أسماءُ الله- تعالى- إن دلَّت على وصفٍ مُتعدٍّ تضمَّنت ثلاثة أمور:
أحدها: ثُبوت ذلك الاسم لله ﷿.
الثاني: ثُبوت الصِّفة التي تضمَّنها لله ﷿.
الثالث: ثُبوت حُكمها ومقتضاها.
ولهذا استدل أهلُ العلم على سقوط الحدِّ عن قُطَّاع الطريق بالتوبة، استدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]؛ لأنَّ مُقتضى هذين الاسمين أن يكون الله تعالى قد غفر لهم ذنوبهم، ورحمهم بإسقاط الحد عنهم.
مثال ذلك: «السَّميع» يَتضمن إثبات السَّميع اسمًا لله تعالى، وإثبات السَّمع صِفة له، وإثبات حكم ذلك ومُقتضاه، وهو أنه يَسمع السِّرَّ والنَّجوى، كما قال تعالى ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].
الشرح
أي: إذا تقرَّر أن أسماء الله أعلام وأنها أوصاف، فلا بد أن تنظر إلى هذه الأوصاف: هل هي أوصاف لازمة أو أوصاف متعدية؟
[ ٦٥ ]
فلو نظرت إليها باعتبار أنها أوصاف لله تعالى -﷾-؛ فـ (الحيُّ): اسمٌ، ومتضمن للحياة، والحياة: صفة. و(السَّميع): اسم، ومتضمن للسمع، والسَّمع: صفة.
فهي كلها صفات، لكن من الصفات:
- ما هو لازم، بمعنى: أنه يختص بالله -﷾- دون أن يتعدى إلى المخلوق.
لكن هناك ما يسمى (الأثر)؛ فأنت لما تُثبت أنه الحي وله صفة الحياة، فهذا يعطي العظمة والكمال لله -﷾-، لكن الحكم لا يتأتى هنا (أي: الفعل) لا يأتي من (الحي)، بل يُقتصر على الاسم والصفة.
- ومنها ما هو مُتعد، أي: ما له تعلق بالمخلوق، بمعنى: أنه قد تعدى للمخلوق؛ فـ (الحي) غير (المحيي). فـ (الحيُّ) حياته هو ﷾، فهذا غير متعد. و(المحيي) متعدي؛ لأنَّ إحياءه للمخلوق.
إذا فهمت هذا الاعتبار أمكن أن تفصل بين بعض أسماء الله وغيرها.
فإذا كان وصفًا لازمًا فله اعتبار، وإذا كان وصفًا متعديًا فله اعتبار.
فنحن آمنا بأسماء الله، وآمنا بأن هذه الأسماء متضمنة للصفات، ثم آمنا بأن هذه الصفات منها ما هو كذا ومنها ما هو كذا، فإذا كان من النوع الأول الذي دل على وصف متعد؛ فيلزمك ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن تُثبت هذا الاسم لله؛ فمثلًا: تقول: (السميع) من أسماء الله تعالى، وأنا أومن بأنه من أسمائه ﷾.
الأمر الثاني: أن تؤمن بأن من صفاته ﷿: السَّمع؛ لأن (السميع) تضمَّن معنى السمع؛ فتؤمن بثبوت الصفة التي هي السَّمع.
الأمر الثالث: أن تُثبت الحكم والمُقتضى، وهو أنَّ الله يسمعنا، كما قال تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما﴾.
[ ٦٦ ]
وهكذا (العليم) ننظر هل هو متعد أو لازم؟
فـ (العليم) اسم، والعلم صفة، إذًا الله يَعلم، كما قال تعالى: ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾، فتعدى، وهكذا.
فإذًا نحن نثبت الاسم، ونثبت الصفة، ونثبت الحكم والمقتضى، وهذا الحكم والمقتضى نسمِّيه أحيانًا (الفعل)؛ فنُثبت هذا الفعل.
قال المصنف: «ولهذا استدل أهلُ العلم على سقوط الحدِّ عن قُطَّاع الطريق بالتوبة، استدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]»؛ أي: بما أنه غفور رحيم، فعند ذلك يسقط الحد عن الذي تاب من قُطَّاع الطرق قبل أن يُقدر عليه؛ بمعنى (يُقبض عليه وهو متلبي بهذا الشيء).
فمقتضى هذين الاسمين: أن يكون الله قد غَفر لهم ذنبَهم، ورحمهم بإسقاط الحدِّ عنهم.
[ ٦٧ ]
قال المصنف ﵀:
«وإن دَلَّت على وصف غير متعدٍّ تضمنت أمرين:
أحدهما: ثُبوت ذلك الاسم لله ﷿.
الثاني: ثُبوت الصِّفة التي تضمنها لله ﷿.
مثال ذلك: (الحي) يتضمن إثبات الحيِّ اسمًا لله ﷿، وإثبات الحياة صِفَةً له.
الشرح
أسماء الله تعالى إن دَلَّت على وصف متعدٍّ تضمَّنت ثلاثة أمور:
أحدها: ثبوت ذلك الاسم لله ﷿.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله ﷿.
الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها.
وإن دَلَّت على وصف غير متعد تضمنت أمرين:
أحدهما: ثبوت ذلك الاسم لله ﷿.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله ﷿.
مثال ذلك:
أ- مثال للاسم الذي دل على وصف متعدٍّ: (السميع).
١ - يتضمن إثبات (السميع) اسمًا لله تعالى.
٢ - وإثبات (السمع) صفة له.
٣ - وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه يَسمع السِّر والنَّجوى؛ كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
[ ٦٨ ]
ب- مثال للاسم الذي دلَّ على وصف غير متعدٍّ: (الحيُّ):
١ - يتضمن إثبات (الحيِّ) اسمًا لله ﷿.
٢ - إثبات (الحياة) صفة له.
وفي هذا يقول ابن القيم ﵀: «إن الاسم إذا أُطلق عليه جاز أن يشتق منه المصدر والفعل؛ فيخبر عنه فعلًا ومصدرًا نحو: (السميع)، (البصير)، (القدير) يُطلق عليه منه السمع والبصر والقدرة، ويخبر عنه بالأفعال من ذلك نحو: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾، ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾، وهذا إذا كان الفعل متعديًا.
فإن كان لازمًا لم يُخبر عنه به، نحو (الحي)، بل يُطلق عليه الاسم والمصدر دون الفعل، فلا يُقال: (حيي) (^١).
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٢).
[ ٦٩ ]
قال المصنف ﵀: