات الله تعالى صفات كمال:
قال الشيخ ابن عثيمين: «فإذا قال قائل: ما هو دليلكم على ان الله متصف بصفة الكمال؟
قلنا: كل موجود حقيقة لابد له من صفة، فإمَّا أن تكون صفة كمال، وإما أن تكون صفة نقص، أما صفات النقص فهي مستحيلة في حقِّ الله ﷿،
[ ١٢٠ ]
وأما صفات الكمال، فهي واجبة لله، فوجب أن يكون الله موصوفًا بصفات الكمال؛ لأنه منزه عن صفات النقص.
فإن قيل: هذا الحصر غير صواب؛ لأن الموجود قد يكون موصوفًا بصفات الكمال أو صفات النقص أو بصفةٍ لا نقص فيها ولا كمال.
قلنا: هذا القسم الأخير غير صحيح؛ لأنَّ الصفة التي لا كمال فيها ولا نقص هي في الحقيقة نقص؛ لأنها لغو وعبث، فالكمال: أن يكون الإنسان متصفًا بالصفات النافعة المفيدة، وما لا نفع فيه ولا ضرر، فهو داخل في صفات النقص؛ ولهذا قال النبي -ﷺ- حاثًّا على تكميل الإيمان: «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (^١)» (^٢).
ولابن القيم ﵀ كلام قريب من تقسيم الشيخ ابن عثيمين هنا للصفات؛ حيث قال: «الصفات ثلاثة أنواع: صفات كمال. وصفات نقص. وصفات لا تَقتضي كمالًا ولا نقصًا. وإن كانت القسمة التقديرية تقتضي قسمًا رابعًا، وهو ما يكون كمالًا ونقصًا باعتبارين، والرب تعالى منزه عن الأقسام الثلاثة وموصوف بالقسم الأول، وصفاته كلها صفات كمال محض؛ فهو موصوف من الصفات بأكملها، وله من الكمال أكمله» (^٣).
والدليل الثاني من العقل أن نقول: نحن نشاهد في المخلوق صفات كمال، والذي أعطاه هذا الكمال هو الله تعالى؛ فمُعطي الكمال أَوْلَى بالكمال، ومِن كماله: أنه أعطى الكمال، فهذا- أيضًا- دليل عقلي على ثبوت صفات الكمال لله ﷿؛ ولهذا استدل الله ﷿ على بطلان ألوهية الأصنام؛ لأنها ناقصة، فقال ﷾: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٦٠١٨) ومسلم (٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٢، ١٠٣).
(٣) «بدائع الفوائد» (١/ ١٧٧)، مكتبة نزار مصطفى الباز - مكة المكرمة، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.
[ ١٢١ ]
يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون﴾ [الأحقاف: ٥]، وقال تعالى: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون من أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون﴾ [النحل: ٢١، ٢٠]، وقال إبراهيم يحاجُّ أباه: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾، وقال محاجًّا لقومه: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾.
فتبين أن الرب لا بد أن يكون كامل الصفات وإلَّا لم يصح أن يكون ربًّا» (^١).
* * *
_________________
(١) «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٣، ١٠٤).
[ ١٢٢ ]
قال المصنف ﵀:
«وأمَّا الفطرة: فلأن النفوس السليمة مجبولة مَفطورة على محبة الله وتعظيمه وعبادته، وهل تُحِبُّ وتُعَظِّم وتَعْبُد إلَّا مَنْ عَلِمت أنه مُتَّصف بصفات الكمال اللائقة بربوبيته وأُلوهيته؟».
الشرح
أي: أن الفطرة السليمة أو النفوس المجبولة على الفطرة السليمة تحبُّ الله وتعظمه؛ لكماله، إذ إن المجهول لا يُحب ولا يُعظم، ومَن عُلم نَقصه لا يُحَب ولا يُعَظَّم؛ فالفطرة (التي هي: محبة الله وتعظيمه) مبنية على أصل، وهو: علم الإنسان فطريًّا بكمال صفات مَنْ يعبده ﷾ (^١).
* * *
_________________
(١) «شرح القواعد المثلى» للشيخ ابن عثيمين (ص ١٠٤).
[ ١٢٣ ]
قال المصنف ﵀:
«وإذا كانت الصفة نقصًا لا كمال فيها، فهي ممتنعة في حق الله تعالى؛ كالموت، والجهل، والنسيان، والعَجز، والعَمى، والصمم، ونحوها؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾، وقوله عن موسى: ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْض﴾، وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. وقال النبي ﷺ في الدجال: «إنَّه أعور، وإنَّ ربكم ليس بأعور»، وقال: «أيُّها الناس، اربعُوا على أنفسِكم؛ فإنَّكم لا تَدعون أصمَّ ولا غائبًا».
وقد عاقب الله- تعالى- الواصفين له بالنقص، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.
ونزَّه نفسه عما يَصِفُونه به من النقائص، فقال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا
[ ١٢٤ ]
بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾».
* * *
الشرح
قال ابن القيم: «فله مِنْ كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى وأبعده عن شائبة عيب أو نقص. فله مِنْ صفة الإدراكات: العليم الخبير، دون العاقل الفقيه. والسميع البصير، دون السامع والباصر والناظر …» (^١).
فقول أهل السنة في الصفات مبنيٌّ على أصلين:
أحدهما: أنَّ الله ﷾ منزه عن صفات النقص مطلقًا؛ كالسِّنَة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك.
والثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يُماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات» (^٢).
ومن النصوص التي توضح ذلك ما يلي:
أ- قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾؛ ففي مقام النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وفي مقام الإثبات: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
ب- قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾؛ ففي مقام الإثبات: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ﴾؛ وفي مقام النفي: ﴿الَّذِي لا يَمُوتُ﴾.
ج- قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾؛ ففي مقام الإثبات: ﴿اللَّهُ﴾، و﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي مقام النفي: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، و﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾.
وأما من السنة، ففي مقام الإثبات قوله ﷺ: «يَنزل ربُّنا ﷿ حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى سماء الدنيا» (^٣).
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٨).
(٢) «منهاج السنة» (٢/ ٥٢٣).
(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٢٥ ]
وقوله ﷺ: «لما قضى الله ﷿ الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: أن رحمتي غلبت غضبي» (^١).
وفي مقام النفي قوله ﷺ: «ارْبَعُوا على أنفسكم (^٢)؛ فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا» (^٣)، وقوله ﷺ: «إنَّ الله تعالى ليس بأعور» (^٤)، وقوله ﷺ: «إنَّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام» (^٥).
وإثباتُ الصفة أو نفيُها مردُّه إلى وُرود ذلك نصًّا في القرآن أو السُّنَّة الصحيحة، إذ الصفاتُ توقيفية كالأسماء، ولذلك يقول السفاريني: «لا خلاف بين العقلاء أن الله﷾- متصف بجميع صفات الكمال، منزه عن جميع صفات النقص، لكنهم مع اتفاقهم على ذلك اختلفوا في الكمال والنقص؛ فتراهم يُثبت أحدهم لله ما يظنُّه كمالًا، وينفي الآخرُ عينَ ما أثبته هذا لظنِّه نقصًا، وسبب ذلك: أنهم سَلَّطوا الأفكار على ما لا سبيل إليه من طريق الفكر، فإن الله- تعالى- خلق العقول، وأعطاها قوة الفكر، وجعل لها حدًّا تقف عنده من حيث ما هي مفكرة، لا من حيث ما هي قابلة للوهب الإلهي، فإذا استعملت العقول أفكارها فيما هو في طورها وحدها ووفَّت النظر حقه، أصابت بإذن الله تعالى، وإذا سلطت الأفكار على ما هو خارج عن طورها ووراء حدها الذي حدَّه الله لها، رَكِبَت متن عمياء، وخبطت خبط عشواء، فلم يَثبت لها قدم، ولم ترتكن على أمر تطمئن إليه، فإن معرفة الله التي وراء طورها مما لا تستقل العقول بإدراكها من طريق الفكر وترتيب المقدمات، وإنما تدرك ذلك بنور النبوة وولاية المتابعة؛ فهو اختصاص إلهي يختص به الأنبياء وأهل وراثتهم مع حسن المتابعة، وتصفية القلب من وضر البدع والفكر من نزغات الفلسفة، والله يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم» (^٦).
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٧٥٥٣)، ومسلم (٢٧٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أي: ارفقوا بأنفسكم.
(٣) أخرجه البخاري (٢٩٩٢) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٤) متفق عليه: أخرجه البخاري (٣٠٥٧) ومسلم (٢٩٣١) من حديث ابن عمر ﵄.
(٥) أخرجه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٦) «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني، مؤسسة الخافقين، دمشق، الطبعة الثانية، ١٤٠٢ هـ- ١٩٨٢ م.
[ ١٢٦ ]
* * *
قال المصنف ﵀:
«وإذا كانت الصِّفة كمالًا في حال، ونقصًا في حال لم تكن جائزة في حق الله، ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، فلا تُثْبَت له إثباتًا مطلقًا، ولا تُنْفَى عنه نفيًا مطلقًا، بل لا بد من التفصيل؛ فتجوز في الحال التي تكون كمالًا، وتمتنع في الحال التي تكون نقصًا، وذلك كالمكر، والكَيد، والخداع، ونحوها، فهذه الصفات تكون كمالًا إذا كانت في مقابلة مَنْ يعاملون الفاعل بمثلها؛ لأنها حينئذٍ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بِمِثل فِعله، أو أشد، وتكون نقصًا في غير هذه الحال، ولهذا لم يذكرها الله تعالى من صفاته على سبيل الإطلاق، وإنما ذكرها في مقابلة مَنْ يُعاملونه ورسله بمثلها؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾، وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾.
ولهذا لم يَذكر الله أنه خان مَنْ خانوه؛ فقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، فقال: ﴿فأمكن منهم﴾، ولم يقل: فخانهم. لأن الخيانة خدعة في مقام الائتمان، وهى صفة ذم مطلقًا.
[ ١٢٧ ]
وبذا عُرف أن قول بعض العوام: (خان الله مَنْ يخون). منكر فاحش يجب النَّهي عنه».
* * *
الشرح
قال ابن القيم ﵀: «إنَّ الصفة إذا كانت مُنقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه، بل يُطلق عليه منها كمالها، وهذا كالمريد والفاعل والصانع، فإن هذه الألفاط لا تَدخل في أسمائه، ولهذا غلط مَنْ سَمَّاه بالصانع عند الإطلاق، بل هو الفَعَّال لما يريد، فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة، ولهذا إنما أطلقَ على نفسه مِنْ ذلك أكمله فعلًا وخبرًا» (^١).
ومِن هنا يتبتن لك خطأ مَنْ أطلق عليه اسم الصانع والفاعل والمربي ونحوها؛ لأن اللفظ الذي أطلقه- سبحانه- على نفسه، وأخبر به عنها أتم من هذا، وأكمل وأجل شأنًا، فإنه يُوصف من كل صفة كمال بأكملها وأجلها وأعلاها؛ فيوصف من الإرادة بأكملها، وهو الحكمة وحصول كل ما يريد بإرادته … فعليك بمراعاة ما أطلقه سبحانه على نفسه من الأسماء والصفات، والوقوف معها وعدم إطلاق ما لم يُطلقه على نفسه، ما لم يكن مطابقًا لمعنى أسمائه وصفاته، وحينئذ فيطلق المعنى لمطابقته لها دون اللفظ، ولا سيما إذا كان مجملًا أو منقسمًا أو مما يمدح به غيره، فإنه لا يجوز إطلاقه إلا مقيدًا …، بل وصف نفسه بكمالاتها وأشرف أنواعها.
ومِن هنا يُعلم غلط بعض المتأخرين وزلقه الفاحش في اشتقاقه له سبحانه مِنْ كل فعل أخبر به عن نفسه اسمًا مطلقًا، وأدخله في أسمائه الحسنى؛ فاشتق منها: اسم الماكر، والمخادع، والفاتن، والمضل؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا (^٢).
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦١).
(٢) انظر: «تيسير العزيز الحميد» (ص ٥٧٢، ٥٧٣).
[ ١٢٨ ]
وقال الشيخ حافظ حكمي: «اعلم أنَّه قد ورد في القرآن أفعال أطلقها الله ﷿ على نفسه على سبيل الجزاء والعدل والمقابلة، وهي فيما سِيقت فيه مدحٌ وكمالٌ، لكن لا يجوز أن يُشتق له تعالى منها أسماء، ولا تُطلق عليه في غير ما سِيقت فيه من الآيات؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم﴾، وقوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، ونحو ذلك، فلا يجوز أن يُطلق على الله تعالى: مخادع، ماكر، ناسٍ، مُستهزئ، ونحو ذلك مما تعالى الله عنه، ولا يُقال: الله يَستهزئ ويُخادع ويَمكر ويَنسى على سبيل الإطلاق؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا) (^١).
_________________
(١) «معارج القبول» (١/ ٧٦).
[ ١٢٩ ]
قال المصنف ﵀: